دوافع متنوعة: لماذا يتجدد التوتر بين إريتريا وإثيوبيا؟

فوزية صبري- باحثة مساعدة

في السنوات الأخيرة اتخذت التوترات بين إثيوبيا واريتريا منحنى تصاعدي بالرغم من عودة العلاقات بين الدولتين بموجب اتفاق السلام عام 2018 أنهى قطيعة دامت قرابة العقدين. برزت تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي بشأن طموحه المعلن للحصول على منفذ في البحر الأحمر وهو ما اعتبره اريتريا تهديد لسيادتها وزعزعة لاستقرارها واستقرار منطقة القرن الإفريقي، وإلى جانب ذلك أعلن الطرفان عن تعليق رحلاتهما الجوية المتبادلة.

دوافع التوتر

جدير بالذكر أن إريتريا حصلت على استقلالها عام 1993[1]. وفي مايو 1998 اندلعت حرب حدودية بين أديس أبابا وأسمرة وانتهت في يناير 2000 بتوقيع اتفاق سلام بالجزائر وتم إقامة منطقة فاصلة يبلغ عرضها 25 كم2 على الحدود تحت إشراف الأمم المتحدة[2]. وعلاوة على ذلك تم الاتفاق على تعيين لجنة دولية تقوم بإعادة ترسيم الحدود بين الدولتين والتي يبلغ طولها 1000كم2، كما تم تخصيص بعض الأماكن الاستراتيجية لأسمرة. وأعقب ذلك رفض أديس أبابا لقرار التحكيم عام 2002؛ وعليه انقطعت جميع العلاقات بين الدولتين حتى أواخر العقد الثاني من القرن الحالي[3].

ويمكن استعراض دوافع تصاعد التوترات مؤخرًا بين البلدين على النحو التالي:

  • الموقع الاستراتيجي والعبء الاقتصادي: منذ استقلال أسمرة عن أديس أبابا أصبحت الثانية دولة حبيسة. ومع اندلاع الحرب في أواخر تسعينات القرن الماضي فقدت أثيوبيا ميزة الوصول للبحر الأحمر عن طريق حرمنها من استخدام ميناء عصب ومصوع الاريتري. وبالرغم من اتفاق رئيس وزراء أثيوبيا “آبي أحمد” ونظيره الاريتري “أسياس أفورقي” حول تمتع الأولى بخدمات موانئ الثانية الإ أنه لم ينفذ حتى الآن. وعليه وضعت أديس أبابا الحصول على موطئ قدم في البحر الأحمر على رأس أولياتها حيث صرح آبي أحمد في أكتوبر2023 “البحر الأحمر ونهر النيل هما ثنائيان يحددان مصير إثيوبيا وأساس لتنميتها أو تدميرها.[4] مما أدى إلى توتر إريتريا بشأن سيادتها. وعلاوة على ذلك تعتمد إثيوبيا بشكل شبة كامل (+95%) على ميناء جيبوتي في تجارتها الخارجية؛ مما يزيد من تبعيتها للميناء ودولته. ويكلفها ذلك رسوم تزيد قيمتها عن مليار دولار سنويًا وهو يمثل عبء اقتصادي على دولة مثقلة بالديون[5].
  • اتفاق بريتوريا: توقيع حكومة أديس أبابا لاتفاقية “بريتوريا” للسلام مع “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ” بوساطة من الاتحاد الإفريقي عام 2022 منهية بذلك حرب استمرت عامين، دون إشراك أسمرة (أحد الحفاء الرئيسين لها خلال الحرب)؛ الأمر الذي جعلها تشعر باستبعاد وتجاهل مصالحها الوطنية[6]. ويجب الإشارة إلى أن اريتريا بها نسبة كبيرة من قومية التيجراي. وتسعى جبهة تحرير تيجراي إلى إقامة دولة جديدة مستقلة عن أديس أبابا وتضم أجزاء كبيرة من إريتريا؛ وذلك الأمر تعتبره أسمرة تهديدًا وجوديا لها ولحدود دولتها[7].
  • التواجد العسكري لإريتريا في تيجراي: بالرغم من انتهاء الحرب بين جبهة تحرير تيجراي وأديس أبابا منذ أكثر من عامين وتوقيع اتفاق سلام يلزم سحب جميع القوات الأجنبية بما يشمل جنود إريتريا، إلا أنه لا يزال بعض من جنودها يسيطرون على عدة مناطق داخل أراضي الإقليم[8].
  • احتجاز السفن الأذرية: احتجز خفر السواحل الإريتري في نوفمبر الماضي ثلاث سفن أذرية محملة بمعدات عسكرية متجهة إلى إثيوبيا؛ مستندة إلى اختراق السفن لمياهها الإقليمية بنحو 20 كم مربع[9]. وعليه رأت أسمرة أن أديس أبابا تسعى إلى تعزيز قواتها العسكرية بما يهدد الأمن الإريتري.
  • الحملات الإعلامية والدبلوماسية المتبادلة: أرسلت إثيوبيا في يونيو الماضي رسائل إلى الأمين العام للأمم المتحدة، وعدد من رؤساء الدول والحكومات؛ تتهم إريتريا بالتعدي على السيادة الإثيوبية، فضلًا عن تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي حول أولوية الحصول على موطئ قدم في البحر الأحمر. وعلى الجانب الآخر كشف رئيس إريتريا وبعض المسئولين عن رغبة إثيوبيا في الاستيلاء على موانيها وزعزعة استقرار القرن الإفريقي[10].
  • واتصالًا مع اتخاذ التوتر بين إثيوبيا وإريتريا منحى تصاعدي، تباينت ردود الفعل الإقليمية والدولية تجاه هذا التطور؛ حيث ذكر الاتحاد الافريقي أنه يتابع التطورات ويدعو الأطراف إلى ضبط النفس والسعي إلى الحفاظ على استقرار القرن الإفريقي[11]. ورأت بعض الدول الإفريقية ضرورة التحالف من أجل مواجهة الأطماع الإثيوبية في السيطرة على الممرات البحرية والموارد المائية وحماية مصالحها الحيوية. ويبرز في هذا السياق تشكيل تحالف ثلاثي يضم مصر وإريتريا والصومال في 11 أكتوبر 2024؛ بهدف تعزيز التعاون في مختلف المجالات. جدير بالذكر أن العلاقات بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى متوترة بسبب سد النهضة، فضلًا عن تدهور العلاقات بين الصومال وإثيوبيا نتيجة قيام الأخيرة بتوقيع مذكرة تفاهم مطلع 2024 تتضمن خطة للاعتراف بإقليم “أرض الصومال” الانفصالي مقابل حصولها على موطئ قدم في البحر الأحمر وبناء قاعدة بحرية عسكرية، وهو ما اعتبرته مقديشو انتهاكًا لسيادتها[12]. وعلى الجانب الآخر فرضت الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2021 عقوبات على قوات الدفاع الإريترية وحزب الرئيس أفورقي وبعض الجهات الهامة في الدولة بدعوى المشاركة في تأجيج الأوضاع في حرب تيجراي[13].

وختامًا لما سبق تعد التوترات بين أديس أبابا وأسمرة انعكاسًا لصراع متجذر تتداخل فيه العديد من العوامل. وبينما تبقى احتمالية الانزلاق في حرب عسكرية قائمة فإن تكلفة الحرب وتغليب المصالح المشتركة -وهو السيناريو الأكثر ترجيحًا في الأجل القصير- قد تؤدي إلى احتواء التوترات الراهنة والوصول إلى حلول سلمية تعمل على تحقيق الاستقرار.


[1] مروة أحمد مصطفي محمد، معادلة الصراعات الإقليمية والداخلية في القرن الإفريقي، مجلة كلية السياسية والاقتصاد (جامعة بني سويف)، العدد الحادي والعشرون- يناير2024، ص 159.

[2] تاريخ العداء بين إثيوبيا واريتريا، الشرق الأوسط، نشر في 11/10/2019، شوهد في 1/8/2025، متاح على الرابط التالي: https://is.gd/KM9RH1

[3]  فانسيا شتاينميتز، مجلة “زود دويتشه تسايتونج” الألمانية (ترجمة عبير محمد)، الهيئة العامة للاستعلامات، نزاع طويل الأمد في منطقة القرن الإفريقي، نشر في 6/6/2018، شوهد في 1/8/2025، متاح على الرابط التالي: https://is.gd/vCSsr2

[4] هاشم على حامد محمد، هل تجد إثيوبيا “الحبيسة” ضالتها على البحر الأحمر؟، اندنبنت عربية، نشر في 20 أكتوبر 2023، شوهد في4/8/2025، متاح على الرابط التالي: https://is.gd/dKi5ep

[5] ريدي بريكيتيب، إثيوبيا تسعى لإيجاد منفذ بحري: هل يهدد مبتغاها الاستقرار الإقليمي؟، مجلس الشرق الأوسط للشئون الدولية، نشر في 30/9/2024، شوهد في 4/8/2025، متاح على الرابط التالي: https://is.gd/w7eFRl

[6] Crisis group, Ethiopia and Eritrea slide closer to war amid Tigray upheaval, 27/3/2025, accessed on4/8/2025, available at: https://is.gd/DUeq5P

[7] وحدة الدراسات الإفريقية، رهن الاختبار: كيف تنظر اريتريا إلى ترتيبات السلام في اثيوبيا، مركز الإمارات للسياسات، نشر في 25/1/2025، شوهد في4/8/2025، متاح على الرابط التالي: https://is.gd/7Wnt31

[8] خالد فلياشي، إثيوبيا: مناطق في تيغراي لا تزال تحت حكم الجنود الإريتريين، فرانس24، نشر في 28/11/2024، شوهد في 4/8/2025، متاح على الرابط التالي: https://is.gd/FPzgtw

[9] محمد أبو بكر، سفن الأسلحة الأذرية تثير “أزمة مكتومة” بين إريتريا وأثيوبيا”، اندنبنت عربية، نشر في 11/2/2025، شوهد في 4/8/2025، متاح على الرابط التالي: https://is.gd/b1fZKl

[10] التوتر المتصاعد بين أسمرة وأديس أبابا يعمق أزمات القرن الإفريقي، الشرق الأوسط، نشر في 27/6/2025، شوهد في 5/8/2025، متاح على الرابط التالي: https://is.gd/sxW7pg

[11] African Union, press statement: following the situation in the Tigray region, Ethiopia, 14/3/2025, accessed on5/8/2025, available at: https://is.gd/IkB9wu

[12] شيماء حسن على، كيف يمكن فهم التحالف المصري-الإريتري- الصومالي؟، مجلة السياسة الدولية، نشر في16/10/2024، شوهد في 5/8/2025، متاح على الرابط التالي: https://is.gd/jEwKMh

[13] إريتريا تدين عقوبات أمريكية “غير قانونية” ضدها على خلفية النزاع في إقليم تيجراي الإثيوبي،  فرانس24، نشر في 13/11/2021، شوهد في 5/8/2021، متا ح على الرابط التالي: https://is.gd/URe82x

[14] عبير مجدي، الطموح المتزايد: لماذا تتغير فلسفة تسليح الجيش الإثيوبي؟، مركز رع للدراسات الاستراتيجية، نشر في 6/2/2024، متاح على الرابط التالي: https://rcssegypt.com/16689

[15] مقارنة بين الجيش السوداني ونظيره الإثيوبي وفق إحصائية 2021، سي إن إن العربية، نشر في 29/4/2021، شوهد في 7/8/2025، متاح على الرابط التالي: https://is.gd/9Ud426

[16] إبراهيم هايل، تركيا وإثيوبيا توقعان اتفاقيات تعاون.. بينهما اتفاقية عسكرية، وكالة أنباء تركيا، نشر في 18/8/2021، شوهد في 7/8/2025، متاح على الرابط التالي: https://is.gd/nFmoNj

[18] Jules Swinkels, twenty years after Ethiop- Eritrea war; Rapprochement and reflection, 4/6/2018, accessed on8/8/2025, available at: https://is.gd/b7QEix

[19] إثيوبيا: مفاوضات إعادة هيكلة الديون في مرحلتها النهائية، الشرق الأوسط، نشر في 9/2/2025، شوهد في 8/8/2025، متاح على الرابط التالي: https://is.gd/FPdMiA

[20] دولة عربية واحدة بين أكثر 7 بلدان مديونة على مستوى العالم، العربية، نشر في 25/5/2023، شوهد في 8/8/2025، متاح على الرابط التالي: https://is.gd/EvgdTf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى