عبدالسلام فاروق يكتب: الفاشية الجديدة فى بلاد الحرية!

شهدت الرأسمالية الأمريكية على امتداد القرن الماضي ولادة طبقة حاكمة تعد من أكثر الطبقات وعياً وتنظيماً ونفوذاً في التاريخ، متمكنة من مفاصل الاقتصاد والدولة معاً، وممتدة في سلطانها داخلياً وخارجياً. لكنها ظلت، عبر أجهزتها الأيديولوجية، تدعي أن ثروتها الهائلة لا تعني تحكماً سياسياً مباشراً، بل إن الديمقراطية الليبرالية تظل قائمة رغم التفاوت الطبقي الحاد. غير أن هذه المزاعم بدأت تتهاوى أمام أزمة الرأسمالية البنيوية، وتراجع نموذج الدولة الليبرالية، ما ولد انقسامات في صفوف النخبة، وفتح الباب لصعود سلطة يمينية فاشية تمسك بزمام الدولة بلا مواربة.
رئاسة ترامب الثانية تعد مؤشرا واضحا على انتقال مكشوف من هيمنة رأسمالية متوارية إلى هيمنة سافرة، حيث بات أحد أجنحة الأوليجارشية يمسك بالأدوات الأيديولوجية والسياسية للدولة، في ظل تراجع دور النيوليبرالية التقليدية إلى موقع الشريك الثانوي. هذا التحول يعكس رغبة جامحة في إعادة تشكيل أمريكا كدولة حرب دائمة، تخضع فيها مؤسسات الحكم لطبقة رأسمالية أشد تركيزاً وسطوة، تسعى إلى تثبيت قبضتها في زمن أفول الهيمنة الأمريكية واضطراب النظام الرأسمالي العالمي.
الرأسمالية القديمة
في أعقاب الحرب العالمية الثانية وأثناء سنوات الحرب الباردة، سعى المدافعون عن النظام الليبرالي–الديمقراطي في الأوساط الأكاديمية والإعلامية إلى طمس دور كبار الرأسماليين، مدعين أن “الثورة الإدارية” قد أضعفت سطوتهم، وأن توازن القوى بين المال والمديرين والعمال يكبح هيمنتهم. ومع تطور هذا الخطاب، تم تذويب مفهوم الطبقة الحاكمة في مصطلحات مائعة مثل “أصحاب الشركات الأثرياء”، في محاولة لتفكيك فكرة وجود طبقة رأسمالية موحدة ومهيمنة.
بحسب هذا الطرح، فإن الديمقراطية الأمريكية توصف بأنها نتاج تفاعل جماعات متعددة أو تدار من قِبل “نخبة القوة”، بينما تقدم الدولة بوصفها كياناً مستقلاً عن المصالح الاقتصادية. وقد روجت الأدبيات التعددية – من المحافظين إلى الليبراليين – لهذه الرؤية التي تنفي وجود سيطرة مباشرة للرأسمالية على السياسة. حتي أنه جري تصوير السياسيين كرواد أعمال يتنافسون على أصوات الناخبين، في سوق سياسي حر يحكم بمنطق المنافسة، لا بمنطق الهيمنة الطبقية.
تحت مجهر اليسار
رأى كارل ماركس أن الدولة في المجتمع الرأسمالي تخضع، في جوهرها، لهيمنة الطبقة الرأسمالية، وإن أقر بوجود شروط تاريخية تمنحها استقلالاً نسبياً عن مصالح الرأسماليين الأفراد. ففي “البيان الشيوعي”، وصف الدولة الحديثة بأنها “لجنة لإدارة الشئون العامة للبرجوازية”، ما يعني أن الجهاز التنفيذي يمتلك هامشاً من الاستقلال، لكنه يظل خادماً لمصلحة الطبقة الرأسمالية ككل.
وقد بات من المفهوم منذ زمن بعيد أن هذه الطبقة تمارس الحكم عبر الدولة حتى داخل النظام الليبرالي–الديمقراطي، مستخدمة أدوات مباشرة كالتغلغل في الأحزاب، وتمويلها، واحتلال المناصب السياسية الحساسة، فضلاً عن تحكمها بمفاتيح الاقتصاد التي تؤثر على العملية الانتخابية ذاتها. لكن نفوذ الرأسمال يتجاوز صناديق الاقتراع، إذ يمتد إلى قلب الدولة من خلال السيطرة على مؤسسات محورية كالبنك المركزي، والتحكم في السياسات النقدية والمالية.
كما تفرض الطبقة الرأسمالية سطوتها عبر أدوات غير مباشرة: من الضغوط الاقتصادية، إلى تمويل مراكز الأبحاث، مروراً بجماعات الضغط، وآلية “الباب الدوار” بين القطاعين العام والخاص، وصولاً إلى السيطرة على الثقافة والإعلام. بهذا المعنى، تتحكم الرأسمالية بالدولة لا ككيان خارجي، بل كامتداد مؤسسي لمصالحها العميقة والمتشابكة.
في مواجهة أطروحات “اليسار الأوروبي”، برزت أعمال تحليلية تسعى لتفكيك بنية السلطة الرأسمالية كما هي، لا كما تروج. وكان من أبرزها كتاب الاقتصادي السوفييتي منشكوف “المليونيرات والمديرون”، الذي جاء نتيجة لزيارات ميدانية لكبار رجال الأعمال والبنوك الأمريكية في مطلع الستينيات، ضمن برنامج علمي بين موسكو وواشنطن.
في تحليله، ميز منشكوف بين المديرين التنفيذيين وأصحاب القرار الفعلي، مشيراً إلى أن السلطة الحقيقية لا تكمن في الإدارة اليومية، بل في قبضة الأوليجارشية المالية، التي تستند إلى سيطرة هائلة على رأس المال الوهمي، وتشكل نواة الكيانات المالية الكبرى. فرغم وجود تحالف إداري–مالي، تظل الغلبة للطرف الذي يملك مفاتيح التمويل والهيمنة النقدية، وهي طبقة الأوليجارشية المالية، التي تتعاظم قوتها بمرور الوقت.
مع ذلك، نبه منشكوف إلى أن هذه الهيمنة ليست مطلقة. فالدولة الرأسمالية الحديثة كيان معقد ومتشعب، والسيطرة على بعض أجزائه لا تعني احتواءه كله. صحيح أن الأوليجارشية تملك الإعلام وتشتري السياسيين، لكنها لا تستطيع شراء وعي الشعوب. فحتى ضمن حدود الديمقراطية الشكلية، ما زال للناخبين دور، وإن كان محدوداً، يبقي احتمال المفاجآت السياسية قائماً، ويمنع الاحتكار الكامل للسلطة من قِبل رأس المال.
اقتصاد هش ونظام جائر
شهدت تسعينيات القرن الماضي انطلاقة صاخبة لاقتصاد التكنولوجيا العالية، غذتها موجة رقمنة اجتاحت العالم، ودفعت إلى السطح باحتكارات تقنية عملاقة. ومع هذا التحول، تكثف رأس المال بصورة غير مسبوقة، وارتفعت ثروات الأقلية المالية بشكل متسارع، في الوقت الذي تراجعت فيه ديناميات الاقتصاد الأمريكي، الذي دخل الألفية الجديدة وهو مثقل بتناقضاته البنيوية، بينما اتسعت الهوة بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون شيئاً.
ثم مع تصاعد اعتماد الاقتصاد الرأسمالي الاحتكاري في دول المركز على التوسع المالي بدل الإنتاج الفعلي، برزت فقاعة خطيرة: ديون ومطالبات مالية لا سند لها من الواقع الإنتاجي. هكذا لم يعد النظام أكثر ظلماً فحسب، بل صار أكثر هشاشة. فكلما تراجع الإنتاج، ازداد الارتهان للائتمان والتقلبات المالية، ولم يكن الرد سوى ضخ أموال الدولة في شرايين الرأسمال، عبر البنوك المركزية، وعلى حساب الطبقة العاملة المنهكة.
زلزال 2008 وبداية الانكشاف
انهيار بنك «ليمان براذرز» في سبتمبر 2008 كان أشبه بانفجار صامت، كشف عمق الأزمة البنيوية التي تضرب قلب الرأسمالية الأمريكية. فلقد اهتزت المنظومة المالية، وعمت الصدمة، في العالم بأسره. لكن المفاجأة الكبرى للطبقة الحاكمة لم تكن في الانهيار المالي، بل في نهوض الاقتصاد الصيني الذي تجاوز الركود العالمي، وواصل نموه بنسبة قاربت 10%، في رسالة واضحة: زمن الهيمنة الأمريكية المطلقة يقترب من نهايته.
حزب الشاي وصعود اليمين القومي
في أجواء ما بعد الأزمة، انطلقت شرارة ما سمي بـ«حركة حزب الشاي»، وهي لم تكن حركة جماهيرية بقدر ما كانت صناعة إعلامية يمينية، وجدت دعماً من تكتلات مالية محافظة. سرعان ما تحولت هذه الحركة إلى حاضنة لأكثر فئات المجتمع الأمريكي محافظة وميلاً نحو القومية والرجعية، أي الطبقة الوسطى الدنيا البيضاء: أصحاب المشاريع الصغيرة، مدراء الصف الثاني، مزارعون بيض، وإنجيليون. هذه الفئة المتأرجحة تعيش في ظل خوف دائم من الانحدار الطبقي، ما يجعلها أرضاً خصبة للتعبئة السياسية اليمينية.
النيوليبرالية والفاشية الجديدة
تاريخياً، تنمو الفاشية في لحظات يشعر فيها رأس المال بأنه مهدد وجودياً، وتفشل فيها الديمقراطية الليبرالية في احتواء أزماتها. وهذا ما يحدث اليوم. فترامب، الذي اختار نائبه من رموز حزب الشاي، أعاد تشكيل الدولة الأمريكية على أسس أكثر يمينية، بتواطؤ طبقي مكشوف، تحول فيه من رمز شعبوي إلى أداة في يد الأوليجارشية المالية.
وكما في الفاشيات الأوروبية الكلاسيكية، جاءت موجة الفاشية الجديدة مقرونة بتصاعد الخصخصة، وترسيخ القبضة القمعية للدولة، وزيادة النزعة العسكرية. وهكذا، أصبحت النيوليبرالية البوابة التي عبرت منها الفاشية الأمريكية، لتتجذر اليوم في أعلى طبقات الاحتكار المالي، ممسكة بزمام الإعلام والدولة معاً.
إذن لم تعد هيمنة النخبة المالية خفية، بل باتت تتجلى بوضوح في تركيبة السلطة. فقد تحول ما كان ينظر إليه كصراع طبقي ضمن النظام إلى حرب طبقية شاملة، تتوجها حاجة الأوليجارشية إلى الدولة كأداة سيطرة. ويبرز ذلك بوضوح في قطاع التكنولوجيا المتقدمة، الذي يقوم على الدعم العسكري والتكنولوجي للدولة، ويستمد منه أرباحه وهيمنته.
ترامب: الواجهة الذهبية
دعم ترامب جاء من خارج البورصة التقليدية، من أصحاب رؤوس الأموال الخاصة، وشركات النفط، وتكتلات وادي السيليكون. لم يكن الرجل أكثر من واجهة شعبوية لتحول عميق تديره نخبة طبقية تستخدمه كرمز، لا كقائد. وكما قال جورج كيريفان، فإن ترامب مجرد انعكاس لحقائق طبقية صارخة، تتجلى خلف الضوضاء الشعبوية.
تبدت الفجوة الطبقية داخل السلطة بأوضح صورها عند المقارنة بين حكومة بايدن، التي بلغت ثروة أعضائها 118 مليون دولار، وحكومة ترامب الثانية، التي جمعت 460 مليار دولار، منها 400 مليار لإيلون ماسك وحده. لم يعد الحكم بيد الطبقة السياسية التقليدية، بل صار بيد أصحاب المليارات، ممن تجاوزوا حتى التقاليد الدستورية.
فاشية أمريكية صريحة
ما يجري اليوم ليس تكراراً لولاية ترامب الأولى، لكن تحولا جذرياً نحو فاشية أمريكية واضحة المعالم، حيث تتجسد الهيمنة الطبقية بشكل مباشر، من خلال تحالف الأقل من 1% مع قاعدة اجتماعية قومية- شعبوية تحت راية “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً”. أمام هذا التحول، يبرز سؤال جوهري: هل سيتكرس هذا النمط الجديد من الحكم؟ أم أن للمجتمع رأياً آخر؟
يرتبط مصير هذا التحول بمدى قدرة التحالف الطبقي الجديد على ترسيخ سلطته، مقابل قدرة الحركات الشعبية على المواجهة والصمود. فكما أشار أنطونيو جرامشي، الهيمنة ليست قدراً، بل ميدان صراع مفتوح.
لقد أدى تخلي اليسار الغربي عن مفهوم “الطبقة الحاكمة” إلى فقدان البوصلة، وإلى عجز في فهم الواقع ومواجهته. ويعود الجواب إلى ما نادى به لينين يوماً: التوجه إلى أوسع قطاعات الطبقة العاملة، محلياً وعالمياً، لأولئك الذين “لا يملكون ما يخسرونه سوى قيودهم”.
نحن إذن أمام معركة صعبة ومفتوحة من أجل كشف طبيعة النظام لا إصلاحه . فالدولة اليوم أصبحت أداة بيد أقلية مالية- تكنولوجية تحتكر القرار وتستغل القومية والشعبوية لترسيخ سلطتها. لذا، لا مناص من صراع جماهيري واسع يفضح هذا التحالف ويواجهه، من أجل كسر قيود طبقية تزداد عنفاً وتوحشاً مع كل أزمة.
Abdelsalamfarouk@yahoo.com