هل نجحت إيران في كسر عقيدة الردع الإسرائيلية أم فرضت معادلة ردع متبادل جديدة؟

بين الصاروخ والقرار السياسي

الردع ليس إسقاط الصواريخ فقط في الخطط الاستراتيجية، ولا تُقاس قوة الردع بعدد الصواريخ التي تُطلق أو بعدد الأهداف التي تُصاب، بل بقدرة الدولة على منع خصومها من اتخاذ قرار الهجوم. ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الحقيقي بعد الهجوم الإيراني الأخير، مساء يوم الأحد الموافق 7 يونيو 2026، على إسرائيل، لا يتعلق بحجم الخسائر العسكرية بقدر ما يتعلق بمدى تأثر صورة الردع الإسرائيلي التي تشكلت عبر عقود طويلة من التفوق العسكري والتكنولوجي. لقد قامت العقيدة الأمنية الإسرائيلية تاريخيًا على عدة ركائز أساسية، أهمها نقل المعركة إلى أرض الخصم، والرد السريع والحاسم، وإقناع الخصوم بأن تكلفة المواجهة مع إسرائيل تفوق أي مكاسب محتملة منها. إلا أن التطورات الأخيرة كشفت أن هذه المعادلة تواجه اختبارًا غير مسبوق.

منطق القوة يواجه منطق الإرادة

رغم الفارق الكبير في القدرات العسكرية والتكنولوجية، فإن إيران سعت من خلال الهجوم إلى توجيه رسالة سياسية قبل أن تكون عسكرية، مفادها أن امتلاك القوة لا يعني احتكار قرار التصعيد أو الرد. وفي هذا السياق، يمكن القول إن طهران لم تكن تستهدف فقط أهدافًا مادية، بل كانت تستهدف أيضًا صورة الردع الإسرائيلية ذاتها، وهي الصورة التي تمثل أحد أهم عناصر القوة النفسية والسياسية في الشرق الأوسط. فحين تتمكن دولة من تنفيذ هجوم مباشر على إسرائيل، رغم ما تمتلكه الأخيرة من منظومات دفاع متطورة وتحالفات دولية واسعة، فإن ذلك يفتح باب التساؤلات حول حدود الردع التقليدي وقدرته على منع الخصوم من المبادرة بالفعل.

لماذا تأخرت إسرائيل في الرد؟

اللافت في المشهد الحالي أن النقاش لم يعد يدور حول قدرة إسرائيل على الرد، فهذه القدرة لا تزال قائمة بلا شك، وإنما حول جدوى الرد وتوقيته وحدوده. وتشير المعطيات السياسية إلى أن الولايات المتحدة وعددًا من الشركاء الغربيين والإقليميين مارسوا ضغوطًا مكثفة لاحتواء الموقف ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة شاملة قد تتجاوز حدود إيران وإسرائيل لتشمل مسارح أخرى في الشرق الأوسط.

فواشنطن تدرك أن أي رد إسرائيلي واسع النطاق قد يجر المنطقة إلى دورة تصعيد مفتوحة، بما يهدد أمن الممرات البحرية العالمية وأسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي، ويضع القوات والمصالح الأمريكية المنتشرة في المنطقة أمام مخاطر متزايدة. كما أن العديد من الدول الصديقة لإسرائيل تنظر إلى احتواء الأزمة باعتباره خيارًا أكثر حكمة من توسيعها، خصوصًا في ظل هشاشة البيئة الأمنية الإقليمية وتعقيد الملفات المشتعلة بالفعل في أكثر من ساحة.

الردع الإسرائيلي بين التحدي والانهيار

من المبكر الحديث عن انهيار عقيدة الردع الإسرائيلية، فإسرائيل ما زالت تمتلك تفوقًا عسكريًا نوعيًا وقدرات استخباراتية وتقنية تجعلها قادرة على الرد. ولكن من الواضح أيضًا أن الردع لم يعد أحادي الاتجاه كما كان في مراحل سابقة. لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن خصوم إسرائيل أصبحوا أكثر استعدادًا لتحمل المخاطر، وأكثر قدرة على توظيف أدوات الرد المختلفة، وهو ما يفرض على صانع القرار الإسرائيلي إعادة تقييم العديد من الافتراضات الأمنية التي حكمت المشهد خلال السنوات الماضية.

ولادة معادلة جديدة

ربما لا يكون الوصف الأدق لما جرى هو “كسر الردع الإسرائيلي” بل الانتقال التدريجي نحو معادلة “الردع المتبادل”، فكل طرف أصبح يدرك أن التصعيد المباشر يحمل كلفة مرتفعة على الجميع، وأن القدرة على الضرب لم تعد تعني القدرة على فرض الإرادة السياسية بصورة مطلقة. ومن هنا يمكن النظر إلى التدخل الأمريكي والجهود الدولية الرامية إلى منع الرد الإسرائيلي الواسع باعتبارها مؤشرًا مهمًا على أن المجتمع الدولي يخشى تداعيات الحرب أكثر مما يراهن على نتائجها.

في النهاية، يُمكن القول إن إيران لم تحقق نصرًا عسكريًا حاسمًا، ولم تتعرض إسرائيل لهزيمة استراتيجية بالمعنى التقليدي، لكن ما حدث يمثل نقطة تحول مهمة في معادلات القوة الإقليمية. لقد نجحت إيران في توجيه ضربة لصورة الردع الإسرائيلي، بينما نجحت الولايات المتحدة وشركاؤها حتى الآن في منع تحول الأزمة إلى حرب إقليمية واسعة. أما النتيجة الأهم، فهي أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها مفاهيم الردع الأحادي لصالح توازنات أكثر تعقيدًا، حيث لم يعد السؤال: من يمتلك القوة الأكبر؟ بل من يستطيع إدارة القوة دون أن يتحول استخدامها إلى حرب لا يريدها أحد.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى