محاولات لـ “كربنة” النموذج التونسي: هل يتمكن إخوان ليبيا من التموقع السياسي بعد تحولهم إلى جمعية؟

حرص الغنوشي رئيس حركة النهضة في تونس على قيامه بلقاءات متعددة جمعته ورئيس حزب العدالة والبناء الذراع السياسي لتنظيم الإخوان في ليبيا، محمد صوان، وقبله خالد المشري القيادي البارز بالتنظيم، والذي شغل منصب ما يعرف برئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا.

فمنذ عام 2011 ويحاول الغنوشي تعميم نموذج حركة النهضة في تونس وطريقة مشاركتها في السلطة في كل دول المغرب العربي، وإن كان الغنوشي فشل في تحقيق هذا في الجزائر، لكن ربما لقي قبول من قبل قيادات تنظيم الإخوان في ليبيا، وأهمهم كما سبق القول خالد المشري، حيث التقيا أكثر من مرة مجتمعين داخل الأراضي التركية.

ربما يكون توقيت تحويل تنظيم الإخوان في ليبيا إلى جمعية تعرف بـ ( الإحياء والتجديد) يؤكد أن تنظيم الإخوان يسعى إلى “كربنة” النموذج التونسي (غنوشة ليبيا) وبالتالي، قد تظل جماعة الإخوان في ليبيا في حال مشاركتهم في العملية الانتخابية بشقيها الرئاسية والبرلمانية حجر صلب في دوام الاستقرار، وتظل مهدد دائم لاستقرار النظام السياسي الجديد في تلك الدولة في حالة تشكله، خاصة وأن فكرة التمكين التي اتبعتها حركة النهضة في تونس، والتي حققت أغلبية وازنة لها في مجلس النواب، جعلتها متحكمة في تشكيل الحكومة وإدارة مجلس نواب الشعب، وهو ما أدى إلى أزمة مستمرة لم يتخلص منها رئيس مدنى منذ ثورة الياسمين سواء الرئيس الراحل الباجى السبسي أو الرئيس الحالي قيس سعيد، الذي مازال في صدام مع تلك الحركة بسبب محاولات قياداتها المستمرة لإرباك المشهد السياسي فى الداخل التونسي.

 تشير تحركات إخوان ليبيا في الداخل والخارج منذ مايو 2016، وهو تاريخ انعقاد المؤتمر العاشر لحركة النهضة التونسية، إلى محاولة الجماعة إعادة تموضعها السياسي في الداخل الليبي من خلال ذراعها السياسي في ذلك الوقت، حزب العدالة والبناء، أي قبل الإعلان عن جمعيتهم “الإحياء والتجديد”. حيث يدل النشاط السياسي للجماعة، المتمثل أهمه في تمكن خالد المشري، عضو المكتب التنفيذي لحزب الجماعة من رئاسة المجلس الأعلى للدولة بنسبة بلغت 58.7% من إجمالي عدد الأصوات، في انتخابات جرت في مايو 2018- على أن الجماعة تسعى منذ هذا التاريخ إلى تحقيق واقع جديد في المعادلة السياسية، التي من المحتمل أن يتم الانتهاء من مساراتها الرئيسية قبل 24 ديسمبر المقبل.

لقد سبق الإعلان الصريح لجماعة إخوان ليبيا عن سعيهم لتحقيق مكاسب سياسية، وهو ما أكده بيان التحول إلى جمعية في بداية مايو الجاري، حيث تضمن البيان أن ” تغيير الاسم من العدالة والبناء إلى الإحياء والتجديد جاء من أجل التحضير للانتخابات الرئاسية المقبلة ومن منطلق متطلبات الواقع الجديد”- قيام قيادات حزب الجماعة ” العدالة والبناء” الذي تغير إلى جمعية كما سبق القول، بجولات مكوكية في دول الشمال المغربي، وبعض الدول الإقليمية والدولية للإقناع هذه الأطراف بأنها- جماعة إخوان ليبيا- أصبحت جزءاً من الحل وتساهم بدورها في ضبط الحالة العامة في الداخل الليبي. كما كشفت لقاءات قيادات الحزب بـ “الغنوشي” زعيم حركة النهضة التونسية، والتي تمت خلال أعوام 2016 و2017 و2018 وربما بعدهم، عن أن جماعة الإخوان في ليبيا تسعى إلى تطبيق النموذج التونسي، وتسير على درب حركة النهضة، وذلك تنفيذا لتوصيات الغنوشي، التي يعد أهمها، العمل على الفصل بين الدعوى والسياسي، لإقناع الداخل الليبي والأطراف الخارجية بتحولات إصلاحية في الجماعة تنتهي بالفصل بين الحركة والحزب، وعدم الالتزام بأيديولوجية الجماعة في المسار السياسي.

الوضع الميداني للجماعة في ليبيا:

انطلاقاً من مفهوم التموضع السياسي، الذي يعنى تكيف الممارسة السياسية، التي تأخذ أشكالا متعارضة لسياسات سابقة، مقترنة في الغالب بالانتهازية السياسية، بهدف تحقيق أهداف خاصة- يمكن القول أن كشف أبعاد محاولات جماعة الإخوان في ليبيا لإعادة تموضعها السياسي، ولعب دوراً في المشهد، يتطلب إلقاء الضوء على مكانة الحركة في الداخل الليبي بعد ثورة 11 فبراير 2014، ووضعها الراهن الذي انتهى إلى تحول ذراعها السياسي إلى جمعية، وهذا يمكن تناوله على النحو التالي:

(&) الوضع السياسي قبل وبعد ثورة 11 فبراير:

كانت جماعة الإخوان في ليبيا جزء من مشروع ليبيا الغد، الذي تبناه سيف الإسلام القذافي قبل ثورة 11 فبراير 2012، والذي انتهى بإطلاق سراح السجناء الإسلاميين من السجون الليبية. والجدير بالذكر أن مشروع سيف الإسلام، شارك فيه الطلقاء والهاربون من تنظيم جماعة الإخوان، ومن الجماعة الليبية المقاتلة، وكان على رأسهم المراقب العام السابق للجماعة عبد الله عز الدين، والذي كان محكوم عليه بالإعدام. وقد دعمت جماعة الإخوان هذا المشروع في ذلك الوقت، وأعلنت استعداها للمشاركة في سبيل خروجهم من المعتقلات، وعودتهم إلى وظائفهم وتعويضهم.

وبعد الثورة 11 فبراير، حدث تحول في موقف الجماعة كغيرها من التيارات الدينية في المنطقة العربية، ومارست مبدأ التقية الذي أرساه مؤسس الجماعة الأم حسن البنا، وتراجعت عن مراجعاتها، وعادت لحمل السلاح للاستفادة من واقع ما بعد نوفمبر 2014. فعلى المستوى السياسي شاركت الجماعة في أول انتخابات تشريعية أجريت بعد الثورة، وحصلت على 17 مقعد في المؤتمر الوطني الليبي، الذي كان يمثل السلطة التشريعية المؤقتة والمنتخبة للدولة الليبية في المرحلة الانتقالية، بالإضافة إلى دفعهم بمشروع العزل السياسي في الحكومة الانتقالية، وتصويتهم عليه، الذي كانت أهم ملامحه عزل كل من عمل مع نظام القذافي خلال الخمسة سنوات التي سبقت الثورة. كما دفت الجماعة بعد 2011 بـمرشحها على زيدان لرئاسة الحكومة، ومثلت في الحكومات الانتقالية التي تلت الثورة بثلاثة حقائب وزارية، هم نائب رئيس الوزراء، ووزير الكهرباء، وزير الشئون الاجتماعية.

(&) الوضع الراهن للجماعة:

يشير تحول تنظيم الإخوان في ليبيا لجمعية إلى وجود رغبة جارفة لديه للتموقع في المعادلة السياسية المنتظرة نهاية العام الجاري، وذلك لتفادى العزلة السياسية التي تعيشها الجماعة خلال مراحل الإعداد للعملية السياسية المنتظرة. حيث يوصف الوضع السياسي الراهن للجماعة التي يقترب عددها من 367 فرد بين عضو وكادر- بالواقع السياسي المأزوم الذي ينتفض للتخلص من كبوته، خاصة بعد تراجع النشاط الاجتماعي، الذي كان ملحوظ في منطقة غرب ليبيا تحديداً، سواء عبر حملات خيرية، أو قوافل طبية، بالإضافة إلى دورات تدريبية للشباب.

ويُحدد النشاط السياسي للجماعة على المستوى الخارجي في تحركات ذراعها السياسي “حزب العدالة والبناء” قبل حله أو تغييره. وعلى المستوى الداخلي تُمثل الجماعة بعدد 23 عضو في ما يعرف بمجلس الدولة الأعلى من إجمالي 115 عضوا، وتتموقع على رأس المجلس بعد فوز خالد المشري، عضو المكتب التنفيذي لحزب الجماعة برئاسة المجلس في الانتخابات التي أجريت في أبريل 2018، حيث حصل المشري على 64 صوتاً فيما حصل منافسه عبد الرحمن السويحلى الرئيس السابق للمجلس على 45 صوتاً. هذا بالإضافة إلى تمثيل الجماعة بخمسة نواب في مجلس النواب الليبي، ظلوا يقاطعون جلساته منذ منتصف 2017 تقريباً. هذا إلى جانب تولى عبد السلام كاجمان، أحد مؤسسين حزب العدالة والبناء، والذي أعلن استقالته من الحزب في فبراير 2018، نائب لرئيس المجلس الرئاسي الليبي السابق.

أما على مستوى علاقة جماعة الإخوان الليبية ببعض القوى الدينية الأخرى، ففي المعلن يلاحظ قطع الجماعة لتحالفاتها مع كافة الأحزاب الدينية، سواء حزب الوطن، الذي لم يفز بأي مقاعد في انتخابات 2012 التشريعية، أو حزب الأمة الوسط الكيان الثاني، الأكثر تشدداً، والذي انضم له أغلب أعضاء تلك الجماعة تحت قيادة سامي السعدى، وهو ممثل بمقعد واحد في انتخابات 2012، أو حزب الأصالة السلفي، أو الأحزاب التي أسسها منشقون عن الإخوان مثل الحزب الإسلامي وحزب الإصلاح والتنمية. لكن واقعياً يبقى التناغم بين جماعة الإخوان وتلك الأحزاب الإسلامية، أمراً لا مفر منه، حيث أن الإسلاميين في ليبيا رغم انقسامهم إلى تيارات وأحزاب وجماعات تبدو عن بعد غير متجانسة، فإنهم على تناغم متفاوت مع الاقتراحات السياسية لحزب العدالة والبناء بما في ذلك الأحزاب الصغيرة التي لم تمثل تشريعياً من قبل.

مما سبق، يمكن القول إن هذا الواقع القديم والجديد لجماعة الإخوان في ليبيا يدفعهم للرغبة في التموقع في المعادلة السياسية الجدية حتى لو مقابل تنازلات تقدم للأطراف الرئيسية في الداخل الليبي، والتي قد يكون أهما الترويج بقطع علاقاتها مع القوى الإسلامية الأخرى في الداخل الليبي، والترويج أيضاً باستقلالها عن التنظيم الدولي للإخوان، وعن بقايا الجماعة الأم في مصر.

استراتيجية جديدة للتحرك والتموقع:

منذ عام 2018، وهو تاريخ دعوة غسان سلامة المبعوث الأممى السابق لإجراء انتخابات تشريعية حتى إعلان مبعوثة الأمم المتحدة بالوكالة إلى ليبيا ستيفاني وليامز في نوفمبر 2020، عن التوصل إلى اتفاق على تنظيم “انتخابات وطنية” في 24 ديسمبر 2021- تحرص جماعة الإخوان الليبية إعادة هندسة نفسها، وإقناع الأطراف في الداخل الليبي وفي الخارج بإجرائها تغيرات تنظيمية وفكرية تسمح لها بالتكيف مع الواقع الجديد والمشاركة في العملية السياسية، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:

(*) هندسة الوضع الداخلي للجماعة:

يقوم الجانب الرئيسي في استراتيجية المشاركة السياسية لجماعة إخوان ليبيا على هندسة الشكل الداخلي للجماعة، لإرسال صورة للداخل والخارج بأنها انفصلت عن جماعات العنف في ليبيا، واتخذت خط مغاير لجماعة الإخوان في مصر. ففي العلن أعلنت الجماعة تحولها إلى جمعية ( الإحياء والتجديد) من أجل المشاركة لا المغالبة. أما فيما هو غير معلن، فيبدو أن الجماعة في ليبيا تسعى الجماعة لنقل نموذج النهضة التونسية، مع أجراء بعض التعديلات، منها فبدلاً من فصل الحزب ( العدالة والبناء) عن الحركة الدينية، وإعادة ترسيم نفسها بالتغير الذي يستخدمه الغنوشي في تونس، أي تصدير ما يعرف بـ ” بحركات الإسلام الديمقراطي”- قامت بتحويل الحزب إلى جمعية، ويرجع قيام الجماعة بهذه الخطوة إلى الخوف من عزلتها في المشهد الذي هو قيد التشكل، وإحساسها بالقلق حيال قضية التعايش بين الأوجه الدينية والاجتماعية.

المؤكد أن فكرة رسم خط فاصل بين الجماعة والحزب، التي تم تبديلها مؤخرا وتصدير فكرة خلع أيديولوجية الجماعة من الممارسة السياسية، تم هندستها في تونس بالتنسيق مع راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة التونسية. فقد أكدت تصريحات لرئيس حزب العدالة والتنمية، محمد صوان في نوفمبر 2017، أن أهم ما تضمنه لقاء جمعه مع نزار كعوان، رئيس الدائرة السياسية للعدالة والبناء وراشد الغنوشي في منزل الأخير، هو آليات الاستفادة من التجربة التونسية في إحلال الوفاق الليبي، مشيراً إلى أن التواصل مستمر بين حزب العدالة والتنمية وحزب النهضة في تونس. وتتضمن رسالة الغنوشي لمحمد صوان التي تناولتها بعض الصحف الليبية بعد اللقاء المشار إليه سابقاً، أن يقوم تنظيم الإخوان في ليبيا بتقديم تنازلات والتنصل من الجماعات المصنفة إرهابية، وحل الأذرع العسكرية التابعة للجماعة، والانخراط في الترتيبات الجديدة، ونصح الغنوشي قيادات الحزب بالأخذ بنموذج تنظيم الإخوان في تونس لتفادى مخاطر المرحلة القادمة التي تديرها أطراف على غير علاقة سوية مع الجماعة الأم.

(*) تحركات خارجية ومحاولات لإرضاء القوى الرئيسة في الداخل:

لم تقتصر استراتيجية جماعة الإخوان في ليبيا على الإعلان عن محاولات الإصلاح الداخلي، بل تواكب مع هذا تحركات خارجية ومحاولات إقناع الأطراف الداخلية بها، لدرجة أن هناك تصريحات سابقة لقادتها تجاه قائد الجيش الليبي خليفة حفتر، أخذت اتجاه معاكس تماماً لما تخفيه الجماعة. ونتطرف أولاً إلى التحركات الخارجية للجماعة، ثم نتناول محاولاتها لإرضاء الأطراف الداخلية المؤثرة في المشهد الليبي، على النحو التالي:

($) التحركات الخارجية للجماعة، متمثلة في جولات قياداتها:

الجولات الخارجية التي قام بها قيادات حزب العدالة والبناء قبل الإعلان عن تحوله لجمعية لم تتم بمعزل عن الجماعة، حيث تمت في ذلك الوقت بهدف التسويق المبكر لإعادة هندسة الوضع الداخلي في الجماعة، ومحاولة الاستفادة من فوز خالد المشري برئاسة المجلس الأعلى للدولة الليبية. وتحدد أهم التحركات التي قامت بها جماعة الإخوان الليبية في الخارج، بالإضافة إلى الزيارات الدائمة لحركة النهضة بتونس، في مستويين، أحدهما إقليمي، والأخر دولى. فعلى المستوى الإقليمي، كانت أهم جولات الجماعة في الجزائر، حيث التقيا رئيس حزب العدالة والبناء ورئيس الدائرة السياسية بالحزب في منتصف فبراير 2017، وزير الشئون المغاربية والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية (عبد القادر مساهل)، وانتهي اللقاء بتبادل وجهات النظر حول أفضل السبل لدعم المسار التوافقي في ليبيا. ويرجع استهداف الحزب للجزائر بعد زيارته لتونس، والتي سبقتها بعشرة أيام تقرياً، إلى محاولة الجماعة وضع نفسها على خريطة الأطراف الليبية التي استقبلتها الجزائر من قبل، حيث عقدت الجزائر قبل تولى عبد المجيد تبون رئاسة البلاد سلسلة من اللقاءات مع عدد من الأطراف الليبية، كان أهمهم أسامة جويلي وزير الدفاع السابق، بالإضافة إلى خليفة حفتر وعدد من نواب مجلسي النواب والدولة.

وإلى جانب تحركات الإخوان في الدول الوسيطة في الأزمة مثل الجزائر، نجد هناك جسور ممتدة مع تركيا. فترى تركيا أن تدخلها لمساعدة إخوان ليبيا ضرورة لا بد منها، حيث أكد المبعوث التركي إلى ليبيا في تصريحات سابقة، إن “الإسلاميين في ليبيا ليسوا إرهابيين.. إنهم حقيقة سياسية. نكرانهم يعني أنه ليس من الممكن إقناعهم بالتفاوض”. هذا بالإضافة إلى سعى على الصلابي من داخل تركيا إلى تجميع المحاور الثلاثة المختلفة داخل جماعة الإخوان (الإخوان المعارضون لاتفاق الصخيرات، والإخوان الموافقون عليه، والجماعة الليبية المقاتلة)، ثم تصعيد وجوه جديدة منهم في الانتخابات المقبلة.

وعلى مستوى التحركات الدولية والأممية، قامت جماعة الإخوان الليبية قبل الإعلان عن موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقرر في نهاية عام 2021، بعدة جولات، يعد أهمها: لقاء قيادات حزب العدالة والبناء، نزار كعوان رئيس الدائرة السياسية للحزب، وعبد السلام الصفراني رئيس كتلة الحزب، ومنصور الحصادى مع بعثة الاتحاد الأوربي في ديسمبر 2017، وحاول القياديان التأكيد على أن الجماعة تدعم المسار الديمقراطي، وأنها جزء رئيسي في العملية السياسية، وأنها ترغب في تقديم كل التنازلات من أجل الوصول إلى اتفاق يراعي مبدئي التوازن والشراكة. ويأتي من أهم تحركات الجماعة الخارجية، لقاء جمع بين قيادات بتنظيم الإخوان في ليبيا وعدد من مسئولي المجلس الليبي الأمريكي للشئون العامة (لاباك)، في يوليو 2017، حيث سعت الجماعة من خلاله إلى التأكيد على ما وصفوه- بالدور التخريبي للمشير خليفة حفتر، بالإضافة إقناع المجلس بقبولهم كجزء من العملية السياسية.

($) محاولات إقناع الأطراف الداخلية:

تأخذ جماعة الإخوان في ليبيا مواقف متعارضة مع مواقفها الثابتة من الأطراف الليبية الرئيسية أو مواقف تتعارض كلياً مع إيديولوجية جماعة الإخوان الأم، في سبيل إقناع الداخل بتحولاتها التي لم تكتمل. فقد تُضحى الجماعة ببعض الشخصيات والتنظيمات الأكثر تشدداً منها، والذين يدعمونها، للاستفادة من ترتيبات المشهد السياسي الجديد، وتحولها إلى جمعية، وقبله فوز خالد المشري برئاسة المجلس الأعلى للدولة الليبية. وكان أهم محاولات الجماعة لإقناع الأطراف الداخلية بها، هي إعلان الجماعة تبرؤها من مجلس شورى بنغازي بعد تقارير أمريكية ودولية صنفته كأحد فروع داعش، حيث رفض أحمد عبد الله السواقي، المسئول العام للجماعة في ليبيا، الزج باسم الجماعة ضمن مجلس الشورى وداعش والقاعدة.

وكان أيضا من أهم محاولات إخوان ليبيا لإقناع الأطراف الداخلية بهم، التي سبقت الترتيبات الأخيرة للعملية السياسية بقيادة المبعوثة الأممية الإنابة ستيفاني وليامز، والتي اعتبرها- محاولات الإخوان- بعض المراقبين بأنها تشكل مفاجأة من قبل الجماعة في ذلك الوقت، هي إشادة رئيس حزب العدالة والبناء بدور قوات حفتر وعائلاتهم في محاربة الإرهاب، حيث قال صوان في تصريحات لموقع عرب 21، في منتصف أبريل 2018 بأن ” المقاتلين تحت قيادة خليفة حفتر وعائلاتهم الذين كانوا يحاولون محاربة الإرهاب في بنغازي ومناطق أخرى في شرق ليبيا سيتم الترحيب بهم لتضحياتهم، وأضاف، نعتقد أنهم من الشهداء”. هذا التصريح في هذا التوقيت، يعد بمثابة سعى الحزب للتقرب وخلق صداقة مع قائد الجيش الليبي، الذي يرفض وجودهم من الأصل في المعادلة الليبية.

عوامل محددة لتموقع الجماعة:

مهما حاولت جماعة إخوان ليبيا وتغيير فكرها وإطارها الهيكلي أو ذراعها السياسي، وتحولها من حزب إلى جمعية، يظل موقف القوى الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى الأطراف الداخلية الجديدة والرئيسية في معادلة ما بعد نوفمبر 2020، هى المحدد لمدى قدرة جماعة الإخوان في ليبيا على تحقيق استراتيجية التموقع السياسي، وتفاديها العزلة السياسية. وتعدد العوامل المحددة لمدى تمكن الجماعة من تحقيق هدفها، ويمكن تحديد أهمها على النحو التالي:

(&) الأطراف الخارجية: بعض الأطراف الخارجية ترى ضرورة وجود دور محدود لجماعة الإخوان في المشهد السياسي الليبي، على اعتبار أن أيديولوجية الإخوان غير متجذرة عند الجماعة في ليبيا مثل إخوان مصر وتونس. وهناك دوائر دولية لا تدعم هذه الرؤية، خاصة في ظل تصور قانون الانتخابات التشريعية المقترح. من السابق، يمكن القول أن اتفاق القوى الفاعلة الخارجية ( الولايات المتحدة، وإيطاليا، والجزائر، وتركيا، وقطر، وكذلك روسيا ومصر والإمارات، وفرنسا)، أو عدم اتفاقها سيكون من أهم العوامل المحددة لفرص الجماعة.

(&) الأطراف والقوى الداخلية: إذا كانت بعض الأطراف الدولية، كانت تؤيد مشاركة حزب العدالة والبناء قبل تعيير أسمه، في العملية السياسية المقبلة في ليبيا، بالنظر إلى أرشيف الحزب، باعتباره ساهم بقوة في المفاوضات التي سبقت توقيع اتفاق الصخيرات في أغسطس 2015، فإن موقف الأطراف الرئيسية في ليبيا يظل حائط صد أمام طموح الجماعة، خاصة في القيادات الليبية الجديدة، وثبات موقف خليفة حفتر، وحلفاءه السلفية المدخلية. فقد أكد حفتر في حوار أجرته معه مجلة ” جون أفريك” الفرنسية في فبراير 2018، على ” ضرورة قطع الطريق على تنظيم الإخوان، وقال، يجب ألا تضطلع جماعة الإخوان، المسئولة عن وصول الإرهابيين في ليبيا، بأي مسئولية في العملية الانتخابية”.

(&) مرونة الجماعة نفسها، وقدرتها على تفادى تحدياتها الداخلية: من الواضح أن جماعة الإخوان في ليبيا تحاول بكافة السبل تعزيز ثقة الأطراف الدولية والمحلية، وهذا كان واضحاً في مضمون بيانها الأخير في 2 مايو الجاري، حيث قال بيان الجماعة أن ” تحول التنظيم إلى جمعية جاء مراعاة مع متغيرات الواقع، وهو أمر تقتضيه الحكمة ويفرضه منطق العقل، وأن الجماعة تتعامل مع كل مرحلة بما تستحقها من مطالب الاجتهاد وواجبات التغيير”.، وهذا يعنى أن الجماعة، وفقاً لهذا البيان تسعى إلى تحسين صورتها في الشارع الليبي. لكن رغم محاولة إظهار الجماعة نفسها بالمرونة في مواقفها، كما بدى ذلك في البيان المذكور جزء منه، فإن هناك مجموعة من الشروط، الخلل في تنفيذها يحد من فرص الجماعة السياسية، وهي: مدى قدرة الجماعة على تسويق فكرة فصل الدين عن السياسة، وحجم التنازلات التي ستقدمها لطمأنه أطراف الداخل والخارج.

في النهاية يمكن القول، أن عودة جماعة الإخوان للمشهد السياسي في ليبيا، تواجهه تحديات كثيرة، منها ما هو داخلى، ومنها ما يرتبط بمواقف أطراف إقليمية ودولية مؤثرة في معادلة المشهد الليبي. بالتالي تظل استراتيجية تموقع الجماعة في العملية السياسية المقبلة بالدولة الليبية، مرهونة بحدود حلحل موقف الأطراف الرئيسة في الداخل الليبي من الجماعة وخطورتها.

 

 

 

 

د.أبو الفضل الاسناوي

المستشار الأكاديمي والمشرف العام -حاصل على دكتوراه في النظم السياسية من جامعة القاهرة في موضوع الأداء البرلماني في دول الشمال الأفريقي. -حاصل على ماجستير في النظم السياسية عن موضوع النظام السياسي والحركات الإسلامية في الجزائر. -مدير تحرير مجلة السياسة الدولية بالأهرام. -كاتب في العديد من المجلات العلمية وخبير مشارك في العديد من مراكز الدرسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى