ساعة الصفر: نتنياهو بين حلم تشرشل وإمبراطورية الردع الممزقة

عبد السلام فاروق- كاتب ومفكر مصري

في الساعات الأولى من يوم 13 يونيو 2025، كانت الخرائط في غرفة العمليات المركزية للحكومة الإسرائيلية مضيئة بنقاط حمراء تتركز في عمق الأراضي الإيرانية. أطلق على تلك العملية اسم “الأسد الصاعد”، وكانت ضربات جوية مفاجئة استهدفت منشأة “نطنز” النووية ومواقع عسكرية وحتى قيادات بارزة في الحرس الثوري الإيراني، مما أسفر عن مقتل قادة كبار بينهم “حسين سلامي ومحمد باقري”.

كانت تلك اللحظة ذروة تصعيد مباشر وغير مسبوق بين تل أبيب وطهران، لحظة بدت للكثيرين كبداية حرب شاملة. لكن الحرب لم تندلع بالمعنى الكلاسيكي. جاء الرد الإيراني عبر عملية “الوعد الصادق 3″، وهي ضربات صاروخية على مواقع إسرائيلية، تلتها ضربات أمريكية على منشآت نووية إيرانية أخرى في ما سمي عملية مطرقة منتصف الليل. ثم صمت. توقف إطلاق النار في 24 يونيو.

اليوم، بينما يستعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مار-لاغو بفلوريدا في 29 ديسمبر، يعود السؤال الحارق هل كانت تلك مجرد جولة أولى؟

المراسل العسكري لصحيفة “معاريف”، آفي أشكنازي، يختم تحليله للقاء بقوله: “السؤال ليس ما إذا كانت الحرب القادمة (مع إيران) ستندلع، بل متى ستندلع”. هذه العبارة ليست مجرد تعبير صحفي درامي، هي انعكاس لحسابات استراتيجية عميقة وقلق وجودي يتغلغل في مؤسسة القرار الإسرائيلية. نتنياهو، الذي يحكى أنه يطارد حلم “تشرشل” -رمز القائد الذي واجه تهديدًا وجوديًا وحيدًا ولم يتردد- يقف عند مفترق طرق. أمامه إيران التي تعمل بسرعة مقلقة على إعادة بناء برنامجها الصاروخي الباليستي وتجديد ترسانتها الدفاعية. وراءه ذكرى السابع من أكتوبر التي كشفت، كما يقول تحقيق رسمي، أن الجيش الإسرائيلي كان “أسير أوهام ولم يستعد لحرب مفاجئة”. والآن، تزداد قوة إيران، وتدخل تركيا غزة، والتهديدات تتزايد.

إذن، متى تندلع الحرب؟ الإجابة لا تكمن في تقويم، بل في تشريح معادلة ثلاثية الأبعاد: الخوف الإسرائيلي المتجدد، والحلم الإستراتيجي القديم، والرغبة الأمريكية المتقلبة. هذا ما ستناقشه السطور القادمة.

سيكولوجية الخوف.. من صدمة أكتوبر إلى كابوس الصواريخ

لم تكن مفاجأة السابع من أكتوبر مجرد اختراق أمني أو عسكري؛ لقد كانت زلزالًا نفسيًا هز مفهوم الردع الذي قامت عليه إسرائيل لعقود. فجأة، اكتشفت النخبة الحاكمة والشعب أن الجيش الإسرائيلي كان أسير أوهام.

هذا الشعور بالهشاشة لم يعد محصورًا في حدود قطاع غزة. لقد انتقل وتركز الآن على إيران. الخوف لم يعد من القنبلة النووية المستقبلية فحسب- رغم أن هناك قلقًا من إعادة إحياء منشآت التخصيب –ربما من تهديد أكثر إلحاحًا: الصواريخ الباليستية.

تقييم إسرائيلي خطير يشير إلى أن إيران، إذا تركت دون عائق، قد تصل قدرتها الإنتاجية إلى 3000 صاروخ باليستي سنويًا. تخيل وابلًا من 3000 صاروخ يمكن إطلاقه في حرب مستقبلية، يصعب اعتراضه كليًا حتى بأفضل أنظمة القبة الحديدية.

 لقد رأت إسرائيل بنفسها في يونيو الماضي أن الرد الإيراني، رغم أنه لم يكن حاسمًا، أثبت أن التهديد بالصواريخ حقيقي للغاية، ولم نتمكن من منعها جميعًا في المرة السابقة، كما قال مسئول إسرائيلي سابق. اليوم، تقول التقديرات الاستخبارية الإسرائيلية إن طهران تسرع عملية إعادة بناء برنامج صواريخها الباليستية وتعزز دفاعاتها الجوية.

هذا الجمع بين صدمة الماضي القريب من حماس، وكابوس المستقبل القريب من الصواريخ الإيرانية، هو ما يخلق حالة من الهلع الاستباقي في تل أبيب. إنه منطق يقول: إذا كنا قد فشلنا في تقدير تهديد حماس، أفلا يجدر بنا أن نضرب تهديد إيران قبل أن يصبح ساحقًا؟ هذا الخوف هو الوقود الأساسي لأي مغامرة عسكرية مقبلة.

 حلم تشرشل.. البحث عن المخرج التاريخي

هنا نصل إلى العقل الكامن وراء الدفع نحو الحرب: بنيامين نتنياهو. يحكى في الأروقة السياسية أن نتنياهو يطارد “حلم تشرشل”. ونستون تشرشل، في تفسير الرؤية الإسرائيلية، لم يكن فقط رمزًا للمقاومة البريطانية ضد النازية، كان المستقبلي الذي رأى الخطر القادم (أدولف هتلر) وحذر منه عندما كان الجميع يفضلون سياسة الاسترضاء. يرى نتنياهو نفسه، ويريد أن يرى، في هذا الدور النبي المحذر من خطر وجودي (إيران)، الذي يصر على مواجهته بينما يتردد العالم.

لكن حلم تشرشل لدى نتنياهو له طبقة أعمق وأكثر عملية. تشرشل لم يكتفِ بالتحذير؛ قاد بلاده إلى النصر في مواجهة شبه مستحيلة، وخلد اسمه في التاريخ. بالنسبة لنتنياهو، الذي يواجه اتهامات فساد ومحكمة جنائية دولية وتاريخًا من التحالفات الحكومية الهشة، فإن قيادة إسرائيل في حرب وقائية أو حاسمة ضد العدو الخارجي الأكبر يمكن أن تكون المخرج الأخير لإنقاذ إرثه السياسي وشخصه. الحرب قد تحول السردية من رئيس وزراء متهم إلى زعيم تاريخي واجه بريق الثورة الإيرانية وحمى المنطقة.

الأهم من ذلك، أن هذا الحلم يتواءم مع رؤية إستراتيجية إسرائيلية راسخة ترى أن إسقاط النظام الإيراني هو الحل الجذري لإنهاء الحروب في المنطقة. إنها معادلة تجمع بين الخوف الوجودي، والطموح الشخصي، والعقيدة الإستراتيجية في بوتقة واحدة تنضج للحرب.

 ترامب.. الحليف المتقلب والمفاوض الأعظم

لا يمكن فهم معادلة الحرب دون وضع دونالد ترامب في مركزها. العلاقة بين نتنياهو وترامب علاقة مصالح متبادلة معقدة. من المتوقع أن يقدم نتنياهو في فلوريدا لترامب حزمة من الخيارات العسكرية تتراوح من ضربة إسرائيلية منفردة إلى عملية عسكرية أمريكية إسرائيلية مشتركة كاملة. الهدف هو الحصول على الضوء الأخضر الأمريكي، أو الأفضل، المشاركة الأمريكية الفعلية.

لكن ترامب ليس حليفًا آليًا. شخصيته تجمع بين الميل للتأرجح وإظهار القوة من ناحية، والرغبة في تقديم نفسه كـ”صانع سلام” ومن ثم الفوز بجائزة نوبل من ناحية أخرى. هو من يتباهى بأنه دمر التهديد النووي الإيراني وأحل السلام في الشرق الأوسط لأول مرة منذ 3000 عام. بدء حرب جديدة قد يهدم هذه الصورة.

علاوة على ذلك، هناك عاملان يحدان من حماس ترامب: غزة: هناك قلق من فشل الطرفين في تنفيذ المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار الهش. إذا استمر التوتر بين المسئولين الأمريكيين والإسرائيليين حول غزة، فقد يكون ترامب أقل حماسة لأي عمل عسكري جديد في إيران.

· الدبلوماسية: عبرت طهران عن رغبتها في استئناف المحادثات الدبلوماسية مع واشنطن. قد يرى ترامب في المفاوضات فرصة أكبر من الحرب.

من ناحية أخرى، يحرص ترامب على إظهار الولاء للحلفاء وتجديد النخبة الحاكمة لتناسب رؤيته، كما يتضح من خطوته الأخيرة بإنهاء مهام نحو 30 سفيرًا عينهم سلفه جو بايدن. القرار سيعتمد على حسابات ترامب الداخلية: أي الخيارين سيعزز صورته أكثر على الصعيد الداخلي الأمريكي: القائد الذي حسم الأمر مع إيران أم رجل الدولة الذي تفاوض وأوقف الحرب ؟

ساعة الصفر: متى؟ سيناريوهات الموعد

بناء على هذه الأبعاد، يمكن استشراف عدة مسارات تؤدي إلى ساعة الصفر:

1. المسار السريع (الربيع 2026): هذا هو السيناريو الأكثر قتامة. يحدث إذا نجح نتنياهو في إقناع ترامب خلال لقاء فلوريدا بأن إيران على وشك تجاوز نقطة اللاعودة في قدراتها الصاروخية. قد تقدم إسرائيل دليلًا استخباراتيًا ملموسًا على تقدم سريع وغير مسبوق، مما يدفع ترامب للموافقة على ضربة عسكرية مشتركة محدودة قبل فوات الأوان. الحرب هنا ستكون “وقائية” بوضوح.

2. مسار التصعيد المتدرج (أواخر 2026 – 2027): وهو الأكثر ترجيحًا. ستستمر إسرائيل في عمليات الاستخبارات والعمليات السرية ضد المنشآت الإيرانية والأفراد. ستقوم إيران بردود متكررة عبر وكلائها في المنطقة (حزب الله، الفصائل في العراق وسوريا). مع كل جولة تصعيد، سيزداد الخطاب العدائي. سقطة واحدة، حادث واحد يتسبب في خسائر بشرية كبيرة من جانب إسرائيل، قد يكون الشرارة. في هذا السيناريو، تكون الحرب نتيجة تصعيد خرج عن السيطرة وليس قرارًا مفاجئًا.

3. مسار التأجيل (غير محدد): يتحقق إذا رفض ترامب طلب نتنياهو بشكل قاطع في فلوريدا، مشيرًا إلى أولوية غزة أو مفضلًا المسار الدبلوماسي. هنا، ستتحول إسرائيل إلى زيادة الضغوط السرية والحرب الاقتصادية ودعم المعارضة الداخلية الإيرانية، بينما تبني دفاعاتها استعدادًا للمواجهة التي تراها حتمية، لكنها مؤجلة.

بين هذه المسارات، يبدو أن مسار التصعيد المتدرج هو الملك. البيئة ناضجة للحرب، خوف إسرائيلي عميق، قناعة إستراتيجية بضرورة المواجهة، وعدو يعيد بناء قوته بسرعة. ما ينقصها هو الغطاء السياسي الأمريكي الكامل والذريعة العامة المقنعة. لقاء فلوريدا سيكون محوريًا في تحديد إمكانية توفير الأول.

 ليس إذا بل كيف!

عندما يسأل المراسل العسكري متى ستندلع الحرب؟، فهو يسأل في الحقيقة عن نهاية لعبة شطرنج كبرى بدأت حركاتها. الحرب القادمة، إذا اندلعت، لن تكون كالحروب التقليدية. لن تكون غزوًا بريًا شاملاً، بل ستكون حرب ضربات جوية وصاروخية مكثفة عبر مسافات بعيدة، تهدف إلى إضعاف البنية التحتية العسكرية والنووية الإيرانية إلى حد العجز لسنوات. ستكون حربًا قد تشتعل فيها جبهات وكلاء إيران من لبنان إلى اليمن كحرائق جانبية.

العنوان الذي وضعه أشكنازي -ليس إذا بل متى- صحيح في جوهره النفسي والإستراتيجي. في عقل نتنياهو وجزء كبير من المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، الحرب مع إيران حتمية طالما بقي النظام الحالي في طهران متمسكًا ببرنامجه الصاروخي والنووي ورؤيته التوسعية.

السؤال متى يحسمه عاملان خارجيان: سرعة التقدم التقني الإيراني، وإرادة الرئيس الأمريكي. الأول يتسارع، والثاني متقلب.

في النهاية، ربما يكون السؤال الأهم ليس متى تندلع الحرب؟، بل هل ستكون هذه الحرب هي الحل، أم أنها ستفتح أبواب جحيم جديد في منطقة لم تعد تتحمل المزيد من الجحيم؟. التاريخ، وليس خطب تشرشل، هو من سيحكم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى