هل ” الحوثي” مؤثر في معادلة الحرب حال الغزو البري؟

في الـ 10 من أكتوبر الجاري- أي بعد عملية طوفان الأقصى بـ 3 أيام، قال عبد الملك الحوثي زعيم الحوثيين باليمن، في مكالمة تليفزيونية على قناة المسيرة الفضائية التابعة للحوثيين، إن “جماعته مستعدة للمشاركة في الحرب ضد إسرائيل، حال تدخلت الولايات المتحدة عسكريا بشكل مباشر في المواجهات الحالية مع الفلسطينيين”.

وعلى ما سبق، ووفقًا لتطورات الحرب على غزة، ومحاولة جماعة الحوثي، وفقًا لبعض وسائل الإعلام، بقيامها ببعض الهجمات ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي حتى وإن لم تصل إلي الهدف أو تحدث خسائر، إلا أنها شكلت مصدر تهديد، في ظل ندرة المعلومات حول هذه الجماعة المسلحة، حسب مزاعم صحف إسرائيلية- يبقى السؤال، وهو: هل ” الحوثي” مؤثر في معادلة الحرب حال الغزو البري؟، وهل ما سبق، يعنى، أن تهديدات التنظيم لإسرائيل، إلي جانب قدراته العسكرية، قد يعول عليها في ظل أبعاد جغرافية وعسكرية متداخلة ومعقدة، أم أنها مجرد تهديدات لحفظ ماء الوجه كمحور مقاومة وذراع إيراني مسلح ذو ثقل.

استراتيجية الحوثي تجاه إسرائيل:

القدرات العسكرية للحوثيين آخذة في الازدياد والتطوير، لاسيما في الآونة الأخيرة، ولعل الاستعراض العسكري الذي أجرته الجماعة في ساحات صنعاء هذا العام في ذكري الاستيلاء عليها، يعزز ذلك، حيث تحاول الجماعة مؤخرا تقديم نفسها بأنها طرف إقليمي مؤثر في مجريات الأحداث في منطقة الشرق الأوسط. لذا يبدي قادة التنظيم اهتمام بالقضايا الشائكة فيها، كالقضية الفلسطينية.

من منطلق شعار جماعة الحوثي، وهو “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”، يتضح لنا ماهية الاستراتيجية التي تتبناها الجماعة تجاه إسرائيل، ويبدو أن قادة التنظيم لديهم طموحات إقليمية هامة، لاسيما فيما يتعلق بملف القضية الفلسطينية، فعلي سبيل المثال، تحرك التنظيم منذ 3 أعوام، من أجل إطلاق سراح سجناء حماس من سجون عربية مقابل إطلاقهم سراح طيارين تابعين لتلك الدولة. قد يكون هذا مرتبطا بمحاولة الحوثيين إظهار الالتزام بالقضية الفلسطينية والنضال من أجلها، أو لاستعطاف الرأي العام اليمني وجمع أكبر حشد ممكن حولهم.

مصادر قوة الحوثي:

تتمثل مصادرة قوة “الحوثي” فيما يلي:

(*) القدرات العسكرية: يملك التنظيم صواريخ كروز بعيدة المدى وطائرات مسيرة هجومية وصواريخ باليستية، ما يعني قدرتها على تنفيذ هجمات بعيدة المدى. لذا إمكانية تحقيق تهديدات الحوثيين لإسرائيل واردة ولكنها ذات تأثير محدود، ويتطلب عند شنهم هجوما على إسرائيل استخدام صواريخ أو مسيرات قادرة على الوصول إلى مدى لا يقل عن 1600 كم، مع إحداث تأثير كبير. وتتنوع قدراتهم الصاروخية كالتالي:

(-) صواريخ كروز: احتمالية تنفيذ التهديد تأتي من امتلاك الحوثي صواريخ (كروز)، والتي يبلغ مداها حوالي ألفي كم، ويزن الرأس نصف طن، وهو قادر على ضرب مسافات تبلغ حوالي 1350 كم في رحلة جوية منخفضة، ما يجعل من الصعب تحديد موقعه واعتراضه.

(-) صواريخ قدس-2: وهو نوع جديد نسبيا يمتلكه التنظيم، ولم يتم الكشف عن أول استخدام له إلا منذ عامين، عندما هاجم منشآت أرامكو السعودية في 2021م.

(-) المسيرات: يمتلك التنظيم ترسانة كبيرة من الطائرات المسيرة جو-أرض، ومسيرات طويلة المدي من طراز (ساماد) ويبلغ مداها 1800 كم، أي أنها تكفي لمهاجمة إسرائيل، ولكن نظرا لأن رأس الوزن القتالي لها صغير نسبيا، حوالي (45 كجم فقط)، لذا فإن الأضرار المحتمل أن يسببها للبنية التحتية الإسرائيلية محدودة.

من الجدير بالذكر التطورات الحديثة لدي التنظيم، قد تؤدي إلي إمكانية حدوث قفزة في ترسانة الأسلحة لديه ويمكنها مهاجمة إسرائيل. وفي عام 2021، كشفت تقارير الصناعات العسكرية للجماعة عن النموذج المطور من المسيرات، وهي المسيرة (وعيد) ويبلغ مداها 2500 كم. لكن لا يوجد معلومات معلنة حول مدي تأثيرها.

(-) ترسانة صواريخ شاطئية: مثل صواريخ (ستيكس) السوفيتية قديمة الطراز، يبلغ مداها 40 كم ووزن الرأس حوالي نصف طن. وسلسلة الصواريخ الصينية (سي – 801) ونسختها الإيرانية (سي- 802) بمدي يصل إلي 180 كم، ورأس يزن 165 كجم.

(*) التهديد البحري: احتمالية مهاجمة التنظيم السفن الإسرائيلية التي تبحر في ممرات النقل البحري على طول مضيق باب المندب، وشواطئ البحر الأحمر أو في خليج عدن، أو مهمات هجومية علي غرار اختطاف سفن إحدى الدول العربية، وسفن الدولة الكورية الجنوبية قبالة السواحل اليمنية في نوفمبر 2019. كما يحتمل اتخاذ التجارة البحرية الإقليمية رهينة للضغط علي إسرائيل.

ولكن، علي الرغم من أنه يمكن تنفيذ هذا التهديد تقنيا، إلا أن فرص نجاحه منخفضة، كون هذا الطريق البحري الجيواستراتيجي هدفا مهما لعدد متزايد من فرق البحرية العاملة في المنطقة (مصر وأمريكا وروسيا والصين وفرنسا). ومن هنا تأتي قدرة الحوثيين المحدودة على تعطيل النقل البحري أو إلحاق أضرار بالشحن العالمي.

كما أن السفن التابعة للبحرية الإسرائيلية، ليست هدفا سهلا لأن هنالك ما يقرب من 300 سفينة تجارية مملوكة لشركات إسرائيلية في العالم، معظمها لا تبحر على طول الساحل اليمني، وهي ترفع أعلام الملاءمة (راية السفينة) التي قد تخفي مصدرها وتجعل التعرف علي مالكها صعبا.

كما يوجد تهديد بالألغام البحرية لدي التنظيم، حيث يستخدم آلية زرع ألغام بالقرب من مضيق باب المندب. ففي عام 2017م، تم تسجيل 15 حادثة تلغيم مختلفة منسوبة للحوثيين على طول شريط ساحلي بطول 100 كم في اليمن. وهذا التهديد رغم تواجده، إلا أنه تضاءل خلال السنوات القليلة الماضية، نتاج عدة تدابير تم اتخاذها لسلامة الحركة البحرية ومنها عمليات إزالة الألغام، التي تقوم بها الأساطيل الأجنبية العاملة في المنطقة، وكذلك البحرية السعودية.

(*) دعم غير مباشر: دعم الحوثيين للمقاومة في قطاع غزة أمر وارد حدوثه في حالة تقليص العمليات القتالية في اليمن، وبالتالي يمكن نقل فائض أسلحة الحوثيين إلي المقاومة، أو قد يأتي الدعم بتعليمات مباشرة من طهران. ما قد يحقق للحوثيين تطلعاتهم الأيديولوجية المناهضة للاحتلال الإسرائيلي، والموالية للنضال الفلسطيني، ومن جهة أخرى يوفر لهم مكاسب اقتصادية كبيرة، دون الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل.

التصعيد ومبررات التباطئ:

مما لا شك فيه أن التصعيد الحوثي ضد إسرائيل، مرهون بالتصعيد بين طهران وتل أبيب، إلا أن التنظيم قد يسعي إلى الحفاظ على الاحتكاكات والمناوشات المستمرة مع إسرائيل، لأن ذلك من شأنه أن يخدم علي هدفين رئيسيين هما: الأول، الحفاظ على مكانتهم في محور المقاومة وكذراع إيراني قوي، ويعزز تبرير وجودهم في المنطقة بشكل أساسي. أما الثاني، فيتمثل في أنه يوفر لهم ذريعة لتطوير قدراتهم العسكرية واستمالة الدعم المادي المطلق ومنع تفكيك قواتهم. أو قد يحدث التصعيد في حال أن تبادر إسرائيل بالهجوم على قوات الحوثيين في إطار عمل وقائي ضد التعزيزات العسكرية للجماعة التي هددت بالفعل بضرب تل أبيب.

ويمكن إرجاع عدم اتخاذ جماعة الحوثي قرارًا حاسما بالتدخل في الأحداث حتى الآن، أو تنفيذ تهديداتها الصريحة بالهجوم المباشر إلى عدة أسباب محتملة، يتمثل أهمها فيما يلي:

(&) الجغرافيا: حيث تبعد إسرائيل حوالي ألفي كيلومتر عن ساحة الحوثيين الرئيسية، لذا فإن فتح جبهة على مثل هذه المسافات الطويلة قد تكون مهمة صعبة إلى حد ما نظرا لاستجابة أنظمة الإنذار المبكر الإسرائيلية ما يصعب التغلب على القدرات الدفاعية الإسرائيلية.

إلي جانب تواجد سفن عسكرية أمريكية في المنطقة والتي من شأنها إسقاط أي هجوم صاروخي متجه إلي إسرائيل، كما حدث خلال الأيام القليلة الماضية، حيث قام الحوثيون بإطلاق ثلاثة صواريخ في أجواء البحر الأحمر، مرجح أن تكون موجهة لاستهداف إسرائيل. ونقلت وسائل إعلام أمريكية عن قادة عسكريين أن السفينة (يو إس إس كارني) التابعة للأسطول الخامس الأمريكي، اعترضت لعدة قذائف، متجهة نحو الشمال، دون تحديد مكان إطلاقها. ولكن لم يصدر أي رد من قبل الحوثيين بشأن ذلك. والرد الأمريكي فكان مقتصرا على الإعلان عنها وإدانتها.

هذه العملية هي الأولي من نوعها، ومن المرجح أن تهدف جماعة الحوثي من خلالها إلى إسقاط الحرج الذي يتعرض له محور المقاومة في المنطقة بقيادة إيران إزاء الأوضاع في غزة، وكذلك إسقاطه عن أنفسهم كتنظيم أمام الرأي العام اليمني، حيث أن أنهم لطالما استخدموا مقولة “مواجهة الاحتلال الإسرائيلي” كذريعة لكسب الحشد الشعبي ولتحقيق نفوذهم في اليمن.

(&) الرد الإسرائيلي: خشية الحوثي من رد إسرائيلي قد يعصف بقدراتهم ويحدث ارتباك داخلي في صفوف التنظيم، والذي من المحتمل أن يؤدي إلي تفكك بداخله، لاسيما في ظل دعم أمريكي وغربي مطلق علي المستويين العسكري والاقتصادي.

(&) الشأن الداخلي: هذا التباطؤ ربما يعني أن التنظيم قد قرر الاكتفاء بالمناوشات لا التدخل الفعلي أو حتى الدعم العسكري، لأنه في الوقت الحالي الموارد المتاحة لهم مخصصة لخوض النزاعات المستمرة والأوضاع الملتهبة داخليا، وكذلك حربهم ضد التحالف بقيادة السعودية. وبعد قراءة الموقف بشكل كامل يمكن أن نضع سيناريوهين محتملين، وهما:

(-) سيناريو التدخل: قد يحدث إذا حاول الحوثيون تنفيذ خطة أكثر تأثيرًا وهى إطلاق العديد من المسيرات وصواريخ كروز التي يمتلكونها بالفعل، في وقت واحد على إسرائيل، مما يؤدي إلي زيادة التأثير من حيث إصابة الأهداف وإحداث خسائر، وكذلك جعل إمكانية اعتراضهم صعبة.

أو قد يحدث في حال حصول الحوثيين على قدرات باليستية إيرانية أكثر تقدما (مثل صواريخ شهاب المتطورة) والمعروفة بمداها الأكبر والتي ستكون قادرة على الوصول إلى إسرائيل.

أو قد يسمح الحوثيون للحرس الثوري الإيراني، بإطلاق صواريخ كروز إيرانية متطورة أو مسيرات أو صواريخ باليستية من الأراضي اليمنية، وقد يحدث في حال سعت طهران لمهاجمة تل أبيب دون تحمل المسئولية المباشرة عن الهجوم.

(-) سيناريو عدم التدخل والاستمرار في المناوشات: من المرجح حدوثه حاليا، نظرا لأنه في حالة التدخل سيكون هناك رد فعل إسرائيلي وأمريكي غاشم، واليمن لا يزال يعاني بالفعل من كارثة إنسانية وحرب أهلية وظروف أمنية واقتصادية صعبة، لذا قد يكتفي التنظيم بالمناوشات من حين لآخر كما ذكرنا حفظا لماء الوجه فقط، ولربما لتشتيت الجانب الإسرائيلي. خاصة وأن خطوة الاجتياح البري لم تحدث.

ختاما، من المتوقع أن الأحداث الحالية في منطقة الشرق الأوسط  قد تفرض علينا واقعا جديدا، تصبح فيه كل الاحتمالات واردة، في ظل انصياع المجتمع الدولي بأكمله خلف الكيان الصهيوني بل وإعطائه الضوء الأخضر لارتكاب أبشع المجازر بحق المدنيين، ما يكشف الغطاء عن مخططات إسرائيل وأمريكا الكبرى في المنطقة، وفي حال الاجتياح البري للقطاع، من المحتمل بشكل كبير دخول جماعة الحوثي، ومحور المقاومة بأكمله علي الخط بشكل مباشر ضد إسرائيل.

سارة أمين

سارة أمين- باحثة في شئون الخليج العربي وإيران، الباحثة حاصلة علي ماجستير في العلوم السياسية، شعبة العلاقات الدولية، متخصصة في دراسة شئون الشرق الأوسط والخليج العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى