التصعيد البحري وحدود المشروعية الدولية: قراءة قانونية في أزمة الغواصة الروسية بفنزويلا

يشهد النظام الدولي في الآونة الأخيرة عودة مقلقة إلى سياسات استعراض القوة البحرية، في مشهد يعكس تآكلًا متزايدًا لقواعد الضبط التي أرساها القانون الدولي عقب الحرب العالمية الثانية.
وفي هذا السياق، برزت تقارير عن إجبار غواصة روسية كانت متواجدة في محيط فنزويلا على مغادرة نطاق بحري حساس، إلى جانب إجراءات عسكرية أمريكية طالت سفينة نفط روسية، وهو ما فجّر ردود فعل سياسية حادة من موسكو، وفتح باب التساؤل حول مشروعية هذه الأفعال في ضوء أحكام القانون الدولي العام وقانون البحار.
أولًا: الإطار القانوني لحرية الملاحة والوجود البحري
يؤكد اتفاق الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS) على مبدأ حرية الملاحة في أعالي البحار، بما يشمل السفن الحربية والغواصات، طالما لم تنتهك سيادة دولة ساحلية أو تمارس أنشطة عدائية صريحة.
وعليه، فإن الوجود البحري الروسي قبالة السواحل الفنزويلية لا يُعد في ذاته عملًا غير مشروع، طالما تم:
• خارج المياه الإقليمية (12 ميلًا بحريًا)، أو
• بموافقة الدولة الساحلية المعنية.
أما إجبار غواصة أجنبية على المغادرة، فيُعد قانونيًا فقط إذا ثبت:
• اختراقها للمياه الإقليمية دون إذن، أو
• قيامها بعمل يهدد السلم والأمن المباشرين.
وفي غياب إعلان رسمي يثبت أحد هذين الشرطين، فإن الإجراء يندرج ضمن استخدام القوة أو التهديد بها، بالمخالفة للمادة (2/4) من ميثاق الأمم المتحدة.
ثانيًا: السفن التجارية والطاقة… خط أحمر قانوني
التعامل العسكري مع سفينة نفط روسية يثير إشكالية قانونية أكثر خطورة، إذ تتمتع السفن التجارية بحماية خاصة في القانون الدولي، ولا يجوز التعرض لها إلا في حالات استثنائية محددة، مثل:
• القرصنة
• الاتجار غير المشروع
• تنفيذ عقوبات دولية صادرة عن مجلس الأمن
وأي إجراء أحادي خارج هذه الحالات يُعد انتهاكًا لمبدأ حرية التجارة الدولية، ويمثل تهديدًا مباشرًا لأمن الطاقة العالمي، ويُصنّف كتصعيد اقتصادي-عسكري في آن واحد.
ثالثًا: فنزويلا والبعد القانوني للنفوذ الجيوسياسي
وجود الغواصة الروسية في فنزويلا يعيد إحياء إشكالية مناطق النفوذ، وهي مفهوم سياسي لا يعترف به القانون الدولي.
فالقانون لا يقر بـ«الفناء الخلفي» لأي دولة، ولا يمنح قوة كبرى حق تقييد علاقات عسكرية مشروعة بين دولتين ذات سيادة، ما دامت لا تُستخدم لعدوان مسلح.
وعليه، فإن رفض الولايات المتحدة للوجود الروسي في فنزويلا يستند إلى اعتبارات سياسية وأمن قومي، لا إلى أساس قانوني دولي صريح.
رابعًا: التهديد باستخدام القوة وإشكالية الردع
التهديدات المتبادلة بين موسكو وواشنطن، وما تردد عن دعوة روسيا لإيران للاستعداد لمرحلة صراع محتمل، تطرح إشكالية قانونية أخرى تتعلق بـ:
• حظر التهديد باستخدام القوة
• مسؤولية الدول عن توسيع نطاق النزاع
فالقانون الدولي لا يجرّم الحرب فقط، بل يجرّم التحريض عليها وتهيئة مسارها، خاصة إذا أدى ذلك إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي والدولي.
خامسًا: القانون الدولي بين النص والتهميش
تكشف هذه الأزمة مرة أخرى عن أزمة تطبيق لا أزمة نصوص.
فالقواعد القانونية قائمة وواضحة، لكن الإشكالية تكمن في:
• تسييس مجلس الأمن
• استخدام حق النقض
• تغليب منطق الردع العسكري على آليات التسوية السلمية
التوصيات (خلاصة تحليلية):
1. إعادة تفعيل آليات التسوية السلمية المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، وخاصة التفاوض والوساطة.
2. الالتزام الصارم بقانون البحار وعدم توسيع مفهوم الأمن القومي ليبرر إجراءات أحادية غير مشروعة.
3. تحييد السفن التجارية وسفن الطاقة عن الصراعات السياسية والعسكرية.
4. عدم تدويل النزاعات الإقليمية عبر إدخال أطراف جديدة، لما لذلك من أثر مباشر على السلم والأمن الدوليين.
5. تعزيز دور محكمة العدل الدولية في النزاعات البحرية بدل اللجوء إلى فرض الأمر الواقع بالقوة.
خاتمة، ما يحدث اليوم ليس اختبارًا لقوة الأساطيل، بل اختبار حقيقي لمدى بقاء القانون الدولي كمنظومة حاكمة للعلاقات الدولية.
فإما أن يُعاد الاعتبار لسيادة القانون، أو يترسخ منطق القوة، ومعه يدخل العالم مرحلة مفتوحة على كل الاحتمالات