التهديد الوجودي: هل تمتلك منصّات التواصل الاجتماعي “نسخة رقمية” من الإنسان؟

تحليل يكتبه.. م. إسلام خالد

من تخصيص المحتوى إلى هندسة السلوك

تؤكد منصّات التواصل الاجتماعي في اتفاقيات الاستخدام أنها تجمع بيانات المستخدمين بهدف “تحسين التجربة” وتقديم محتوى وإعلانات ملائمة للاهتمامات. غير أن التطور الهائل في تقنيات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي نقل المسألة من مجرد تخصيص إعلاني إلى بناء نماذج سلوكية دقيقة للأفراد والجماعات. لم يعد المستخدم ملفًا بسيطًا، بل أصبح “كيانًا رقميًا” تُعاد صياغته إحصائيًا عبر مليارات الإشارات اليومية: ما يشاهده، متى يتوقف، ماذا يتجاهل، أين يتحرك، ومع من يتفاعل.

النسخة الرقمية للإنسان: ماذا تعرف الخوارزميات؟

تُنشئ الخوارزميات ما يمكن وصفه بـ“النسخة الرقمية” لكل مستخدم، وهي نموذج احتمالي يتضمن:

• الاهتمامات والميول (ثقافية، سياسية، استهلاكية).

• الاستجابات العاطفية (الغضب، الخوف، التعاطف، الحماس).

• أنماط الحركة (بيانات الموقع، الروتين الزمني).

• الشبكات الاجتماعية (من يؤثّر على من، ومراكز التأثير).

هذه النسخة لا تُستخدم فقط للتنبؤ بما قد يعجب المستخدم، بل لترتيب ما يراه وفق أهداف خوارزمية محددة: تعظيم التفاعل، إبقاء الانتباه أطول مدة ممكنة، وزيادة احتمالات الاستجابة للرسائل (الإعلانية أو غيرها).

من التخصيص إلى التأثير: كيف يُشكَّل الرأي العام؟

عندما تُرتّب المنصّات المحتوى على أساس نماذج سلوكية، فإنها عمليًا تشارك في هندسة بيئة الإدراك. فالخوارزمية تقرر:

• أي موضوعات تتضخّم.

• أي سرديات تُكرَّس.

• أي زوايا تُخفَّف أو تُهمَّش.

بهذا المعنى، لا يقتصر الأمر على “عرض ما يهمّك”، بل على تغذية متسلسلة تُعزّز قناعات بعينها وتُضعف أخرى، ما قد يؤدي إلى الاستقطاب، وتكوين فقاعات معلوماتية، وتوجيه المزاج العام في اتجاهات محددة.

سابقة تاريخية: درس كامبريدج أناليتيكا:

كشفت قضية كامبريدج أناليتيكا (2018) عن قابلية إساءة استخدام البيانات على نطاق واسع. تم الحصول على بيانات عبر تطبيقات طرف ثالث، ثم استُخدمت لبناء ملفات نفسية للناخبين وتوجيه رسائل سياسية مصمّمة بدقة. لم يكن ذلك اختراقًا تقنيًا مباشرًا بقدر ما كان استغلالًا لسياسات وصول سمحت بجمع بيانات واسعة. الدرس الأهم:

البيانات السلوكية، حين تُحلَّل وتُوظَّف استراتيجيًا، يمكن أن تتحوّل إلى أداة تأثير سياسي واجتماعي عميق.

سيناريو “وقوع البيانات في الأيدي الخطأ”: منظور استراتيجي:

إذا افترضنا وصول جهات عدائية أو غير أخلاقية إلى قواعد بيانات سلوكية وجغرافية واسعة، فإن المخاطر تتجاوز الإعلانات إلى:

• زعزعة الاستقرار المجتمعي عبر تضخيم الانقسامات وبث رسائل مُصمّمة لكل شريحة.

• التلاعب الإدراكي بتقديم معلومات مُفصّلة تُخاطب نقاط الضعف النفسية.

• التأثير على القرار السياسي من خلال حملات مُجزّأة عالية الدقة.

• تهديد الأمان الشخصي نظريًا عبر معرفة أنماط الحركة والعلاقات (من دون الخوض في أي آليات تنفيذية).

القضية هنا ليست “كيف” تُنفَّذ أفعال ضارّة، بل أن امتلاك خرائط سلوكية وجغرافية دقيقة يخلق قدرة غير مسبوقة على التنبؤ والتوجيه، وهي قدرة قد تُساءُ استغلالها.

من السيطرة على السردية إلى مخاطر قصوى:

في عصر البيانات، من يملك الخوارزميات يملك السردية، ومن يملك السردية يملك توجيه الانتباه والوجدان. وعندما تتكامل السردية مع نماذج سلوكية دقيقة وبيانات حركة، ينشأ مستوى من “القوة المعلوماتية” يمكن أن:

• يُعيد تشكيل القناعات.

• يُصعّد التوترات.

• يُحدِث شللًا إدراكيًا أو تعبئة جماهيرية موجّهة.

وفي أقصى السيناريوهات النظرية، يصبح الحديث عن مخاطر تمسّ السلامة الشخصية والسياسية مطروحًا بوصفه نتيجة محتملة لسوء استخدام منظومات معلوماتية هائلة، لا كخطة عمل.

الحوكمة والضوابط: ما الذي يمنع الانزلاق؟

للحد من هذه المخاطر، تبرز ضرورة:

• تعزيز تشريعات حماية البيانات والحد من جمعها وتداولها.

• الشفافية الخوارزمية وإتاحة فهم آليات الترتيب والتوصية.

• تقليل المركزية ومنع تركّز قواعد بيانات حسّاسة لدى عدد محدود من الكيانات.

• تمكين المستخدم بأدوات تحكّم حقيقية في ما يُجمع وكيف يُستخدم.

في النهاية يمكن القول، لم تعد المشكلة في أن المنصّات “تعرف ما نحب”، بل في أنها تتنبأ بما سنفعل وكيف سنشعر وأين سنكون. هذه “النسخة الرقمية” من الإنسان، إذا استُخدمت ضمن أطر أخلاقية وقانونية صارمة، قد تخدم تخصيصًا أفضل. أما إذا أُسيء توظيفها أو تسرّبت، فقد تتحوّل من أداة خدمة إلى أداة هيمنة وتأثير عميق على المجتمعات، وربما تهديدات تمسّ السلامة في أقصى التصوّرات النظرية.

يبقى التحدّي المركزي لعصرنا: كيف نُوازن بين فوائد الذكاء الخوارزمي وحق الإنسان في الخصوصية والأمان، قبل أن تتجاوز “النسخة الرقمية” حدود الإعلانات إلى حدود المصير؟

إسلام خالد كمال

نائب رئيس المركز ، مستشار التكنولوجيا بالنقابة العامة للمحامين بجمهورية مصر العربية ، واستشاري أمن المعلومات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى