فلسطين تكسب.. كيف كشف كأس العالم 2026 تراجع السردية الإسرائيلية؟

لم يعد كأس العالم لكرة القدم مجرد بطولة رياضية يتنافس فيها اللاعبون على تحقيق اللقب، أو مناسبة عالمية تلتف حولها الشعوب لمتابعتها، بل تحوّل خلال العقود الأخيرة إلى واحدة من أهم ساحات القوة الناعمة في النظام الدولي، وإلى فضاء مفتوح يعكس التحولات السياسية والثقافية والاجتماعية التي يشهدها العالم. فالملاعب لم تعد معزولة عن القضايا الكبرى، والمدرجات باتت منصات عالمية للرأي العام وليست مجرد ساحات للتشجيع فحسب، حيث تعكس اتجاهات الشعوب بصورة قد تكون أكثر وضوحًا وصدقًا من المواقف الرسمية للأنظمة والحكومات. وفي هذا السياق، جاءت بطولة كأس العالم 2026، المُقامة في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لتقدم نموذجًا بالغ الأهمية حول كيفية تفاعل الجماهير المختلفة مع القضايا الدولية، ولا سيما الإنسانية منها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، في وقت تشهد فيه صورة الاحتلال الإسرائيلي دوليًا تحديات غير مسبوقة في إطار السمعة، نتيجة جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة والداخل المحتل، بل وإقليم الشرق الأوسط بأكمله، وتداعيات ذلك إنسانيًا وسياسيًا.
ولعل أكثر ما يميز هذه البطولة أنها لم تشهد مجرد تعبيرات فردية متفرقة، وإنما أظهرت نمطًا متكررًا من التضامن الشعبى الواسع مع فلسطين، ظهر في مناطق المشجعين، وفي المدرجات، وعلى ألسنة الجماهير المختلفة، بل وامتد في بعض الأحيان إلى شخصيات رياضية بارزة. كما لم يعد رفع العلم االفلسطيني حدثًا استثنائيًا يُثير الجدل كما كان في بطولات سابقة، بل أصبح مشهدًا مألوفًا يتكرر في أكثر من مباراة وأكثر من مدينة، في دلالة على أن القضية الفلسطينية باتت حاضرة في الوعي العام العالمي كونها قضية إنسانية تتجاوز الانقسامات السياسية التقليدية. وقد عزز ذلك قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم، السماح برفع العلم الفلسطيني داخل البطولة باعتباره علم دولة عضو في الاتحاد الدولي لكرة القدم، وهو ما منح الجماهير مساحة أوسع وغطاء قانوني للتعبير عن مواقفها. فضلًا عن تزامن الممونديال مع وجود دعوات إقصاء دولية واتساع حملات حقوقية كانت تدعو المؤسسات الرياضية إلى إشهار البطاقة الحمراء لإسرائيل واستبعادها من المنافسات الدوية.
وعليه، يقدم هذا التحليل قراءة في أسباب تغير الرأي العام العالمي والتزامه الدعم الإنساني للقضية الفلسطينية، وكيف تحولت حدود المستطيل الأخضر، في مناسبة رياضية هي الأشهر عالميًا، إلى ساحات للدعم والتعبير عن الرأي، ما أثر سلبًا على دعم السردية والصورة الإسرائيلية.
تحولات الوعي العالمي:
لم يكن التحول الشعبي الدولي في دعم الرواية الفلسطينية والقضية برمتها وليد لحظة رياضية عابرة كما هو الحال في نسخة كأس العالم 2026، وإنما جاء نتيجة تراكمات سياسية وإعلامية وحملات توعية بالحق الفلسطيني في الأرض ونبذ رواية الاحتلال الإسرائيلي، لا سيما في السنوات الثلاث الماضية منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة في أكتوبر 2023، إذ أسهم الانتشار الواسع للمنصات الرقمية، والبث المباشر والهواتف الذكية، في نقل صور الحرب والدمار والتجويع إلى كافة أنحاء العالم دون المرور عبر الإعلام التقليدي، لذا أصبحت الجماهير التي تدخل إلى الملاعب تحمل معها تصورات ومواقف تشكّلت قبل صافرة البداية، لتتحول البطولة إلى مساحة تتقاطع فيها الرياضة مع السياسة مع الوضع الإنساني، والقوة الناعمة مع الصراع على السرديات.
فمن يتنقل بين الملاعب المختلفة أو يتابع البث التلفزيوني أو المقاطع المصورة التي انتشرت عبر مختلف منصات التواصل الاجتماعي، يلاحظ أن العلم الفلسطيني أصبح حاضرًا في أكثر من مناسبة وبين جماهير تنتمي إلى جنسيات وثقافات وديانات مختلفة، بما يعكس أن دعم القضية الفلسطينية تجاوز حدود الانتماء العربي أو الإسلامي، لتتحول إلى قضية يتبناها قطاع واسع من الرأي العام العالمي. ولعل ما منح هذه الظاهرة بُعدًا سياسيًا ورمزيًا يتجاوز حدود التشجيع الرياضي، وهو أن هذا الحضور لم يكن مرتبطًا بمباراة بعينها أو منتخب بعينه، وإنما ظهر بصورة متكررة في المدرجات ومناطق المشجعبين في الساحات العامة، وإن كان الدعم أكبر بالفعل في مباريات المنتخبات العربية مقارنة بغيرها. ولعل الدافع وراء رفع هذه الجماهير من مختلف الجنسيات للعلم الفلسطيني، هو الاعتبارات الإنسانية والأخلاقية التي تشكّلت بفعل التغطية الإعلامية المتتدة للحرب في قطاع غزة وما خلفته من خسائر بشرية ودمار واسع، وبيان حجم المعاناة التي يعيشها الشعب الفسطيني تحت وطأة الاحجتلال الإسرائيلي.
مظاهر متنوعة:
شهدت العديد من مباريات مونديال 2026، دعمًا وتضامنًا قويًا للقضية الفلسطينية، ولم يقتصر هذا التضامن على الجماهير التي كانت ترفع العلم أو تهتف “فلسطين حرة” أثناء الاحتفالات فحسب، بل امتد إلى بعض الشخصيات الرياضية البارزة، وهو ما جعل التضامن أكثر تأثيرًا، ومنحه رسالة رمزية في وجدان المتابعين للمباريات في كافة أنحاء العالم، حتى أن إعلام الاحتلال الإسرائيلي استفزته تلك المشاهد وبات يرد عليها بالهجوم.
فعلى سبيل المثال، جاء المشهد الذي ظهر فيه المدير الفني للمنتخب المصري، حسام حسن، رافعًا للعلم الفلسطيني عقب الفوز على منتخب إستراليا، ليعكس كيف يمكن للحظة رياضية أن تتحول إلى رسالة تضامنية إنسانية يشاهدها الملايين حول العالم. ولم يتوقف الأمر عند رفع العلم، بل أكد في تصريحاته عقب المباراة أنه يهدي هذا الفوز للشعبين المصري والفلسطيني، في رسالة تحمل دلالات تتجاوز حدود المنافسة الرياضية، وتؤكد أن القضية الفلسطينية ما زالت حاضرة في الوجدان. كما أن عدد من لاعبي المنتخب المغربي أيضًا، قاموا برفع العلم الفلسطيني عقب فوز المغرب على منتخب كندا، فضلًا عن الهتافات الجماهيرية الواسعة لنصرة فلسطين، والتفاعل الكبير مع رفع العلم.
ومن زاوية أخرى، فإن أهمية هذه المشاهد لا تكمن فقط في مضمونها، وإنما في المكان الذي وقعت فيه، فالبطولة أقيم جزءًا منها في الولايات المتحدة، الداعم الأول لإسرائيل والممول الرئيسي لحرب الإبادة على قطاع غزة، إلا أن الجماهير المختلفة التي ملأت الملاعب والساحات لم تلتزم بالضرورة بالخطوط السياسية الرسمية لهذه الدولة. وهذه النقطة تكشف عن اتساع الفجوة بين السياسات الحكومية وبين اتجاهات الرأي العام.
ومن اللافت أيضًا أن هذه البطولة كشفت عن تراجع قدرة الضغوط السياسية أو الإعلامية على منع الجماهير من التعبير عن مواقفها. حيث أنه في السابق كان رفع الشعارات السياسية داخل البطولات الكبرى يظل محدودًا بفعل القيود التنظيمية أو التخوف من ردود الفعل، أما في هذه النسخة من كأس العالم، فقد بدا أن آلاف المشجعين لم يعودوا ينظرون إلى التضامن مع القضية الفلسطينية باعتباره فعلًا سياسيًا مثيرًا للجدل، وإنما باعتباره ضرورة إنسانية طبيعية، نظرًا لما يعيشه الشعب الفلسطيني. وهذا التحول يحمل دلالة استراتيجية هامة، إذ يشير إلى أن القضية أصبحت تتمتع بشرعية شعبية على نطاق عالمي واسع، بما يجعل محاولات عزلها أو تهميشها أقل فاعلية مما كانت عليه في السابق، ويعزز تراجع السردية والمظلومية الإسرائيلية تحت شعار “معاداة السامية”.
ولا ينبغي النظر إلى هذه المشاهد باعتبارها أحداثًا منفصلة أو لقطات عابرة، لأن القيمة الحقيقية لها تكمن في تكرارها واستمرارها على امتداد البطولة، وفي دراسات الرأي العام وأدبيات الاتصال السياسي، لا يُقاس تأثير الرسائل الجماهيرية بحجم كل واقعة منفردة، وإنما بتكرارها وتحولها إلى نمط مستمر يرسخ صورة ذهنية لدى المتابعين. لذلك عنددما يشاهد ملايين الأشخاص حول العام رفع العلم الفلسطيني في أكثر من مباراة أو احتفالية، في أوقات ومدن متفرقة، فإن هذه الصورة تتحول تدريجيًا إلى جزء من الذاكرة البصرية للبطولة نفسها، ومن المرجح أن تُذكر هذه النسخة من كأس العالم فيما بعد، بما حدث من دعم للقضية الفلسطينية. وهذا يعزز تراجع رواية وصورة إسرائيل الذهنية أمام الرأي العام العالمي، لأن البطولة التي كانت من المفترض أن تظل مناسبة رياضية فقط، أصبحت مناسبة تتكرر فيها مظاهر ورسائل التضامن مع فلسطين
دلالات تراجع السردية الإسرائيلية:
إن المشهد الراهن لتراجع دعم الرواية الإسرائيلية جماهيريًا، لم يتشكل بصورة عفوية، وإنما كان حصيلة تحولات تراكمية شهدها النظام الإعلامي العالمي مؤخرًا، وتغيرات عميقة في طبيعة الرأي العام ولا سيما الغربي، إلى جانب التحديات التي واجهها النظام الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة، ومذكرات الاعتقال الدولية والاتهام بارتكاب جرائم حرب، والتي صدرت بحق رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو وبعض من وزراء حكومته المتطرفة، وعدد من جنود وظباط الجيش الذين شاركوا في إبادة قطاع غزة، وتم توثيق جرائمهم. ومن ثم، فإن قراءة ما جرى داخل ملاعب كرة القدم أو خارجها من المشجعين لا يمكن فصله عن السياق الدولي الأوسع، الذي أصبحت فيه معركة الصورة والوعي لا تقل أهمية عن المعارك العسكرية والسياسية.
لقد اعتمد الكيان الصهيوني منذ احتلاله للأراضي الفلسطينية على سردية أمنية ارتكزت على تقديم نفسها بوصفها دولة تواجه تهديدات وجودية، ومظلومية تاريخية تجعل لهم الحق في استباحة أرض فلسطين، وتزييف الحقائق والتاريخ وحتى الشرائع السماوية. وقد وجد هذا الخطاب قبولًا واسعًا داخل العديد من العواصم الغربية، فضلًا عن عمل اللوبيات الصهيونية في ترسيخ هذا الفكر ماديًا ومعنويًا. ولقد تنامى هذا الأمر على وجه التحديد في ظل البيئة السياسية والإعلامية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
غير أن الحرب الأخيرة على قطاع غزة أعادت تشكيل إدراك قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، ولم تعد الرواية الإسرائيلية والسياسات الحكومية الغربية هي المصدر الوحيد للمعلومات، بل أصبح هناك فضاء رقمي واسع ينقل الأحداث والحقائق بصورة مباشرة، بعيدًا عن احتكار السرديات والتحكم الإعلامي التقليدي في تدفق المعلومات. لذلك ملايين التابعين حول العالم، تابعوا هذه البطولة وهم يحملون معهم مواقف تشكلت مسبقًا عبر مشاهد الحرب والدمار، والاستعلاء الإسرائيلي على القوانين والأعراف الدولية، وهو ما انعكس بصورة واضحة على سلوكهم داخل ملاعب كرة القدم.
كما أن تصاعد الخطاب الحقوقي والإنساني على المستوى العالمي، أدى إلى إعادة صياغة الطريقة التي يتم بها تناول القضية الفلسطينية، فبدلًا من أن يتم النظر إليها باعتبارها نزاعًا سياسيًا فحسب، أصبحت تُناقش على نطاق واسع باعتبارها قضية ترتبط بحقوق الإنسان، وتطبيق القانون الدولي، وحماية المدنيين، ومنع تجويعهم. وهذا التحول بالغ الأهمية، لأن الخطاب الحقوقي بشكل عام يمتلك قدرة أكبر على تجاوز الحدود القومية والأيديولوجية، ويجد صدى واسع في الأوساط الشعبية العالمية.
وبينما استثمرت إسرائيل لسنوات طويلة في بناء حضورها الإعلامي والثقافي وسمعتها الدولية، جاءت التطورات الأخيرة لتكشف أن امتلاك الأدوات الإعلامية لا يضمن بالضرورة السيطرة على اتجاهات الرأي العام، خاصة في عصر أصبحت فيه الصورة المباشرة أكثر تأثيرًا من الخطابات الرسمية. ولهذا، فإن ما شهدته البطولة لا ينبغي اعتباره أزمة إعلامية عابرة، وإنما مؤشرًا على تحول أعمق يتعلق بتراجع القدرة على التأثير في المزاج الشعبي العالمي. وعلى هذا الأساس، فإن ما جرى في كأس العالم لم يكن مجرد ظاهرة رياضية، بل كان اختبارًا عمليًا لمدى فاعلية السرديات المتنافسة في التأثير على الرأي العام دوليًا. وتشير المؤشرات إلى أن السردية الإسرائيلية لم تعد تتمتع بالقدرة نفسها على حشد التعاطف الشعبي كما في مراحل سابقة، في مقابل اتساع المساحة التي تشغلها الرواية الفلسطينية داخل المجال العام الدولي، خاصة على المستوى الشعبي والحقوقي.
ختامًا، تكشف قراءة مشاهد كأس العالم 2026 أن البطولات الرياضيىة الكبرى لم تعد منفصلة عن التحولات السياسية والاجتماعية التي يشهدها العالم، بل أصبحت مرآة تعكس اتجاهات الرأي العام العالمي، وساحة تتنافس فيها السرديات بقدر ما تتنافس فيها المنتخبات. ومن هذا المنطلق، فإن تكرار مظاهر التضامن مع فلسطين داخل الملاعب لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد مواقف عاطفية عابرة، وإنما بوصفه مؤشرًا على تحولات أوسع في إدراك قطاعات كبيرة من شعوب العالم للقضية الفلسطينة، وعلى تزايد الفجوة بين المواقف الشعبية والسياسات الرسمية في عدد من الدول.
وفي المقابل، على الرغم من تراجع سردية إسرائيل بين الشعوب العالمية، إلا أن ذلك لا يعني أنها فقدت مكانتها الدولية الرسمية أو دعم حلفائها من الحكومات، فالعلاقات بين الدول تحكمها اعتبارات أمنية واقتصادية واستراتيجية معقدة، بين الأنظمة لا بين الشعوب. غير أن ما تكشفه هذه البطولة هو أن القوة الناعمة لا تُقاس فقط بقدرة الدول على كسب تأييد الحكومات، وإنما أيضًا بالحفاظ على صورتها داخل وجدان الشعوب. فعندما تصبح الملاعب التي تُعد من أكبر المنصات الجماهيرية في العالم مساحة تتكرر فيها رسائل التضامن مع فلسطين بصورة لافتة، فإن ذلك يمثل تحديًا حقيقيًا للدبلوماسية الإسرائيلية. ومن ثم، فإن اتساع نطاق التضامن الشعبي مع فلسطين، حتى داخل دول ترتبط بعلاقات وثيقة مع إسرائيل، قد يمثل متغيرًا استراتيجيًا يستحق المتابعة، لأنه قد يؤثر مستقبلًا في طبيعة النقاشات السياسية، والانتخابات، والسياسات الخارجية في عدد من الدول.