د. محمد الجمال يكتب.. مرحبًا بالشركات الصينية في مصر

قرأت خبر لقاء وزير الصناعة مع وفد الشركة الصينية الوطنية للإطارات والمطاط باهتمام شديد، ليس فقط لأن الحديث يدور حول استثمارات جديدة بمئات الملايين من الدولارات، ولكن لأن هذا الخبر يعكس شيئًا أراه مهمًا جدًا لمستقبل الصناعة المصرية.
وفي وجهة نظري كرجل صناعة، فإن أي شركة عالمية كبيرة تقرر أن تضخ استثمارات جديدة في مصر، هي في الحقيقة ترسل رسالة ثقة قبل أن تبني مصنعًا أو تفتتح خط إنتاج. المستثمر لا يضع أمواله بالمليارات في مكان لا يثق في مستقبله، ولذلك فإن التوسع الصيني المتزايد في السوق المصري يستحق التوقف أمامه والتأمل في دلالاته.
وأرى كرجل صناعة أن مصر اليوم أصبحت تمتلك فرصة حقيقية لتكون مركزًا صناعيًا إقليميًا، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي المتميز، ولكن أيضًا بسبب ما تمتلكه من بنية تحتية حديثة وموانئ وشبكات طرق ومناطق صناعية واتفاقيات تجارة حرة تفتح أبواب عشرات الأسواق أمام أي مصنع يُقام على أرضها.
ولذلك أقولها بوضوح: مرحبًا بالشركات الصينية في مصر.
مرحبًا بكل شركة صينية تريد أن تصنع سيارة في مصر، أو تنتج إطارات، أو تؤسس مصنعًا للألومنيوم، أو تدخل في صناعات الحديد والصلب أو مكونات السيارات أو الصناعات الهندسية أو الطاقة الجديدة. فكل مصنع جديد يعني فرص عمل جديدة، وخبرات جديدة، وتكنولوجيا جديدة، وصادرات جديدة.
خلال الشهور الأولى من عام 2026 شهدنا اهتمامًا صينيًا متزايدًا بالسوق المصري. فهناك توسعات في قطاع الإطارات، ومفاوضات في صناعة الألومنيوم، واهتمام بصناعات الحديد والصلب والتعدين والطاقة المتجددة. وهذا التنوع يؤكد أن المستثمر الصيني لم يعد ينظر إلى مصر كسوق استهلاكية فقط، وإنما كبوابة إنتاج وتصدير للأسواق المحيطة.
والحقيقة أن هذا التوجه لم يأت من فراغ. فمنذ سنوات والرئيس عبد الفتاح السيسي يدعو إلى توطين الصناعة وجذب الاستثمارات الإنتاجية، كما حرص خلال لقاءاته المتعددة مع القيادة الصينية على تعزيز الشراكة الاقتصادية والصناعية بين البلدين. كما شهدت الفترة الأخيرة زيارات مهمة لرئيس مجلس الوزراء ووزير الصناعة إلى الصين، بهدف جذب المزيد من الاستثمارات الصناعية ونقل التكنولوجيا وتوسيع نطاق التعاون المشترك.
وفي رأيي كرجل صناعة، فإن نجاح الاستثمارات الصينية في مصر لا يعتمد على الحكومة وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى شراكة حقيقية من القطاع الخاص المصري. رجال الأعمال المصريون يمتلكون خبرة واسعة في السوق المحلية، ويعرفون احتياجات المستهلك المصري، ويمتلكون شبكات توزيع وعلاقات تجارية يمكن أن تساعد أي مستثمر أجنبي على النجاح.
ومن هنا فإن المرحلة القادمة يجب أن تقوم على مبدأ “الشراكة لا المنافسة”. فالشركة الصينية تمتلك التكنولوجيا والخبرة الصناعية ورأس المال، بينما يمتلك الشريك المصري المعرفة بالسوق والقدرة على إدارة شبكات التوزيع والتعامل مع البيئة المحلية. وعندما يجتمع الطرفان تكون النتيجة أكثر نجاحًا للطرفين وللاقتصاد المصري.
ما نحتاجه اليوم ليس مجرد استثمارات أجنبية جديدة، بل مصانع حقيقية تنقل التكنولوجيا وتزيد نسبة المكون المحلي وتفتح أسواقًا تصديرية جديدة للمنتج المصري. وما نحتاجه أيضًا هو أن يشعر المستثمر الأجنبي بأن مصر شريك طويل الأجل، وليس مجرد محطة مؤقتة.
لذلك أرى أن الرسالة التي يجب أن تصل إلى مجتمع الأعمال الصيني واضحة ومباشرة: مصر ترحب بكم، والدولة تدعمكم، والقطاع الخاص مستعد للتعاون معكم، والسوق المصري والإفريقي والعربي مفتوح أمامكم.
فكل مصنع جديد يُبنى على أرض مصر هو خطوة جديدة نحو اقتصاد أقوى، وصناعة أكثر قدرة على المنافسة، ومستقبل يوفر فرصًا أكبر للأجيال القادمة.