د. ميرفت عبدالرحمن تكتب: رسالة سلام إلى عالمٍ أنهكته الحروب

مع مطلع عامٍ ميلادي جديد، يقف العالم مثقلًا بجراحٍ لم تندمل، وذكرياتٍ دامية، وصراعاتٍ أنهكت الإنسان قبل أن تُنهك الأرض. عالمٌ تعب من الحروب، وسئم من لغة السلاح، وتوق إلى كلمة سلام حقيقية لا تُقال للمجاملة، بل تُترجم إلى أفعال وقرارات.
لقد أثبتت التجارب أن الحروب لا تصنع أمنًا دائمًا، ولا تبني دولًا مستقرة، بل تخلّف وراءها شعوبًا مكسورة، وأجيالًا محمّلة بالخوف، وذاكرة إنسانية مثقلة بالألم. فكل حرب، مهما كانت ذرائعها، تدفع ثمنها الشعوب قبل غيرها، ويدفعه الأبرياء قبل أصحاب القرار.
إن السلام ليس شعارًا مثاليًا، ولا حلمًا بعيد المنال، بل هو حق أصيل من حقوق الإنسان، وواجب قانوني وأخلاقي تفرضه مبادئ القانون الدولي، وقيم العدالة الإنسانية، قبل أن تفرضه الشرائع السماوية. فالسلام هو الإطار الذي تُصان فيه الكرامة الإنسانية، وتُحترم فيه سيادة الدول، وتُحل فيه النزاعات بوسائل مشروعة تحفظ الأرواح وتمنع الدمار.

إلى شعوب العالم:
إن الاختلاف في الثقافات والأديان والأعراق لم يكن يومًا سببًا للصراع، بل كان وسيظل مصدرًا للثراء الإنساني والتكامل الحضاري. فبالحوار تُبنى الجسور، وبالاحترام المتبادل تُحفظ الأوطان، وبالوعي الجمعي يمكن كسر دوائر الكراهية التي تُغذّي الحروب.
وإلى رؤساء وقادة الدول:
إن المسؤولية التي أُوكلت إليكم ليست ملكًا شخصيًا، ولا وسيلة لتحقيق مجدٍ ذاتي أو انتصارٍ سياسي عابر، إنما هي أمانة عظيمة، تتعلق بمصائر شعوب، وأرواح بشر، ومستقبل أجيال. ما منحكم الله من سلطة ونفوذ، لم يكن ليُستخدم في تغذية الأنانية أو فرض الإرادة بالقوة، بل ليكون أداة للعدل، ووسيلة لحماية الإنسان، وضمان كرامته وأمنه.
إن القيادة الحقيقية لا تُقاس بمدى القدرة على إشعال الحروب، بل بمدى الحكمة في منعها. ولا تُخلّد في ذاكرة التاريخ بعدد المعارك، بل بعدد الأرواح التي تم إنقاذها، والحقوق التي تم صونها، والعدالة التي تحققت دون إراقة دماء.
في هذا العام الجديد، نحن في أمسّ الحاجة إلى أن ينتصر العقل على السلاح، والحكمة على العنف، والضمير الإنساني على المصالح الضيقة. أن يكون السلام خيارًا شجاعًا، لا ضعفًا، وأن يكون الإنسان هو الغاية، لا الضحية.
فلنجعل من هذا العام بداية مختلفة…
بداية يُسمع فيها صوت الشعوب قبل هدير المدافع،
وتُحفظ فيها الأمانة قبل الحساب،
ويُعاد فيها الاعتبار لقيمة الإنسان.

د. مرفت عبدالرحمن

د. ميرڤت عبدالرحمن، عضو الهيئة الاستشارية العليا لمركز رع للدراسات الاستراتيجية، هي أستاذ القانون الدولي، ورئيس مجلس ادارة اكاديمية جلوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى