قراءة في أول تصريح لوزير الصناعة خالد هاشم

في اجتماعات بعض المسؤولين اعتدنا سماع كلمات كبيرة عن التطوير والتحديث، لكن أثناء متابعة حديث خالد هاشم وزير الصناعة أمام لجنة الصناعة بـمجلس النواب، بدا المشهد مختلفًا قليلًا. الرجل لم يتحدث بلغة الخطابة، بل بلغة أقرب للواقع، حين قال بوضوح إن “هناك تكليفًا بإحداث نقلة نوعية كبيرة في الصناعة المصرية، ليس لمجرد اللحاق بالعالم، بل للتقدم بوتيرة أسرع وعلى أساس علمي”.
اللافت هنا ليس التعبير نفسه، بل ما يحمله من معنى. فالصناعة لا تتحرك بالشعارات، بل بخطط واضحة، وبقرارات تنفيذية، وبشراكة حقيقية بين الجهات المختلفة. الوزير تحدث عن تعاون مع وزارة الاستثمار لتجهيز دراسات جدوى متكاملة، بحيث يأتي المستثمر – أي مستثمر – فيجد مشروعًا جاهزًا، بأرقام واضحة، وعائد محدد، ورؤية كاملة.
هذه نقطة محورية. لأن أغلب المستثمرين، خاصة الأجانب، لا يهربون من السوق المصرية بقدر ما يهربون من بعض الضبابية. المستثمر يريد أن يرى الصورة كاملة قبل أن يضع أمواله: الأرض، البنية التحتية، حجم الطلب، تكلفة التشغيل، وفرص التصدير. عندما تقدم الدولة هذه العناصر في صورة مشروع متكامل، فإنها تختصر سنوات من التردد والتعطيل.
لكن الأهم في حديث الوزير كان ملف المصانع المتعثرة. هذا الملف لا يشعر به إلا من اقترب من الأرض: مصانع مغلقة، أخرى تعمل بنصف طاقتها، عمالة فقدت الأمل، ورؤوس أموال مجمدة. إعادة تشغيل هذه المصانع ليست مجرد قرار إداري، بل إنقاذ حقيقي لاقتصاد محلي كامل في بعض المحافظات. مصنع واحد يعود للعمل يعني عشرات الأسر تستعيد دخلها، وسوقًا صغيرة تبدأ في الحركة من جديد.
ثم جاءت الجملة الأكثر صراحة: نحن كمصريين نخاف الاستثمار في الصناعة. ربما لأول مرة يقال هذا بهذا الوضوح. نعم، هناك خوف متراكم، سببه تجارب سابقة، وتعقيدات إجرائية، وغياب الاستقرار في بعض الفترات. لكن الحقيقة أيضًا أن الصناعة، رغم صعوبتها، هي الاستثمار الأكثر أمانًا على المدى الطويل، لأنها تبني أصلًا حقيقيًا، لا مجرد أرباح سريعة.
ولو نجحت هذه الرؤية في تغيير هذا المفهوم، فنحن لا نتحدث فقط عن مصانع جديدة، بل عن تحريك الاقتصاد كله. الصناعة تعني إنتاجًا محليًا أكبر، واستيرادًا أقل، وتصديرًا أعلى، وفرص عمل مستقرة، وتدفقًا أفضل للعملة الأجنبية. بمعنى بسيط: كل جنيه يدخل مصنعًا يعود على البلد أكثر من مرة.
الاستراتيجية المطروحة تقوم على مسار واضح: تجهيز مشروعات جاهزة، إنقاذ المتعثر، جذب استثمارات جديدة، ثم فتح الباب للتصدير. هذا النموذج طُبق في دول كثيرة وحقق نتائج ملموسة.
في الصين، لم تنتظر الدولة المستثمر ليبحث بنفسه، بل أنشأت مناطق صناعية متكاملة وقدمت مشروعات واضحة، فكانت النتيجة تدفقًا ضخمًا لرؤوس الأموال وتحولًا صناعيًا هائلًا. وفي تركيا، جرى التركيز على دعم المصانع الصغيرة والمتوسطة وإعادة تشغيل المتعثر منها، فارتفعت الصادرات الصناعية وأصبحت الصناعة أحد أعمدة الاقتصاد.
النجاح في هذه التجارب لم يكن في كثرة الاجتماعات، بل في المتابعة اليومية، وربط الدعم بالإنتاج، وربط المسؤولية بالنتائج.
وزير الصناعة قال إنه “لا يبحث عن شعارات، بل عن شراكة مع البرلمان والعمل سويًا”. وهذه رسالة مهمة، لأن الإصلاح الصناعي لا ينجح دون تشريعات مرنة، وسرعة في حل المشكلات، وتنسيق حقيقي بين الوزارات.
في النهاية، المواطن لا يهمه ما قيل داخل القاعة بقدر ما يهمه ما سيحدث خارجها. هل ستفتح مصانع مغلقة؟ هل يجد الشباب فرص عمل؟ هل تتحسن جودة المنتج المصري؟ هذه هي الأسئلة الحقيقية.
وإذا تحولت هذه التصريحات إلى خطوات ملموسة على الأرض، فقد نكون أمام بداية جديدة، تعود فيها الصناعة لتكون قاطرة الاقتصاد، لا ملفًا مؤجلًا، ويصبح الاستثمار في الإنتاج خيارًا طبيعيًا، لا مغامرة يخشاها الجميع.