تحديات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة

أحمد محمد عفيفي- باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي

أدت الانتخابات البرلمانية التي عقدت في 10 أكتوبر 2021 إلى خلط الأوراق السياسية وخلخلة النظام الذي ساد البلاد والقائم على تدوير نفس الوجوه والأحزاب والتحالفات التي أضعفت البنيان الإداري والسياسي للعراق وأدي ذلك إلى فقدان الناخب العراقي الثقة بالنخب الحاكمة.

ويعتبر تحدي تشكيل حكومة جديدة ليس بالأمر السهل، مع اختلاف الفرقاء السياسيين حول نهج تشكيل الحكومة، بالإضافة لطبيعة الحالة العراقية في ظل انتشار السلاح المنفلت والتلويح باستخدامه ضد الخصوم وارتباط بعض الكتل والميليشيات التابعة لها بمصالح إيران بما يتجاوز حدود العراق.

وتأسيسا على ما سبق؛ يتناول التحليل تعقيدات المشهد السياسي العراقي وانعكاساتها على عملية تشكيل الحكومة في ضوء ما أفرزته العملية الانتخابية من اصطفافات وتحالفات داخل مجلس النواب.

مخرجات العملية الانتخابية 2021:

أجريت العملية الانتخابية العراقية في 10 أكتوبر 2021، وتمثل المحطة الانتخابية الخامسة في المسار الانتخابي العراقي منذ انتخابات عام 2005، وتعد انتخابات أكتوبر الأكثر أهمية وجدلا من بين الجولات الانتخابية السابقة وذلك لأنها جاءت استجابة لحركات الاحتجاج التي اجتاحت العراق في أكتوبر 2019، وطالبت باستقالة حكومة عادل عبد المهدى وإجراء انتخابات تشريعية مبكرة نتيجة لسوء الأحوال المعيشية، وتفشي الفساد.

وسجلت نسبة المشاركة في انتخابات أكتوبر 2021- نسبة 41% وفقا لما أعلنته المفوضية العليا، وهي أقل من نسبة التصويت في انتخابات 2018، والتي سجلت حينها نسبة 43%، وحظيت العملية الانتخابية بإشادة المراقبين المحليين والدوليين لجهة نزاهتها وإجرائها بشكل آمن رغم تجاوزات بسيطة لم تؤثر سلبا على نتيجتها. لكن الخاسرين لجاؤا إلى التشكيك في النتائج وزعموا وجود تزوير وقدموا طعونا لإثبات عدم صحتها، فلجاؤا إلى المحكمة التي أقرت بصحة نتائج الانتخابات واعتمادها. وأصبح الموقف واضحا ومحددا من الفائز ومن الخاسر.

تحديات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة:

يمكن القول إن جذور أزمة تشكيل الحكومة تعود إلى اعتماد المشهد السياسي على سياسة أفقية مركبة تعتمد مبدأ التوافق بين المكونات الرئيسية للمجتمع العراقي وهم الأكراد والعرب السنة والعرب الشيعة فضلا عن ترتيب أولويات كل مكون بتوافق داخلي في إطار توحيد ما يطلق عليه “البيت الشيعي” ونظيريه السني والكردي.

لكن التيار الصدري سعى لتغيير المعادلة السياسية بالتحالف مع الكتل الكردية والسنية. وهو ما شكل صدمة للقوى والتكتلات والأحزاب الأخرى من مختلف المكونات، وجعلها تعيد حساباتها السياسية وتدخل في دوامة التصدي لمخرجات هذا التحالف، وتتمثل أهم التحديات التي ما تزال قائمة كالتالي:

(*) معضلة التوافق: تكمن أبرز التحديات في نمط تشكيل التحالف الحكومي ومساعي التيار الصدري لتشكيل حكومة أغلبية وطنية عابرة للطوائف عبر التحالف مع تحالف السيادة المعبر عن المكون السني والحزبين الكرديين الكبيرين، في محاولة لإحداث قطيعة مع موروث العملية السياسية منذ 2005 التي اعتمدت على مشاركة مختلف القوى والتكتلات في السلطة أفرزت حكومات توافقية ضعيفة نظرا لارتهانها لمصالح حزبية وتحالفات هشة وهو ما كان سببا مباشرا لاندلاع”حراك أكتوبر 2019″.

وفي المقابل يرفض الإطار التنسيقي هذا الطرح ويطالب كجزء من المكون الشيعي بالمشاركة في تسمية رئيس الحكومة أو الاحتفاظ بحق النقض على اختياره كحد أدنى، والاستحواذ على ست وزارات، ويعارض أي تفاهمات تستثني أحد أطرافه خاصة نوري المالكي الذي يطالب الإطار بتسميته نائب الرئيس الجمهورية.

وبينما رفض مقتدى الصدر ذلك، عرض التفاهم مع جميع كتل الإطار، باستثناء نوري المالكي، على أن يحتفظوا بتسمية أربع وزراء فقط دون حق النقض على شخصية رئيس الوزراء، وهو ما رفضه التنسيقي.

وبخلاف المكون السني الموحد والذي استطاع بدعم الصدر وحلفائه من تسمية رئيس مجلس النواب يظل المكونان الكردي والشيعي في حالة انقسام حالت دون اختيار رئيس الجمهورية بانهيار تفاهمات الأكراد في اللحظات الأخيرة لفتح باب الترشح للمنصب بدخول الرئيس برهم صالح عن الاتحاد الوطني وهوشيار زيباري عن الحزب الديمقراطي والمدعوم من الصدر، بجانب تحريك دعاوى قضائية ضد زيباري تتعلق بتهم فساد وإهدار مال عام خلال توليه مسئولية وزارة المالية 2008 أوقفت مؤقتا ترشيحه.

(*) حسابات الأغلبية البرلمانية: تمثل عرقلة مسار الاستحقاقات الدستورية عقبة إضافية أمام تحالف الأغلبية ما لم ينجح في تأمين الأغلبية المطلوبة لتمرير مرشحه لرئاسة الجمهورية، وهو ما تجلى في عدم اكتمال النصاب القانوني لجلسة مجلس النواب الثانية والمخصصة لانتخاب الرئيس والتي تتطلب ابتداءا حضور ثلثي عدد أعضاء البرلمان (220 نائبا)، وهو ما سعت قوى الإطار لتحقيقه لمنع الصدر من فرض أمر واقع جديد، وإلا أن الأخير وجه كتلته البرلمانية بعدم حضور الجلسة التي كانت مقررة يوم الاثنين 7 فبراير وتجميد مشاورات تشكيل الحكومة مع كل القوى السياسية.

(*) دور إيران في المشهد العراقي: من العوامل التي تدفع إيران إلى القيام بدور الوساطة بين الصدر والإطار حرصها على ألا تزداد خسائر الفصائل الموالية لها إزاء ما أحدثته الانتخابات من متغيرات ليست في صالحهم وأنه من الأفضل احترام هذه النتائج مقابل الوصول لتسوية ما مع الكتلة الصدرية، واتباع دبلوماسية التهدئة والتعاون بدلا من التحدي والاحتكام للعنف.

ومع فشل التفاهم بين الصدر وقوى الإطار التنسيقي دخل قائد “فيلق القدس” بالحرس الثوري الإيراني الجنرال إسماعيل قاآني بزيارات مكوكية لأطراف الأزمة في  العراق، حيث زار قآنى كلا من مقتدي الصدر، وحليفه مسعود بارزاني وقيادات الإطار التنسيقي وبعض القيادات الأخرى لمنع تفاقم الخلافات داخل “البيت الشيعي” وللتوصل إلى صيغة مقبولة تقضى بقبول حل وسط يضمن مشاركة الإطار في السلطة، في حين يسعى  الصدر لتقليص النفوذ الإيراني الذي يؤثر على مشروعه السياسي ويدعم أبرز خصومه في العراق.

وفي الختام، يمكن القول إن الأزمة السياسية في العراق عادت إلى نقطة البداية، وسط خيارات صعبة تنتظر زعيم التيار الصدري بين القبول بالدخول في تحالف مع الإطار التنسيقي والقبول بحكومة توافقية، أو استمرار تعويله على سياسة التحالفات لاستكمال الاستحقاقات الدستورية والتحكم في تشكيل الحكومة.كما سيحاول الإطار التنسيقي بالتأكيد استثمار الوضع الصعب الذي وجد فيه التيار الصدري، وسيمارس المزيد من الضغوط لجهة إشراك جميع مكوناته في السلطة المقبلة بما في ذلك زعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ على الهامشــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (*) أبرز الكتل الشيعية:

  • كتلة سائرون (التيار الصدري) بزعامة مقتدي الصدر
  • تحالف الفتح بزعامة هادي العامري
  • تحالف قوي الدولة الوطنية(ويضم تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم وتحالف النصر بزعامة حيدر العبادي)
  • ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي.
  • نتيجة لخسارتها أمام التيار الصدري وانحسار عدد مقاعدها في مجلس النواب تكتلت باقي مجموعات المكون الشيعي تحت مظلة الإطار التنسيقي الذي يضم كلا من ائتلاف دولة القانون، وتحالف قوى الدولة، وتحالف الفتح (يضم الميليشيات الموالية لإيران داخل الحشد الشعبي)، وحركة عطاء، وحزب الفضيلة.

(*) أبرز الكتل السنية:

  • تحالف تقدم بزعامة محمد الحلبوسي
  • كتلة عزم بزعامة خميس الخنجر
  • تكون تحالف سني جديد في البرلمان تحت مسمي ” تحالف السيادة” وقوامه 51 عضوا ويتكون من تحالفي “تقدم” (37 نائبا)، بزعامة رئيس البرلمان محمد الحلبوسي، و”عزم” (14 نائبا)، بقيادة رجل الأعمال خميس الخنجر.

  (*) أبرز الأحزاب الكردية في:

  • الحزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البارزاني
  • الاتحاد الوطني الكردستاني (تحالف كردستان) بقيادة بافل جلال طالباني

(*) آلية تشكيل الحكومة العراقية في الدستور:

  • تُعقد الجلسة الأولى لمجلس النواب بدعوة من رئيس الجمهورية المنتهية ولايته خلال 15 يوما من تاريخ المصادقة على النتائج، وينتخب رئيسا للمجلس ونائبين بالأغلبية المطلقة، وجرى العرف أن يكون رئيس المجلس من العرب السنة وله نائب عربي شيعي وآخر كردي.
  • ينتخب المجلس رئيسا للجمهورية خلال 30 يوما من انعقاد الجلسة الأولى بأغلبية ثلثي الأصوات، وجرى العرف أن يكون الرئيس كرديا
  • يكلف الرئيس الجديد مرشح الكتلة النيابية الأكبر عددا بتشكيل الحكومة خلال 15 يوما وعرضها على البرلمان للموافقة عليها.
  • يكون أمام رئيس الوزراء المكلف 30 يوماً لتشكيل الحكومة وعرضها على البرلمان للموافقة عليها.
  • يتعين على البرلمان الموافقة على برنامج الحكومة وعلى كل وزير على حدة في تصويت منفصل بالأغلبية المطلقة.
  • وإذا فشل رئيس الوزراء المكلف في تشكيل حكومة ائتلافية خلال 30 يوماً أو إذا رفض البرلمان الحكومة التي اقترحها رئيس الوزراء المكلف، يتعين على الرئيس تكليف مرشح آخر بتشكيل الحكومة خلال 15 يوماً.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى