رهانات محدودة: ما أهمية فنزويلا في صراع القوى الدولية؟

شهد محمود- باحثة مساعدة

في ظل تصاعد التنافس بين القوى العظمى وإعادة تشكيل موازين القوة في النظام الدولي، برزت فنزويلا بوصفها إحدى أهم ساحات الصراع الجيوسياسي في نصف الكرة الغربي. فلم تعد الأزمة الفنزويلية شأناً داخلياً أو إقليمياً فحسب، بل تحوّلت إلى عقدة استراتيجية تتقاطع عندها اعتبارات أمن الطاقة، والهيمنة الإقليمية، وصراع النفوذ بين الولايات المتحدة من جهة، وخصومها الدوليين من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، تسعى واشنطن إلى منع تحوّل فنزويلا إلى منصة نفوذ متقدم لقوى منافسة مثل روسيا والصين وإيران، لما يمثله ذلك من تهديد مباشر لأمنها القومي ولمكانتها في نصف الكرة الغربي. وفي المقابل، ورغم الخطابات الداعمة الصادرة عن هذه القوى الثلاث، يثور تساؤل جوهري حول حدود هذا الدعم وطبيعته: لماذا يبدو الموقف الروسي والصيني والإيراني أقرب إلى الدعم السياسي والدبلوماسي منه إلى التدخل العملي؟ وهل يمكن أن يتطور هذا الموقف في حال اندلاع مواجهة عسكرية مفتوحة؟

أهمية فنزويلا في الاستراتيجية الأمريكية

يمكن فهم دوافع التصعيد الأمريكي تجاه فنزويلا على النحو التالي:

(*) أمن الطاقة والمصالح النفطية: تمثل الموارد النفطية الكامنة في الأراضي الفنزويلية إحدى العوامل الرئيسية التي تفسّر حجم الاهتمام الأمريكي والدولي بفنزويلا؛ إذ تمتلك البلاد احتياطيًا نفطيًا مُؤكَّدًا يُقدَّر بنحو 300 مليار برميل، وهو ما يجعلها صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم. وتكتسب هذه الأرقام دلالتها الاستراتيجية عند مقارنتها باحتياطيات الولايات المتحدة التي تُقدَّر بنحو 145 مليار برميل، والمملكة العربية السعودية بحوالي 270 مليار برميل، وروسيا بنحو 80 مليار برميل. وإلى جانب ذلك، تتمتع فنزويلا بميزة جغرافية مهمة، كونها أقرب إلى الولايات المتحدة مقارنة بمناطق الإنتاج الرئيسية في الشرق الأوسط، فضلًا عن وجود مصافٍ نفطية داخل الولايات المتحدة مُهيأة خصيصًا لمعالجة النفط الفنزويلي الثقيل.

(*) فنزويلا كجزء من الأمن القومي الأمريكي:  تندرج فنزويلا، وفقًا لعقيدة مونرو، ضمن المجال الحيوي للولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل أي تدخل أو نفوذ خارجي في هذا النطاق يُنظر إليه باعتباره تهديدًا مباشرًا للمصالح والنفوذ الأمريكيين. وفي هذا الإطار، أثار التمدد الاقتصادي الصيني داخل فنزويلا قلق واشنطن، إذ لعبت بكين دورًا محوريًا في تمويل وتطوير البنية التحتية في عدد من الدول الخاضعة لضغوط أمريكية، وعلى رأسها فنزويلا، ما أسهم في تعميق حضورها الاقتصادي والاستراتيجي هناك. ولا تقتصر دلالة هذا التمدد على التعاون الاقتصادي فحسب، بل تتجلى أيضًا في تصدّر فنزويلا دول أمريكا اللاتينية من حيث حجم القروض الصينية، وهو ما يعكس مكانتها الخاصة في الاستراتيجية الصينية تجاه المنطقة.

وإلى جانب الصين، تسعى روسيا بدورها إلى تعزيز نفوذها في أمريكا اللاتينية باعتباره مكسبًا استراتيجيًا لموسكو، لما يمثله من تحدٍّ مباشر للهيمنة الأمريكية في الإقليم. وعليه، لا تنحصر أهمية فنزويلا بالنسبة للولايات المتحدة في امتلاكها موارد نفطية ضخمة فحسب، بل تمتد إلى التخوف من تحوّلها إلى ساحة نفوذ صيني- روسي متقدم، بما يشكّل تهديدًا مباشرًا للهيمنة الأمريكية و”عقيدة مونرو”.

(*) الترابط الإقليمي في الاستراتيجية الأمريكية: لا تقتصر أهمية فنزويلا بالنسبة لواشنطن على كونها حالة منفردة، بل تندرج ضمن ما يُعرف بـ”مثلث الرعب” الذي يضم فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا. ووفقًا لعدد من المحللين، لا تنبع أهمية فنزويلا فقط من السعي لإسقاط نظام نيكولاس مادورو، وإنما أيضًا من دورها المحوري في التأثير على استقرار النظام الكوبي .إذ لا ينظر البيت الأبيض إلى فنزويلا وكوبا باعتبارهما مصدر تهديد أيديولوجي مشترك فقط، وإنما أيضًا كأدوات استراتيجية ضمن مقاربة جيوسياسية أوسع تستهدف الحد من النفوذ الصيني في المنطقة. وفي هذا السياق، تعتمد هافانا بدرجة كبيرة على فنزويلا في تأمين احتياجاتها من الطاقة، حيث جاءت نحو 60% من إجمالي واردات كوبا من الوقود والنفط الخام خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025 من فنزويلا. وعليه، فإن أي عملية ناجحة لتغيير النظام في فنزويلا من شأنها أن تُلحق ضررًا بالغًا بالاقتصاد الكوبي الهش أصلًا.

حسابات حلفاء كاراكاس

تتمثل القوى الداعمة لفنزويلا في كلٍّ من الصين وروسيا وإيران على الساحة الدولية، وهي دول تمتلك مستويات متفاوتة من النفوذ السياسي والاقتصادي داخل فنزويلا، تتصدرها الصين بوصفها الشريك الأهم والأكثر حضورًا. وتمثّل هذه القوى في مجملها الخصوم الدوليين الرئيسيين للولايات المتحدة، الأمر الذي يجعل وجودها داخل ما يُعرف بـ الفناء الخلفي لواشنطن مصدر قلق مباشر للأمن القومي الأمريكي. غير أن التطورات الأخيرة كشفت عن تحوّل في طبيعة ومدى انخراط هذه القوى في مسار التصعيد، بما يعكس تعاملها مع فنزويلا كورقة تفاوض ضمن لعبة القوى الكبرى على المستوى الدولي.

(&) الموقف الروسي:  يرتكز الموقف الروسي تجاه كاراكاس على قاعدة صلبة من العلاقات التاريخية، تُوّجت بشراكة استراتيجية ممتدة لعشر سنوات تهدف في جوهرها إلى كسر العزلة الدولية المفروضة على فنزويلا ومواجهة العقوبات الغربية. وعلى الرغم من أن موسكو تُعد المورّد الرئيسي للسلاح والدعم الفني للجيش الفنزويلي، مستندة إلى إرث طويل من التعاون العسكري يعود إلى الحقبة السوفيتية، فإن طبيعة هذا الدعم شهدت تحوّلًا ملحوظًا مع تصاعد الأزمة خلال عام 2025. فعلى المستوى الفني، تواصل روسيا الالتزام ببنود الاتفاقات القائمة المتعلقة بصيانة المعدات وتدريب الكوادر، غير أن هذا الدعم لم يتجاوز على المستوى الاستراتيجي الإطار الخطابي والدبلوماسي.

ويُفسَّر هذا التحفّظ في ضوء مجموعة من القيود البنيوية التي تواجهها موسكو، وفي مقدمتها انخراطها العميق في الحرب الأوكرانية، وما يترتب عليه من استنزاف سياسي وعسكري واقتصادي، يحدّ من قدرتها على فتح جبهات توتر جديدة حتى في مناطق تمتلك فيها نفوذًا تقليديًا، كما كان الحال في سوريا أو إيران. ويعزّز هذا التوجه إدراك روسي متزايد بأن أي تصعيد فعلي في فنزويلا قد يفضي إلى عقوبات إضافية، وهو ما لا يتماشى مع أولوياتها الحالية.
في هذا السياق، عبّر عدد من المسؤولين الأمريكيين، من بينهم وزير الخارجية ماركو روبيو، عن عدم القلق إزاء الموقف الروسي، انطلاقًا من قناعة بأن موسكو ليست في وضع يسمح لها بتصعيد حقيقي في فنزويلا. كما أن احتمالات التقدم في مسار تسوية سياسية للأزمة الأوكرانية تدفع الكرملين إلى تبنّي سياسة حذرة، تتجنب أي خطوات قد تعقّد علاقاته مع واشنطن. وضمن هذا الإطار، يمكن فهم التصريحات الروسية الداعمة لفنزويلا بوصفها رسائل سياسية محسوبة تهدف إلى تأكيد الشراكة دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.

وعليه، يبدو أن فنزويلا، رغم أهميتها الرمزية والاستراتيجية، لم تعد أولوية قصوى للسياسة الروسية في المرحلة الراهنة، حيث تميل موسكو إلى إدارة الملف الفنزويلي بأدوات دبلوماسية منخفضة الكلفة، حفاظًا على توازن دقيق بين دعم حليفها التقليدي وعدم الإضرار بأولوياتها الاستراتيجية المرتبطة بالحرب في أوكرانيا والعلاقة مع الولايات المتحدة.

(&) الموقف الصيني: يُنظر إليه من منظور جيوسياسي بالدرجة الأولى، وليس اقتصاديًا فقط. ترى بكين أن أي تصعيد أمريكي في فنزويلا أو كوبا يصبّ في مصلحتها، إذ إن التركيز على منطقة أمريكا اللاتينية يربك واشنطن ويجبرها على تشتيت الانتباه عن أولوياتها الاستراتيجية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، خصوصًا فيما يتعلق بمسألة تايوان، المصلحة الجوهرية للصين. وتستند الحجة الصينية على مبدأ الرد بالمثل؛ بما أن الولايات المتحدة تسعى لتعزيز نفوذها في تايوان، فإن الصين يمكنها تعزيز أنشطتها في “الجوار المباشر” لأمريكا لتعزيز موقعها الاستراتيجي في مواجهة الهيمنة الأمريكية. مع ذلك، تظل فنزويلا من منظور بكين غير ذات قيمة اقتصادية أو جيوسياسية كافية تجعلها تكرس موارد للتدخل المباشر أو التصعيد في هذا الملف، ما يجعل النهج الصيني في الغالب محدودًا ودبلوماسيًا.

(&) الموقف الإيراني: يرتبط الموقف الإيراني من فنزويلا برؤية استراتيجية أوسع تقوم على توسيع ساحات الضغط على الولايات المتحدة خارج نطاق الشرق الأوسط، حيث تنظر طهران إلى كاراكاس بوصفها امتدادًا غير مباشر لمعادلة الصراع مع واشنطن. وفي هذا الإطار، يُلاحظ اعتماد إيران على الأدوات العسكرية نفسها التي تستخدمها في إقليم الشرق الأوسط، ولا سيما برامج الطائرات المسيّرة والصواريخ، بما يعكس سعيها إلى خلق نقاط تهديد متزامنة للمصالح الأمريكية، سواء في الشرق الأوسط أو في المجال القريب من الولايات المتحدة. ويؤكد هذا التوجه الاتهامات الأمريكية بشأن تورط شبكات إيرانية – فنزويلية في صفقات لتوريد طائرات مسيّرة قتالية ذات تصميم إيراني، فضلًا عن محاولات الحصول على مواد كيميائية تُستخدم في تطوير الصواريخ الباليستية، وهو ما دفع واشنطن إلى فرض عقوبات على أفراد وكيانات في البلدين بدعوى تهديد الأمن الإقليمي والدولي.

وفي المقابل، حرصت طهران وكاراكاس على إظهار هذا التعاون باعتباره دعمًا شاملًا في مواجهة ما تصفانه بـ”العدوان الأمريكي”، حيث أعلنت فنزويلا أن إيران ستدعمها على مختلف المستويات، وهو ما تُرجم عمليًا في مجال نقل التكنولوجيا العسكرية. غير أن هذا الدعم، رغم دلالاته السياسية والرمزية، يظل محدود التأثير على ميزان القوى الفعلي؛ إذ تفتقر إيران إلى القدرة أو الرغبة في تصعيد المواجهة إلى مستوى مباشر مع الولايات المتحدة في الساحة الفنزويلية. وعليه، يمكن فهم الدور الإيراني باعتباره أداة إزعاج استراتيجي  ووسيلة لتوسيع هامش المناورة السياسية، أكثر منه استعدادًا لتحمل كلفة مواجهة مفتوحة مع واشنطن في نصف الكرة الغربي.

وعليه، تتجسد أهمية فنزويلا في صراع القوى العظمى بوصفها ساحة جيوسياسية مركّبة تجمع بين الثروة النفطية الضخمة والموقع الإقليمي الحساس داخل المجال الحيوي للولايات المتحدة، وهو ما يجعلها محورًا أساسيًا في مساعي واشنطن للحفاظ على هيمنتها في نصف الكرة الغربي، وفي الوقت ذاته نقطة اختراق محتملة لنفوذ قوى منافسة مثل روسيا والصين وإيران بما يثير مخاوف تتعلق بالأمن القومي الأمريكي. أما ما يمكن وصفه بـ “التخلي النسبي” عن فنزويلا، رغم الخطابات الداعمة الصادرة عن هذه القوى، فيُفسَّر بجملة من القيود البنيوية والجيوسياسية؛ فروسيا مكبّلة بالحرب الأوكرانية، والصين تتعامل مع الملف بمنطق المصلحة الاقتصادية الحذرة دون استعداد لتحمّل كلفة مواجهة مباشرة، في حين يظل الدور الإيراني محصورًا في نطاق الإزعاج الرمزي وتوسيع ساحات الضغط غير المباشر.

وعليه، فإن احتمالات اندلاع مواجهة مفتوحة حول فنزويلا تظل محدودة، إذ يُرجَّح أن يظل سقف الدعم الخارجي في حال التصعيد محصورًا في الدعم السياسي والدبلوماسي، أو في أشكال غير مباشرة مثل نقل محدود للتكنولوجيا أو الأسلحة من روسيا وإيران، ومساعدات اقتصادية انتقائية من الصين، دون الانزلاق إلى تدخل عسكري مباشر. وفي هذا السياق، تبدو فنزويلا أقرب إلى ورقة تفاوض في لعبة القوى العظمى، تُستخدم لتحقيق مكاسب استراتيجية أوسع، لا ساحة مواجهة شاملة قد تفرض تكاليف مرتفعة ومخاطر يصعب احتواؤها بالنسبة لجميع الأطراف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى