لواء دكتور أحمد زغلول يكتب.. خريطة مصر ليست وجهة نظر

خط عرض 22 شمالا •• أساس الحدود السياسية بين مصر والسودان

ليست كل الأخطاء سواء، فقد يكون الخطأ في رقم يمكن تصحيحه، أو في معلومة يمكن مراجعتها، أو في صورة يمكن استبدالها، لكن عندما يتعلق الخطأ بخريطة وطن وحدوده، فإن الأمر يصبح أكبر من مجرد خط مرسوم على شاشة. والخريطة في الوعي العام ليست مجرد صورة، هي التي يتعرف من خلالها الطالب على وطنه، ويستخدمها الباحث في دراسته، ويستعين بها الإعلامي في تقريره، ويعود إليها المستثمر والمسافر والباحث الأجنبي لمعرفة مواقع المدن والحدود. ومن هنا، فإن ظهور خريطة رقمية لمصر تعرض حدودها الجنوبية بصورة توحي بأن مثلث الشلاتين – أبو رماد – حلايب يقع خارج الحدود المصرية، بينما تظهر منطقة بئر طويل في الجانب المصري، أمر لا ينبغي التعامل معه باعتباره مجرد خطأ عابر. فالمشكلة هنا ليست في شكل الخريطة فقط، وإنما في المعلومة التي تترسخ في ذهن من يراها.

عندما تتحول الخريطة إلى مصدر للمعلومة:

العالم تغير، لم يعد المواطن يبحث عن الخريطة في أطلس ورقي أو كتاب جغرافيا، وإنما يفتح هاتفه ويكتب اسم المكان، فتظهر أمامه الخريطة خلال ثوان. ولهذا أصبحت منصات الخرائط الرقمية واحدة من أهم مصادر المعرفة الجغرافية في العالم. لكن هناك قاعدة يجب ألا تغيب عن أحد: ظهور معلومة على خريطة إلكترونية لا يجعلها بذاتها وثيقة قانونية أو مرجعا لترسيم الحدود الدولية، فالحدود الدولية تستند إلى الاتفاقيات والوثائق والخرائط الرسمية والممارسات القانونية والتاريخية ذات الصلة، وليس إلى الطريقة التي تختار بها منصة رقمية أن تعرض صورة على شاشتها. وهنا تحديدا يجب أن تكون لدينا وقفة جادة.

خط عرض 22 شمالا •• أين تبدأ المسألة وأين تنتهي؟

عند البحث في أساس الحدود المصرية – السودانية نجد أن اتفاقية 1899 وضعت أساسا للحدود بين مصر والسودان عند خط عرض 22، شماله مصر وجنوبه السودان. وهذه ليست معلومة هامشية يمكن تجاوزها عند رسم خريطة مصر، بل هي أساس تاريخي وقانوني مهم في الموقف المصري من الحدود الجنوبية. وقد أشار سجل وثائقي للأمم المتحدة إلى أن حدود مصر والسودان أنشئت بموجب اتفاق عام 1899 عند خط عرض 22 شمالا.

وهنا تأتي نقطة جوهرية كثيرا ما تختلط على غير المتخصصين: هناك فرق بين الحد السياسي بين الدولتين وبين الترتيبات الإدارية داخل حدود الدولة.

ماذا حدث في عام 1902؟

في عام 1902 جرى وضع ترتيبات إدارية ارتبطت بظروف السكان والقبائل ومصادر المياه وحركة الرعي والإدارة في المنطقة، وقد أدى ذلك إلى ظهور خط إداري يخص محافظة البحر الأحمر المصرية، يختلف في بعض أجزائه عن الخط المستقيم لخط عرض 22، لكن التعامل مع هذا الخط الإداري باعتباره إلغاء للحد السياسي الأصلي أو استبدالا نهائيا خطأ، وهذا يحتاج إلى تدقيق شديد. وهنا تحديدا وقع قدر كبير من الخلط الخاطئ.

فالمسألة ليست أن هناك خريطتين نختار بينهما حسب الرغبة، بل هناك أساس للحد السياسي التاريخي الموثق والرسمي، وترتيبات إدارية لمنطقة الشلاتين – أبو رماد – حلايب التابعة إداريا لمحافظة البحر الأحمر – جمهورية مصر العربية، وهذا الفرق يجب أن يكون واضحا عند إعداد أي خريطة لمصر.

حلايب وشلاتين وأبو رماد •• ليست هامشا على الخريطة:

منطقة الشلاتين – أبو رماد – حلايب مساحة جغرافية داخل حدود الدولة المصرية، حيث إنها جزء من الواقع المصري من حيث الإدارة والحياة اليومية والتنمية والخدمات والمشروعات التي تنفذها الدولة. ولذلك فإن وضعها في خريطة رقمية بطريقة توحي بأنها جزء من دولة أخرى، من دون شرح للحقيقة التاريخية والواقعية، يقدم للقارئ صورة ناقصة عن الواقع. وهنا يجب أن نكون واضحين بأن الموقف المصري لا ينبغي أن يختزل في شكل خريطة على تطبيق أو موقع مثل جوجل أو غيرها من التطبيقات والمواقع، وإنما يعرض من خلال الوثائق المصرية الرسمية والأساس التاريخي والقانوني الذي تستند إليه الدولة المصرية.

بئر طويل؟ هنا تظهر خطورة الرسم غير المشروح:

قد يتساءل البعض: إذا كان خط عرض 22 هو الأساس، فلماذا تظهر منطقة بئر طويل في بعض الخرائط بطريقة مختلفة – داخل الحدود المصرية؟

الإجابة تحتاج إلى العودة إلى الخريطة التاريخية. فهذا يقود القارئ إلى استنتاجات خاطئة، ولهذا فإن الخريطة التي تعرض الوضع الحدودي بهذا الشكل قد تكون مضللة، حتى لو كان واضعها قد اعتمد مصدرا جغرافيا معينا. المشكلة إذن ليست فقط في الخط الذي ترسمه الخريطة، وإنما في ما يفهمه القارئ من هذا الخط.

الخطر الحقيقي •• أن يتحول الخطأ البصري إلى حقيقة ذهنية:

الحدود تبدأ في الوثائق، لكنها تستقر في الوعي. وعندما يرى ملايين الأشخاص خريطة واحدة بالطريقة نفسها عاما بعد عام، قد يتحول الرسم بالنسبة لهم إلى حقيقة بديهية، وهنا تكمن الخطورة. فالجيل الجديد قد لا يعرف تفاصيل اتفاقية 1899، ولا الفارق بين الحد السياسي والحد الإداري للدولة، لكنه يعرف ما يراه أمامه على الشاشة أو الموقع. ومن هنا، فإن ترك خرائط غير دقيقة أو غير مشروحة لتكون المصدر الأول لمعرفة حدود مصر هو أمر يستحق المراجعة.

لسنا في مواجهة مع التكنولوجيا •• وإنما نطالب بالدقة:

ليس المطلوب الدخول في صدام مع شركات التكنولوجيا أو تحويل المسألة إلى قضية سياسية مع أي منصة. المطلوب هو شيء أبسط وأكثر عقلانية: أن تعرض مصر حدودها في الخرائط الرقمية وفق المرجعية المصرية الرسمية، وأن تعالج المناطق ذات الخلفية التاريخية أو القانونية الخاصة بالشرح والتوثيق، لا بالإخفاء أو التبسيط. فإذا كانت هناك خريطة إلكترونية تعرض الشلاتين – أبو رماد – حلايب بطريقة مختلفة عن الخرائط والوثائق التي تستند إليها الدولة المصرية، فمن حق الجهات المصرية المختصة أن تطلب مراجعتها وتصحيحها أو إضافة التوضيح اللازم، وهذا عمل مؤسسي لا يحتاج إلى ضجيج.

المطلوب ليس خريطة جديدة •• وإنما مرجعية واحدة:

المشكلة الأكبر أن تعدد الخرائط المستخدمة في مصر يفتح الباب للاختلاف: خريطة في مؤسسة، وأخرى في موقع إلكتروني، وثالثة في مادة إعلامية، ورابعة في تطبيق رقمي، ثم نتساءل لماذا نختلف في رؤية حدود بلادنا دون إدراك بشكل عفوي. والحل واضح: خريطة مصر الرسمية مرجع رقمي وطني موحد، تكون صادرة عن الجهة المصرية المختصة، ومحدثة وموثقة ومتاحة بصيغ رقمية متعددة، ويمكن استخدامها في الوزارات والجامعات والمدارس ووسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية. ويجب أن تتضمن الخريطة مصدرها ومرجعيتها، حتى لا تصبح أي صورة مجهولة المصدر منافسا للخريطة الرسمية.

الدروس المستفادة:

1- الخرائط جزء من الأمن القومي: الأمن القومي في العصر الحديث لا يتعلق فقط بالحدود على الأرض، بل يشمل أيضا المعلومة التي يعرف بها المواطن حدود وطنه.

2- المعلومة الرقمية تحتاج إلى مرجعية وطنية: لا ينبغي أن تكون المنصات التكنولوجية هي المصدر الوحيد لمعرفة الحدود السياسية للدول.

3- الحدود السياسية للدول ليست هي الحدود الإدارية لمحافظات الدول: وهذا الدرس هو الأهم في قضية الحدود المصرية – السودانية.

4- ما يعرض على المواقع والتطبيقات يتحول إلى وعي: ولهذا فإن الخريطة الخاطئة أو غير المشروحة ليست مجرد خطأ بصري، قد تصبح مع الوقت خطأ في الوعي.

5- الدفاع عن الحقوق يكون بالوثيقة: كلما كان الخطاب الوطني قائما على الوثيقة والتاريخ والقانون، كان أقوى وأكثر احتراما أمام الداخل والخارج.

عاشرا: توصيات عملية لتصحيح الوضع:

1- اعتماد خريطة سياسية رسمية موحدة لجمهورية مصر العربية تكون هي المرجع المستخدم في مؤسسات الدولة والتعليم والإعلام.

2- إتاحة هذه الخريطة رقميا بصورة مجانية وسهلة الاستخدام حتى تكون متاحة للمواقع والمنصات والمؤسسات الدولية.

3- إنشاء آلية رسمية لرصد الخرائط الرقمية التي تتناول الحدود المصرية ومراجعة ما يظهر فيها من معلومات غير دقيقة أو غير موثقة.

4- مخاطبة منصات الخرائط العالمية بالوثائق الرسمية المصرية عند وجود أي عرض جغرافي يتعارض مع المرجعية المصرية.

5- عدم استخدام أي خريطة في وسائل الإعلام المصرية أو المؤسسات التعليمية إلا إذا كانت معروفة المصدر والمرجعية.

6- إعداد مادة توعوية تشرح للطلاب والباحثين الفرق بين الحدود السياسية والحدود الإدارية.

7- توثيق خرائط مصر الرسمية في قواعد البيانات والمواقع الحكومية المصرية بحيث تصبح هي المصدر الأسهل والأكثر انتشارا.

8- التعامل مع أي خريطة غير دقيقة باعتبارها قضية تصحيح معلومة، وليس للصدام أو المزايدة السياسية.

في النهاية؛ إن الحديث عن الحدود ليس حديثا عن خطوط صماء، وراء كل خط تاريخ ووثيقة وتضحيات وأجيال عاشت على الأرض وحافظت عليها. ومن حق مصر أن تعرض خريطتها وفق مرجعيتها التاريخية والقانونية والرسمية، وأن يعرف المواطن حقيقة حدود وطنه من مصدر موثوق، لا من صورة مجهولة المصدر على شاشة هاتف. وإذا كان خط عرض 22 هو الأساس الذي يستند إليه الموقف المصري في تحديد الحدود السياسية مع السودان، فلا ينبغي أن يأتي رسم رقمي غير موثق ليقدم للقارئ تصورا مختلفا وكأنه حقيقة نهائية.

وفي الوقت نفسه، فإن احترام الحق المصري لا يحتاج إلى المبالغة، وإنما يحتاج إلى الدقة والتوثيق والهدوء والثبات. فالحدود لا ترسم بالأمنيات، ولا تمحى من الوعي بتطبيق إلكتروني، والخريطة التي تمثل مصر يجب أن تعكس مصر كما تستند إليها وثائقها ومرجعياتها الرسمية، لا كما يختار أي مصدر رقمي أن يرسمها. إن تصحيح الخريطة ليس مجرد تصحيح لصورة على شاشة، إنه تصحيح للمعلومة وحماية للوعي وصون للحق التاريخي والوطني.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى