في ذكرى الخامس من يونيو 1967.. حين هُزمت الجيوش ولم يُهزم الجندي المصري

تمر ذكرى الخامس من يونيو من كل عام، فتعود إلى الذاكرة واحدة من أكثر المحطات إيلامًا في التاريخ العربي المعاصر. غير أن الأمم العظيمة لا تقف طويلًا أمام لحظات الانكسار، بل تتأملها لتستخلص منها أسباب النهوض، وتقرأ ما وراء الأحداث لتدرك أن الهزيمة العسكرية في معركة ما لا تعني أبدًا هزيمة الإنسان أو انهيار الإرادة الوطنية. لقد كُتب الكثير عن نكسة يونيو 1967، وتناول المؤرخون أسبابها السياسية والعسكرية والاستراتيجية، لكن ما لم ينل حقه الكافي من التوثيق والإنصاف هو الحديث عن بطولات الجنود والضباط المصريين الذين قاتلوا حتى اللحظة الأخيرة، وقدموا نماذج خالدة من الشجاعة والفداء والانتماء للوطن.

إن من يقرأ تاريخ تلك الأيام الصعبة يدرك أن ما حدث لم يكن انهيارًا للجندي المصري، بل كان خللًا في منظومة إدارة المعركة، بينما ظل المقاتل المصري محتفظًا بجوهره الأصيل الذي أثبت لاحقًا للعالم كله قدرته على تحقيق المستحيل في حرب أكتوبر 1973.

لقد شهد يوم الخامس من يونيو مشاهد بطولية نادرة جسدت معنى الواجب العسكري في أسمى صوره. ففي الوقت الذي تعرضت فيه المطارات المصرية لهجوم جوي كثيف ومفاجئ، وأصبحت الممرات تحت القصف المباشر، كان هناك طيارون مصريون يعلمون أن فرص العودة تكاد تكون معدومة، ومع ذلك اندفعوا نحو طائراتهم ليخوضوا معركة غير متكافئة دفاعًا عن سماء الوطن.

كان الشهيد الملازم الطيار سعيد عثمان، وهو لم يتجاوز الحادية والعشرين من عمره، نموذجًا لهذه الروح المقاتلة، إذ أقلع بطائرته وسط القصف المباشر، واندفع نحو التشكيلات المعادية في مواجهة تكاد تقترب من التضحية المؤكدة، حتى ارتقى شهيدًا وهو يؤدي واجبه.

وكان الشهيد النقيب الطيار عبد المنعم مرسي مثالًا آخر على البطولة والإقدام، عندما أقلع من ممر مدمر لا يسمح عمليًا بإقلاع الطائرة، واشتبك مع المقاتلات المعادية في قتال جوي متلاحم، وأسقط طائرتين قبل أن يستشهد داخل طائرته.

كما سجل الشهيد المقدم الطيار مدحت المليجي صفحة مضيئة في سجل الفداء، حين عاد من مهمته القتالية ليجد المطارات مدمرة، فاختار الهبوط الاضطراري حفاظًا على طائرته، ثم ضحى بحياته لإنقاذ المدنيين عندما غيّر مسار الطائرة بعيدًا عن سيارة مدنية كانت في طريقها.

ولم تكن هذه البطولات استثناءً، بل كانت جزءًا من مشهد واسع ضم أسماءً خالدة من نسور القوات الجوية الذين أثبتوا أن الشجاعة لا ترتبط بنتائج المعارك بقدر ارتباطها بالاستعداد للتضحية من أجل الوطن. وعلى الأرض كانت هناك صفحات أخرى لا تقل إشراقًا، فقد سطرت الكتيبة الحادية عشرة مدرعات التابعة للحرس الجمهوري بقيادة الرائد سعودي إبراهيم سعد نموذجًا فريدًا في الصمود والانضباط القتالي. وبينما سادت حالة من الارتباك، تمسكت الكتيبة بقدراتها الميدانية المنظمة، واستطاعت الحفاظ على تماسكها القتالي، بل أصبحت نقطة ارتكاز لقوات أخرى. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تصل أصداء شجاعة هذه الكتيبة إلى القيادة السياسية عبر تقارير تناولت استبسال رجالها، ومن رحم تلك التجربة وُلد لاحقًا أحد أهم تشكيلات النخبة المدرعة الذي كان له دور مهم في الاستعدادات العسكرية التي قادت إلى نصر أكتوبر المجيد.

إن قراءة هذه النماذج تؤكد حقيقة تاريخية مهمة، وهي أن المؤسسة العسكرية المصرية لم تُهزم في يونيو بسبب غياب الشجاعة أو ضعف العقيدة القتالية، وإنما بسبب ظروف معقدة وأخطاء تراكمت على مستويات مختلفة. أما الجندي المصري فقد ظل محتفظًا بإيمانه العميق بوطنه واستعداده للتضحية من أجله. ومن هنا تأتي أهمية استحضار ذكرى يونيو بوصفها درسًا استراتيجيًا لا مناسبة للحزن فقط، فالأمم التي تتعلم من أخطائها هي وحدها القادرة على صناعة المستقبل. وقد أثبتت مصر ذلك عمليًا عندما حولت آلام النكسة إلى قوة دفع هائلة لإعادة بناء القوات المسلحة خلال سنوات قليلة، وصولًا إلى العبور العظيم في أكتوبر 1973، الذي أصبح نموذجًا عالميًا في التخطيط والإعداد واستعادة الكفاءة القتالية.

الدروس المستفادة

١- أن قوة الدولة لا تُقاس بحجم تسليحها فقط، بل بقدرتها على بناء مؤسسات قوية قادرة على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.

٢- أن العقيدة الوطنية والروح المعنوية تظلان العنصر الحاسم في صمود الجيوش أثناء الأزمات.

٣- أن الاستثمار في التعليم والتدريب والتخطيط الاستراتيجي يمثل خط الدفاع الأول عن الأمن القومي.

٤- أن وحدة الشعب خلف دولته ومؤسساته الوطنية تشكل أحد أهم عناصر الردع والحماية في أوقات التحديات.

٥- أن مراجعة التجارب التاريخية بموضوعية هي الطريق الحقيقي لتجنب تكرار الأخطاء.

توصيات للمستقبل

في ظل ما تشهده المنطقة العربية والشرق الأوسط من اضطرابات وصراعات متشابكة، تبرز الحاجة إلى مواصلة دعم قدرات الدولة المصرية الشاملة، وتعزيز الوعي الوطني لدى الأجيال الجديدة، وتحصين المجتمع ضد الشائعات وحروب المعلومات، والاستمرار في تطوير القوات المسلحة باعتبارها الدرع الحامي للدولة المصرية ومقدراتها.

كما تقتضي المرحلة الراهنة تعزيز التماسك الوطني والاصطفاف الواعي خلف مؤسسات الدولة والقيادة السياسية والعسكرية، ليس من منطلق الشعارات، وإنما من منطلق إدراك طبيعة التحديات التي تواجه المنطقة وما تتطلبه من وحدة الصف وقوة الجبهة الداخلية.

رسالة إلى أبناء الوطن

إن الأمم لا تُبنى باليأس، ولا تنهض بالانقسام، ولا تحمي أوطانها بالشكوك والتشكيك، والتاريخ يعلمنا أن مصر كانت دائمًا أكبر من التحديات، وأن أبناءها كانوا على قدر المسؤولية كلما اشتدت المحن.

وفي ذكرى الخامس من يونيو، لا نستدعي الهزيمة، بل نستدعي الإرادة التي تجاوزتها. لا نتذكر الانكسار، بل نتذكر الرجال الذين رفضوا الاستسلام. نتذكر الطيار الذي أقلع وسط النيران، والجندي الذي تمسك بسلاحه، والقائد الذي حافظ على رجاله، والمؤسسة العسكرية التي أعادت بناء نفسها لتصنع بعد سنوات قليلة أحد أعظم انتصارات العصر الحديث. لقد أثبتت التجارب أن الجندي المصري، عندما تتوافر له القيادة والكفاءة والإعداد، قادر على صنع المعجزات العسكرية، وأن حب الوطن يظل القوة التي لا يمكن لأي عدو أن يهزمها.

رحم الله شهداء مصر الأبرار، وحفظ قواتها المسلحة، وأدام على الوطن أمنه واستقراره، لتبقى مصر، كما كانت دائمًا، حصن الأمة وركيزة الاستقرار في محيط إقليمي يموج بالتحديات والمتغيرات.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى