التصعيد البحري بين الولايات المتحدة وروسيا: قراءة قانونية في حدود القوة ومشروعية الرد

أعاد التصعيد الأخير بين الولايات المتحدة وروسيا، على خلفية تقارير عن استهداف سفينة نفط روسية وإجبار غواصة روسية متواجدة في فنزويلا على مغادرة نطاق عملياتي، طرح إشكالية جوهرية تتجاوز السياسة إلى صميم القانون الدولي العام وقانون البحار، وتحديدًا حدود استخدام القوة، ومشروعية الإجراءات العسكرية في أوقات السلم.

أولًا: الإطار القانوني لاستخدام القوة

ينص ميثاق الأمم المتحدة في المادة (2/4) على حظر التهديد باستخدام القوة أو استخدامها في العلاقات الدولية، إلا في حالتين استثنائيتين:

 1. الدفاع الشرعي عن النفس وفق المادة (51)،

 2. تفويض صريح من مجلس الأمن.

وبالقياس على ذلك، فإن أي إجراء عسكري أمريكي تجاه أصول روسية – سواء سفينة نفط أو غواصة – يثير تساؤلات قانونية دقيقة:

 • هل وُجد تهديد وشيك يبرر الدفاع الشرعي؟

 • أم أن الإجراء يندرج ضمن استخدام القوة الوقائي غير المعترف به قانونًا؟

في غياب إعلان رسمي يثبت تحقق شروط الدفاع الشرعي، يظل الموقف القانوني محل تشكيك، ويفتح الباب أمام توصيف الفعل باعتباره خرقًا لمبدأ حظر استخدام القوة.

ثانيًا: الغواصة الروسية وفنزويلا… مسألة السيادة والاختصاص

وجود غواصة روسية في محيط فنزويلا لا يُعد في حد ذاته مخالفة قانونية، طالما تم:

 • بموافقة الدولة الساحلية، أو

 • داخل المياه الدولية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS).

وعليه، فإن إجبار غواصة على الانسحاب دون سند قانوني واضح أو حالة نزاع مسلح معلن، قد يُفسَّر كـ:

 • انتهاك لحرية الملاحة،

 • أو مساس غير مشروع بالسيادة غير المباشرة للدولة المضيفة.

ثالثًا: البعد القانوني لاستهداف سفن الطاقة

سفن النفط تُصنَّف كأعيان مدنية محمية، ولا يجوز التعرض لها إلا إذا:

 • ثبت استخدامها لأغراض عسكرية مباشرة،

 • أو كانت تشكل خطرًا فعليًا ومباشرًا.

وأي استهداف خارج هذه الحالات قد يرقى إلى:

 • عمل عدائي غير مشروع،

 • أو إخلال بمبدأ التناسب والضرورة العسكرية.

رابعًا: التهديد الروسي وتوسيع دائرة الصراع

التهديدات المتبادلة، وما نُسب إلى توجيه روسي لإيران بالاستعداد لمرحلة مواجهة محتملة، يثير بدوره إشكالية قانونية أخرى، تتعلق بـ:

 • حظر التهديد باستخدام القوة،

 • ومسؤولية الدول عن تدويل النزاعات الإقليمية.

فالقانون الدولي لا يجرّم التحالفات، لكنه يجرّم التحريض على نزاع مسلح أو توسيعه بما يهدد السلم والأمن الدوليين.

خامسًا: القانون الدولي في اختبار حقيقي

ما يكشفه هذا المشهد أن النظام الدولي يعيش أزمة التزام لا أزمة نصوص.

فالقواعد القانونية قائمة، لكن إرادة الامتثال تتراجع أمام منطق الردع واستعراض القوة، وهو ما يُضعف دور المؤسسات الدولية، ويعيد العالم إلى سياسة فرض الأمر الواقع.

التوصيات القانونية والاستراتيجية

 1. العودة إلى مجلس الأمن باعتباره الإطار الشرعي الوحيد لمعالجة النزاعات التي تهدد السلم الدولي.

 2. تفعيل آليات التحقيق الدولي المستقل لتحديد الوقائع بدقة قبل تبادل الاتهامات.

 3. ضبط الخطاب السياسي والعسكري بما يتوافق مع حظر التهديد باستخدام القوة.

 4. تحييد الأعيان المدنية وسفن الطاقة عن أي صراع محتمل التزامًا بقواعد القانون الدولي الإنساني.

 5. منع تدويل الصراع إقليميًا، خصوصًا في مناطق هشّة مثل الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية.

 6. التأكيد على أن الردع لا يمكن أن يكون بديلًا عن الشرعية الدولية.

خاتمة، إن ما نشهده ليس مجرد حادث بحري أو توتر عابر، بل اختبار حقيقي لمدى بقاء القانون الدولي كمرجعية حاكمة في عالم يتجه بسرعة نحو منطق القوة.

والسؤال الأهم لم يعد: من يملك السلاح الأقوى؟ بل: من يملك الإرادة لاحترام القانون قبل أن تتحول الأزمات إلى حروب

د. مرفت عبدالرحمن

د. ميرڤت عبدالرحمن، عضو الهيئة الاستشارية العليا لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، هي أستاذ القانون الدولي، ورئيس مجلس ادارة اكاديمية جلوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى