رؤية لتحالف مصر وتركيا والسعودية

نحو شراكة إقليمية تُنهي منطق الاستنزاف وتؤسس لتوازن جديد

مثلث القوة الإقليمي بين القاهرة وأنقرة والرياض

في لحظة إقليمية مضطربة تتقاطع فيها الحروب بالانقسامات، وتتصارع فيها المصالح الدولية على خرائط الشرق الأوسط، تبرز فكرة بناء تحالف عقلاني بين مصر وتركيا والسعودية بوصفها استجابة واقعية لمرحلة لم تعد تحتمل إدارة الأزمات بمنطق ردّ الفعل، فالمنطقة اليوم بحاجة إلى مراكز ثقل إقليمية قادرة على صناعة التوازن لا انتظار ما تقرره العواصم الكبرى.

تمتلك الدول الثلاث عناصر قوة متكاملة تجعل من أي تقارب بينها تحولًا نوعيًا في معادلات الإقليم؛ فمصر بقوتها العسكرية وموقعها الجيوسياسي المحوري في أمن شرق المتوسط والبحر الأحمر وقناة السويس، وتركيا بقدراتها العسكرية والصناعية وحضورها المؤثر في ملفات إقليمية متعددة، والسعودية بثقلها الاقتصادي ومكانتها الروحية ودورها المتنامي في هندسة التهدئة الإقليمية وإعادة صياغة الأولويات التنموية في المنطقة.

لا يقوم هذا التحالف على تجاهل الخلافات بل على إدارتها بمنطق الدولة، فالعلاقات المصرية التركية مرت بتوترات حادة بفعل تباينات في ملفات ليبيا وشرق المتوسط والإسلام السياسي، كما شهدت العلاقات السعودية التركية مراحل من البرود والأزمات، غير أن التحولات الدولية وتراجع مركزية الدور الأمريكي وصعود قوى دولية منافسة فرضت على الفاعلين الإقليميين إعادة تعريف مصادر أمنهم القومي بعيدًا عن الارتهان لمحاور متصارعة.

على الصعيد الأمني يمكن لتنسيق ثلاثي أن يخفف من حدّة الانفجارات الإقليمية في بؤر التوتر الممتدة من ليبيا والسودان إلى غزة وسوريا واليمن، كما يساهم في حماية أمن الملاحة في البحر الأحمر وشرق المتوسط في ظل استهداف خطوط التجارة العالمية وتهديد أمن الطاقة، وهو ما يمنح الدول الثلاث ثقلًا تفاوضيًا أكبر في التعامل مع القوى الدولية ويعزز موقع المنطقة في معادلات الاستقرار العالمي.

أما البعد الاقتصادي فيمثل المدخل الأكثر واقعية لبناء هذا التحالف؛ فالسعودية بما تمتلكه من قدرات استثمارية ضخمة ومشروعات استراتيجية كبرى، ومصر بما توفره من سوق واسع وموقع لوجستي وبنية تحتية متنامية، وتركيا بما تمتلكه من قاعدة صناعية وسلاسل إمداد مرنة، يمكن أن تؤسس لشراكات إنتاج ونقل وتجارة تعيد تموضع الإقليم في سلاسل القيمة العالمية وتخفف من هشاشة الاقتصادات أمام الصدمات الدولية.

سياسيًا يتيح التنسيق بين القاهرة وأنقرة والرياض إعادة صياغة مقاربة إقليمية أقل استقطابًا وأكثر ميلًا إلى بناء مساحات مشتركة في ملفات الخلاف الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي تتطلب موقفًا إقليميًا موحدًا يتجاوز حدود البيانات الدبلوماسية إلى أدوات ضغط سياسية واقتصادية حقيقية، كما يسهم هذا التنسيق في تقليص فرص توظيف الخلافات البينية من قبل أطراف خارجية لإعادة إنتاج الانقسام داخل الإقليم.

غير أن نجاح هذه الرؤية يظل رهناً بتوفر إرادة سياسية حقيقية للانتقال من إدارة التوتر إلى بناء الثقة، وهو ما يتطلب آليات مؤسسية للحوار ومراجعة صريحة للسياسات السابقة، والالتزام بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة الدول، إضافة إلى تحييد الملفات الأيديولوجية عن مسارات التعاون الاستراتيجي، فالتجربة الإقليمية أثبتت أن الأيديولوجيا حين تتحكم في السياسة تُنتج استقطابًا طويل الأمد يصعب تفكيكه.

في المحصلة، لا يمثل الحديث عن تحالف بين مصر وتركيا والسعودية ترفًا فكريًا أو طرحًا نظريًا، بل خيارًا استراتيجيًا تفرضه تحولات القوة في النظام الدولي. فإذا نجحت الدول الثلاث في تحويل التنافس إلى تنسيق، والخلاف إلى إدارة عقلانية، فإن المنطقة قد تشهد بداية مسار جديد عنوانه الشراكة الإقليمية بدلًا من الصراعات المفتوحة، واستعادة قدر من القدرة العربية والإسلامية على صناعة القرار داخل الإقليم لا على هامشه.

التوصيات

• إنشاء إطار تشاوري ثلاثي دائم على مستوى القمم ووزراء الخارجية والدفاع والاقتصاد لضمان استمرارية التنسيق

• اعتماد مبدأ إدارة الخلاف وعدم تحويل الخلافات السياسية إلى أزمات علنية تعطل مسارات التعاون

• إطلاق مشروعات اقتصادية مشتركة في مجالات الطاقة والنقل واللوجستيات والصناعات التحويلية

• تنسيق المواقف في القضايا الإقليمية الساخنة وعلى رأسها القضية الفلسطينية وأمن البحر الأحمر

• ترسيخ مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة الدول كقاعدة ناظمة لأي شراكة.

د. مرفت عبدالرحمن

د. ميرڤت عبدالرحمن، عضو الهيئة الاستشارية العليا لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، هي أستاذ القانون الدولي، ورئيس مجلس ادارة اكاديمية جلوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى