لواء أحمد زغلول يكتب.. محطات في حياتي.. المحطة الثلاثون

قرارك •• وعيٌ يصنع المستقبل وجيلٌ يعيد ترتيب أولويات الحياة….. بين ضجيج العالم وصوت العقل

في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتزاحم فيه الرسائل، وتتنافس فيه المصالح على جذب انتباه الإنسان بكل الوسائل الممكنة، أصبح الفرد يعيش داخل دائرة من التأثيرات المتلاحقة التي تدفعه نحو قرارات قد لا تكون نابعة من احتياجه الحقيقي، بل من ضغط الواقع المحيط به. لقد تحوّل الاستهلاك من وسيلة لتلبية الاحتياجات إلى نمط حياة يفرض نفسه على تفاصيل يومنا، حتى باتت قيمة الإنسان في نظر البعض تُقاس بما يملك لا بما يفكر، وبما يستهلك لا بما يضيف. وهنا تكمن الخطورة؛ حيث يختل الميزان بين الاحتياج والرغبة، ويصبح القرار مرهوناً بلحظة لا بعقل. وفي ظل هذه التحديات، يصبح الوعي ليس رفاهية بل ضرورة، وتتحول المبادرات الفكرية إلى خطوط دفاع أولى في مواجهة الانجراف نحو الاستهلاك غير الواعي.

قرارك •• فكرة تُعيد الإنسان إلى ذاته

وسط هذا المشهد برزت مبادرة “قراارك” كفكرة تحمل في طياتها عمقاً فكرياً وإنسانياً يتجاوز حدود التوعية التقليدية ليصل إلى جوهر الإنسان ذاته.

فالحملة لا تكتفي بطرح سؤال:

هل تحتاج هذا الشيء؟

بل تذهب إلى ما هو أبعد:

“لماذا تريد أن تشتري؟ وما الذي يدفعك لهذا القرار؟”

إنها دعوة صادقة لإعادة التواصل مع الذات، وفهم الدوافع الداخلية، ومواجهة تلك اللحظات التي يتحول فيها الشراء إلى وسيلة للهروب من ضغط أو تعويض شعور.

هذه المبادرة تُعيد تعريف مفهوم “القرار” وتجعل منه فعلاً واعياً لا مجرد استجابة تلقائية، وهو ما يعكس نضجاً فكرياً يستحق التقدير.

فخر لا يُخفى •• وشهادة أعتز بها

في هذه المحطة لا أستطيع أن أفصل بين الكاتب والأب؛ فالكلمات هنا تخرج من القلب قبل القلم.

أشعر بفخر عميق بابنتي روان أحمد التي أرى فيها نموذجاً حياً لما يمكن أن يكون عليه جيل واعٍ مدرك لمسؤولياته، وقادر على أن يطرح حلولاً لمشكلات واقعية.

روان منذ طفولتها لم تكن عادية في تفكيرها، بل كانت تميل إلى التأمل وطرح الأسئلة والبحث عن المعنى. تمتلك ذكاءً فطرياً ونضجاً مبكراً جعلها ترى ما وراء الأحداث لا سطحه فقط. تميزت دائماً برزانة في السلوك واتزان في القرار، فلم تكن يوماً أسيرة للاندفاع ولا منجرفة خلف المظاهر، بل كانت تختار طريقها بهدوء وثقة.

ملامح شخصية تصنع الفارق

إذا أردنا أن نرسم ملامح شخصية روان، فإننا أمام نموذج متكامل يجمع بين الفكر والأخلاق:

١- ذكاء وابتكار

تمتلك قدرة على الربط والتحليل وتقديم أفكار غير تقليدية.

٢- قوة شخصية

تعبر عن رأيها بوضوح دون خوف أو تردد، ولكن في إطار من الاحترام.

٣- تجرد من التملق

لا تبحث عن الإعجاب بقدر ما تبحث عن القيمة.

٤- حب المعرفة

شغوفة بالقراءة، مما انعكس على وعيها واتساع مداركها.

٥- موهبة الكتابة

خاضت تجربة كتابة قصة قصيرة تعكس حساً إبداعياً مميزاً.

٦- روح إنسانية

تمتلك قدرة كبيرة على احتواء الآخرين، خاصة أصدقاءها.

٧- نكران ذات

تقدم المصلحة العامة على الخاصة.

٨- التزام أخلاقي وديني

وهو ما يضبط سلوكها ويمنحها اتزاناً داخلياً.

إنها بحق تمثل نموذجاً مشرفاً لجيل يحتاج فقط إلى من يثق فيه ويمنحه الفرصة.

الأسرة •• الحاضنة الأولى لصناعة الوعي

ومن الجوانب التي تستحق التوقف ذلك الدور الحيوي الذي لعبته الأسرة في دعم هذه الفكرة؛ فالتعاون بين روان وشقيقاتها دكتورة / منة الله – طبيبة أسنان – مصممة جرافيك / مريم لم يكن مجرد مساندة عابرة، بل كان حواراً مستمراً وتبادلاً للأفكار ومشاركة حقيقية في تطوير المبادرة.

لقد ساهمت شقيقاتها في إثراء الفكرة، سواء من خلال المناقشة أو النقد البنّاء أو التشجيع، وهو ما أضفى على المشروع عمقاً وتنوعاً في الرؤية.

إن هذا النموذج يعكس أهمية البيئة الأسرية الداعمة التي لا تكتفي بالتوجيه، بل تشارك في صناعة النجاح وتغرس في الأبناء قيمة العمل الجماعي داخل الأسرة قبل المجتمع.

الأصدقاء •• شركاء في النجاح وفي صناعة الأثر

وإذا كانت الأسرة هي الحاضنة، فإن الأصدقاء كانوا شركاء حقيقيين في التنفيذ. فريق العمل الذي شارك روان في هذه المبادرة قدم نموذجاً راقياً للعمل الجماعي، حيث تكاملت الجهود وتلاقت الأفكار وتوزعت الأدوار بروح من المسؤولية والانتماء. لقد أثبت هؤلاء الشباب أن الصداقة والزمالة الحقيقية لا تقتصر على المشاركة في اللحظات السعيدة، بل تمتد لتشمل العمل المشترك وتحمل المسؤولية والسعي لإحداث تأثير إيجابي في المجتمع.

وكان لكل فرد منهم دور، ولكل فكرة قيمة، وهو ما انعكس على جودة المشروع وقدرته على الوصول إلى الجمهور.

المؤسسة التعليمية •• حين تُصنع العقول لا الشهادات

ولا يمكن إغفال الدور الذي قامت به

الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري – كلية الإعلام واللغة

في دعم هذه المبادرة وتوفير بيئة تعليمية تشجع على التفكير والإبداع.

فالمؤسسات التعليمية الحقيقية هي التي تُخرج طلاباً قادرين على مواجهة الواقع، لا مجرد حفظ المعلومات، وهي التي تزرع فيهم روح المبادرة وتمنحهم أدوات التغيير.

أبعاد المبادرة •• قراءة أعمق للمشهد

حملة “قراارك” تفتح الباب لفهم أعمق لعدة قضايا، أهمها:

أولاً: البعد الاقتصادي

في ظل التحديات الاقتصادية العالمية، يصبح ترشيد الاستهلاك ضرورة وليس خياراً؛ فكل قرار شراء غير مدروس يمثل استنزافاً للموارد، سواء على مستوى الفرد أو المجتمع.

ثانياً: البعد النفسي

كثير من قرارات الشراء تكون انعكاساً لحالة نفسية، كالتوتر أو القلق أو حتى الملل، وهنا تأتي أهمية الوعي بالذات وفهم الدوافع الداخلية.

ثالثاً: البعد الاجتماعي

ثقافة المظاهر والاستهلاك المفرط تخلق فجوات داخل المجتمع وتؤثر على منظومة القيم، وهو ما يستدعي إعادة الاعتبار لقيم البساطة والاتزان.

رابعاً: البعد الثقافي والإعلامي

وسائل الإعلام ومنصات التواصل تلعب دوراً كبيراً في تشكيل السلوك الاستهلاكي، وهو ما يتطلب خطاباً إعلامياً أكثر وعياً ومسؤولية.

دروس مستفادة من الفكرة إلى المنهج

هذه التجربة تقدم لنا عدداً من الدروس المهمة، وهي:

١- أن الوعي يبدأ بسؤال صادق مع النفس.

٢- أن الأسرة الواعية تصنع أبناءً قادرين على التغيير.

٣- أن الشباب يمتلك طاقات هائلة تحتاج إلى التوجيه والدعم.

٤- أن العمل الجماعي هو الطريق الأسرع لتحقيق الأثر.

٥- أن القيم الأخلاقية هي الأساس في ضبط السلوك.

٦- أن المبادرات البسيطة قد تكون بداية لتحولات كبيرة.

توصيات استراتيجية في ظل تحديات المرحلة

في ضوء ما تمر به البلاد والمنطقة والعالم من ضغوط اقتصادية واجتماعية، تبرز الحاجة إلى تبني مثل هذه المبادرات من خلال الآتي:

١- إدماج مفاهيم الوعي الاستهلاكي في المناهج التعليمية بمراحلها المختلفة.

٢- إطلاق حملات إعلامية مستمرة تدعم ثقافة “فكر قبل أن تشتري”.

٣- دعم المبادرات الشبابية وتمكينها من الوصول إلى الجمهور.

٤- تعزيز دور الأسرة في بناء وعي الأبناء.

٥- ربط السلوك الاستهلاكي بمفاهيم الأمن القومي الاقتصادي.

٦- تشجيع البحث العلمي في مجالات السلوك الاستهلاكي وعلاقته بالصحة النفسية.

في النهاية •• حين يصبح القرار مسؤولية

في ختام هذه المحطة، لا أجد أنني أمام مجرد تجربة طلابية ناجحة أو مبادرة توعوية عابرة، بل أمام نموذج حقيقي لما يجب أن يكون عليه وعي الأجيال القادمة، ونقطة انطلاق لفكر جديد يعيد صياغة علاقة الإنسان بذاته وبقراراته وبمجتمعه.

إن “قراارك” في جوهرها ليست حملة عن الشراء فقط، بل هي دعوة لإعادة بناء الإنسان من الداخل، دعوة لأن يستعيد الفرد سيطرته على اختياراته، وأن يتحرر من الضغوط الخفية التي تُصنع له قراراته دون أن يشعر. هي رسالة تقول بوضوح:

لن يكون هناك استقرار اقتصادي حقيقي دون وعي فردي، ولن يكون هناك توازن مجتمعي دون قرارات مسؤولة تبدأ من أبسط تفاصيل الحياة اليومية.

لقد أثبتت هذه التجربة أن الوعي لا يرتبط بعمر ولا بموقع، بل بإرادة حقيقية للفهم والتغيير، وأكدت أن شبابنا إذا أُحسن توجيههم ومنحهم الثقة قادرون ليس فقط على مواكبة التحديات، بل على تقديم حلول واقعية ومبتكرة لها.

وإذا كنا نبحث عن مستقبل أكثر استقراراً وأكثر وعياً، فإن الطريق يبدأ من هنا: من فكرة صادقة، ومن عقل يفكر، ومن ضمير يراجع، ومن قرار يُتخذ بعد فهم لا اندفاع.

وفي هذا السياق، فإنني لا أرى في “قراارك” نهاية مشروع، بل بداية مسار يجب أن يتسع، وأن تتبناه مؤسسات وتدعمه الدولة ويؤمن به المجتمع، ليصبح ثقافة عامة لا مجرد مبادرة محدودة. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست فقط مع ندرة الموارد، بل مع سوء استخدامها، وليست فقط مع التحديات الخارجية، بل مع أنماط تفكير تحتاج إلى إعادة ضبط.

وأقولها بوضوح واعتزاز:

إن الاستثمار الحقيقي لأي دولة لا يكمن فقط في مشروعاتها أو مواردها، بل في وعي أبنائها وقدرتهم على اتخاذ القرار الصحيح في التوقيت المناسب.

شكراً لكِ يا روان لأنكِ لم تكتفي بأن تكوني جزءاً من هذا الجيل، بل اخترتِ أن تكوني صوتاً يعبر عنه، وعقلاً يفكر نيابة عنه، وقدوة تُحتذى به.

وشكراً لكل من شارك في هذه المبادرة من أصدقائك وزملائك.

وأؤمن بأن التغيير لا يحتاج إلى إمكانيات ضخمة بقدر ما يحتاج إلى فكرة صادقة وإرادة حقيقية.

وستبقى هذه المحطة بالنسبة لي ليست مجرد سطور تُكتب، بل شهادة أعتز بها أن في هذا الوطن جيلاً إذا امتلك وعيه امتلك مستقبله.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى