الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.. هل تعاد هندسة الشرق الأوسط؟

جمحمد ربيع الشرقاوي- صحفي وباحث مصري

في الوقت الذي عادت فيه الحرب الأمريكية/ الإسرائيلية على إيران مجددًا، تظهر حاجة ملحة إلى إعادة النظر في النظرية الاستعمارية “إعادة تشكيل الشرق الأوسط”، وهي نظرية تقوم بالأساس على تحقيق الريادة الإسرائيلية في المنطقة ككل على حساب دول المنطقة، أو بمعنى أدق الدول التي تمثل تهديدًا للطموح الإسرائيلي الكبير.

قبل 110 عامًا تم ‏تقسيم العالم العربي والإسلامي إلى كيانات صغيرة متناحرة وفق اتفاق “سايكس ييكو” عام 1916، والذي قسم تركة الدولة العثمانية (تحديًدا دول شبه الجزيرة العربية والشام) بين فرنسا وبريطانيا، فحصلت باريس على الشام (سوريا ولبنان) والموصل في العراق، بينما لندن حصلت على بلاد الشام الجنوبي وصولاً إلى بغداد والبصرة وجميع المناطق الواقعة بين الخليج العربي.

وهو تقسيم أراه لا يختلف كثيرًا عن مؤتمر برلين (1884-1885) – بل امتدادًا له- فبموجبه تم تقسيم القارة الأفريقية إلى مناطق نفوذ، بهدف “تنظيم الاستعمار” والتجارة ووضع قواعد “الاحتلال الفعلي” بين القوى الأوروبية ا على القارة السمراء.

كان مؤتمر برلين هو بداية شرارة “الترسيم”، حيث رُسمت الحدود التعسفية التي شكلت دول إفريقيا الحالية، دون مراعاة لطبيعة المكان، ولا التضاريس الجغرافية، ولا الكيانات القبلية ولا التنوع الإثني والديني للسكان الأصليين، بل رسمت خطوطًا مستقيمة بين مناطق نفوذ القوى الاستعمارية، وضمان استمرار الصراع بعد جلاءها، ووضع ذرائع التدخل والعودة من جديد إن لزم الأمر.

وتعتبر هاتين المحطتين نقطة ارتكاز لما جاء لاحقًا من مخططات وتقسيمات استعمارية تحت مسمى “الشرق الأوسط الجديد” وغيرها، لكن باختلاف الفواعل على الساحة الدولية، والإقليمية، حيث تأتي الولايات المتحدة الأمريكية كأكبر فاعل وقوة عسكرية في العالم، وحليفتها إسرائيل.

وترتكز التحركات الاستعمارية الجديدة على نقطة محورية، وهي أن تظل “إسرائيل ذات اليد العليا في المنطقة”، وبالتالي تدور كافة النظريات الجديدة والاستراتيجيات حول هذه النقطة، والتي أراها نقطة ارتكاز، ننطلق منها لما هو آتٍ.

بناء التفوق الإسرائيلي وإضعاف الدول المركزية

تقوم فكرة التفوق الإسرائيلي على التوسع العسكري وإضعاف الدول المجاورة بما يضمن قيام” إسرائيل الكبرى”، وهي نظرة تنطلق من “خطة ينون”، وهي رؤية للدبلوماسي السابق والمحلل الإسرائيلي عوديد ينون، والتي نشرها في عام 1982 عبر مجلة “كيفونيم”، التابعة للمنظمة الصهيونية العالمية، تحت عنوان “استراتيجية لإسرائيل في ثمانينيات القرن العشرين”.

وترسم هذه الخطة ملامح التفوق الإسرائيلي في الشرق الأوسط وضمان تحقيقه، من خلال التركيز على تفتيت الدول المجاورة إلى كيانات أصغر على أسس طائفية وإثنية، تضمن تل أبيب بموجبها إيجاد موطئ قدم في النظام الدولي.

وانطلق “ينون” في نظرته للدول العربية القائمة من قراءة لاتفاقية “سايكس بيكو”، فاعتبر أن دول الوطن العربي هي بالأساس نتاج اتفاق فرنسي _ بريطاني تمخض عن 19 دوبة غير متجانسة، ويالتالي فإن استغلال هذا التمييز (الأقليات، والإثنيات، واختلاف المعتقدات الدينية) فرصة لترسيخ حالة التشظي وتعزيزها بما يضمن انفجار هذه الدول من الداخل، ناهيك عن الهشاشة البنوية في الكيانات الوطنية والاجتماعية.

لقد رأى عوديد ينون، أن اللعب على وتر الصراعات الطائفية في الداخل العربي من شأنه تعزيز حالة التشطي ويمثل مكسبًا – لا بد من البناء عليه – لإسرائيل، وبالتالي إنتاج حالة من الاضطراب الداخلي تنتج حروبًا أهلية وانقسامات تتكرر بصيغ مختلفة، وبالتالي يجب بناء استراتيجيات إسرائيلية مستقبلية للاستفادة المثلى من هذه الصراعات.

وتتكون خطة عوديد من أهداف متكاملة، يكون الهدف العاجل منها إضعاف القدرات العسكرية للدول العربية المحيطة، بينما الهدف البعيد يتمثل في إعادة تشكيل الخريطة الإقليمية، عبر كيانات متفرقة وفقًا لأسس دينية وعرقية، تضمن لتل أبيب تفوقًا استراتيجيًا طويل الأمد.

ولم تكن مصر غائبة في هذه الخطة، فهو يرى أن الصراع المصري الإسرائيلي ما كان يجب أن يتوقف باتفاقية “كامب ديفيد” في 17 سبتمبر 1978، كون هذه الاتفاقية لم تخذم مصالح تل أبيب، بل كان لها تداعيات سلبية منها التنازل عن ثروات سيناء، والحد من إمكانية استثمار الانقسامات العرقية والدينية في الوطن العربي ككل، وبالتالي كان من الواجب أن تواجه القاهرة مسارًا مختلفًا يرتكز على التقسيم بدًلا من التسوية، ببروز كيان قبطي في صعيد مصر، وإضعاف دول الحزام الحدودي مثل ليبيا والسودان، وصولًا إلى نظام إقليمي يقوم على حكومات مركزية محدودة التأثير وسلطات ضعيفة، بما يضمن قيام دول “متآكلة السلطات”.

وعلى الجانب الآخر، كانت دول الشام حاضرة، فقد دعا عوديد ينون إلى تقويض قدرات المملكة الأردنية الهاشمية، من خلال دفع الفلسطينيين نحو شرق الأردن، وأيضًا تقسيم لبنان لكيانات طائفية من خلال البناء على الحرب الأهلية 1975، وتوسيع هذا النموذج في سوريا وتقسيمها لكيانات علوية على الساحل، ودولة درزية في الجولان وحوران وشمال الأردن، وكيانات سنية في دمشق وحلب.

بينما العراق تلك الدولة الغنية بالثروات التي تمثل تهديًدا لإسرائيل بعيد المدى بسبب موقعها – وفق ينون- يتم تقسيمها إلى ثلاثة كيانات رئيسية: كردي في الشمال، وسني في الوسط، وشيعي في الجنوب، وبالتالي تحويلها إلى كيانات ضعيفة لا تمثل ثقلًا عربيًا يذكر، وغير قادرة على تهديد تل أبيب.

إعادة إنتاج “سايكس بيكو”

يعتبر عام 2006 لحظة يمكن البناء عليها، حيث لاقت المخططات الأمريكية الإسرائيلية بشأن إعادة ترسيم الشرق الأوسط، بدعوى أن حدود سايكس بيكو لم تعد ملائمة للعصر، ولا تضمن بالتبعية التفوق الإسرائيلي في المنطقة.

في زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس (2005 _ 2009) لإسرائيل وفي حضور رئيس الوزراء الإسرائيلي يهود أولمرت، دعوة لقيام شرق أوسط جديد، وهو مشروع يطبق على مراحل تتضمن خلق حزام أزمات يطوق العالم العربي، ونشر الفوضى والعنف، عبر دول المنطقة.

ولا يختلف مشروع رايس عن عوديد ينعون كثيرًا، فكل ما حدث هو إعادة تقديم السردية بمصطلحات أكثر ضبطًا، فقد اعتبرت حرب يوليو 2006 بين تل أبيب وحزب الله اللبناني بمثابة “المخاض العسير لولادة شرق أوسط جديد”، وهو ما يعتبر بمثابة استراتيجية أمريكية لتغيير الأنظمة السياسية والخريطة الجيوسياسية في المنطقة.

وركز مشروع رايس على مجموعة أهداف، أولها “الفوضى الخلاقة”، من خلال إحداث تغييرات جذرية في المنطقة العربية، لتهيئة الساحة نحو شرق أوسط تديره مصالح استراتيجية غربية، بالإضافة لإعادة ترسيم الخرائط وإعادة هيكلة بعض الدول والقضاء على الفواعل المقاومة التي تهدد أمن إسرائيل، ودعم الديمقراطية المصنعة، بحجة أن بعض الانظمة لم تعد تتوافق مع النظام العالمي الجديد.

وبالنظر لما أعلنت عنه كوندوليزا رايس، نراه إعادة إنتاج لمؤتمر برلين 1884 فالدول الاستعمارية وضعت ضوابطًا لمنع تضارب المصالح بينها، وقسمت الدول الأفريقية بخطوط مستقيمة لا تأخذ في الحسبان أي اعتبارات، بما يضمن لها تعزيز السيطرة والاستيلاء على الموارد.

وفي ذلك العام خرجت تقديرات وأطروحات أمريكية تنظر لفكر رايس، أو بمعنى ادق تؤطر لمخطط أمريكي جديد، فقد شهد عام 2006، فعالية لحلف شمال الأطلنطي كشفت عن خريطة – تم إدراجها ضمن برنامج تدريبي لكبار الضباط- بوصفها تصورًا لإعادة ترتيب الأوضاع الجيوسياسية في الشرق الأوسط.

لتأتي بعدها مقالة الضابط الأمريكي المتقاعد رالف بيترز بعنوان: “حدود الدم: نحو شرق أوسط أفضل”، والتي أرفقها بخريطة تعيد تقسيم الشرق الأوسط الجديد مبررًا ذلك بأن الحدود القائمة – سايكس بيكو وبرلين- لا تعكس التكوينات القومية والمذهبية والإثنية، وبالتالي هناك ضرورة لإعادة النظر فيها، وبالتالي تعديل حدود العراق والسعودية وإيران ودول أخرى.

ولم يقف الأمر عن حدود المقترحات، بل وصل إلى إقرار مجلس الشيوخ الأمريكي الاقتراح الذي تقدم به جو بايدن عضو المجلس عن الحزب الديمقراطي، ووسام براونباك العضو عن الحزب الجمهوري، وأصدر قراراً غير ملزم بتقسيم العراق إلى عدة أقاليم فيدرالية على أساس طائفي بين شيعة وسنة وأكراد.

وتوافقت هذه الأطروحات مع ما طرحه المحلل العسكري الإسرائيلي زئيف تشيف، عبر صحيفة “هآرتس” عام 1982، بقوله إن تفكيك العراق إلى دولة سنية وأخرى شيعية، وفصل الجزء الكردي، هو أفضل ما يمكن تحقيقه لمصلحة “إسرائيل” في العراق.

الصورة لم تكتمل بعد

لم يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنايمين نتنياهو مخططًا لطموحاته هو وحزب اليمين الإسرائيلي المتطرف دستورًا لتوسعاتهم أفضل من خطة عوديد ينون، كون رئيس الوزراء يتجاوز بطموحاته احتلال الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل تجاوز ذلك للتوسع في الأردن وجنوب لبنان، وتقويض الدولة العراقية، ومهاجمة إيران بتنسيق أمريكي، وهو جزء سيأتي الحديث عنه لاحقًا.

ولا تخرج تحركات نتنياهو عن فكرة التفوق الإسرائيلي التي رسخها “ينون”، من خلال فلسفة التفتيت وإبقاء المحيط العربي في حالة ضعف متزايد، وهو ما تأكد في تصريحاته له في سبتمبر 2019، حين وعد بضم غور الأردن وشمال البحر الميت وتسارع الاستيطان.

وفي أغسطس 2025، أعلن نتنياهو تأييد مخطط “إسرائيل الكبرى” باعتباره مشروعًا روحيًا، مشروعا توراتيا يستحضر الموروث التلمودي لتبرير سياساته التوسعية، وهو ما سبق وأعلن عن أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 سبتمبر 2023 بعرضه “خريطة إسرائيل تتضمن غزة والضفة”.

ومشروع إسرائيل الكبرى هو مشروع يتبناه اليمين الإسرائيلي المتطرف طرحه زعيم حزب “البيت اليهودي” المتطرف بتسالئيل سموتريتش عام 2016، يقول بإن حدود إسرائيل يجب أن تمتدّ لتشمل دمشق، إضافة إلى أراضي 6 دول عربية هي سوريا ولبنان والأردن والعراق وجزء من مصر ومن السعودية، لتحقيق الحلم الصهيوني من النيل حتى الفرات. أعاد سموتريتش إنتاج خطابه وهو وزير مالية في حكومة نتنياهو في مارس 2023، خلال خطاب في باريس وكانت على المنصة التي يقف عليها خريطة تشمل “أرض إسرائيل”، في إشارة إلى أن إسرائيل تتكون من فلسطين التاريخية والأردن.

وبالنظر لتصريحات المسؤولين الإسرائيليين، يمكن القول إن الخطاب الإسرائيلي الاستعماري التوسعي ارتبط بطرح أكثر صدامية يقوم على إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية لمنطقة الشرق الأوسط، من خلال توظيف القوة العسكرية، وفرض وقائع جديدة تعيد رسم موازين القوى الإقليمية بما يخدم التفوق الإسرائيلي، وهو ما ظهر مرارًا وتكرارًا في تصريحات نتنياهو منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في 2023، بعبارات من قبيل “سنغير الشرق الأوسط” و”نحن نغير وجه الشرق الأوسط”.

الحرب الإيرانية ليست ببعيد

رغم اختلاف السياقات التاريخية والجهات التي طرحت هذه التصورات، فإنها تلتقي عند فكرة مركزية مفادها أن الدولة الوطنية العربية بصيغتها الحالية ليست نهائية، وأن إعادة هندسة المجال السياسي للمنطقة تظل خيارًا مطروحًا في عدد من الأدبيات الغربية والإسرائيلية.

ولا يمكن النظر للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بمعزل عن تلك الطموحات الاستعمارية، والتي تركزت على إضعاف مراكز القوة الإقليمية وإعادة هندسة التوازنات السياسية، ولها فإن إيران تظل من بين الحلقات الأكثر تعقيدًا، التي تهدد التفوق الإسرائيلي في المنطقة.

ويمكن استنباط ذلك، بالنظر إلى ما تشهده المنطقة العربية منذ حرب العراق في 2003، حيث تعرضت دولاً مركزية عدة إلى حروب وصراعات داخلية واستنزاف طويل الأمد، انعكس على أدوارها الإقليمية وقدرتها على التأثير في معادلات القوة، بداية من العراق وصولاً إلى السودان وتقسيمها، وليبيا المهددة بالتقسيم منذ 2011، وكذلك سوريا المفتتة داخليًا، وبلا جيش نظامي.

وفي ظل تراجع مراكز القوة العربية القائمة منذ عقود، حافظت طهران على تماسكها وتماسك مؤسساتها وتعزيز حضورها الإقليمي عبر شبكة واسعة من الحلفاء والفاعلين المحليين، رغم العقوبات وحربها مع واشنطن وتوتر العلاقات منذ خمسينات القرن الماضي.

وبالتالي تخرج الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران من كونها مجرد مواجهة مرتبطة بالملف النووي أو البرنامج الصاروخي، إلى سياق إقليمي أوسع يتعلق بمستقبل التوازنات الإقليمية، والتي تهدد نظرية التفوق الإسرائيلي، من خلال قدراتها العسكرية والصاروخية، أو عبر نفوذها الممتد في عدد من ساحات الشرق الأوسط.

وتؤكد هذه الحرب الأخيرة طبيعة المخططات الاستعمارية الجديدة التي تقوم على تنطلق من ضرورة إضعاف الدول العربية المركزية ومنع تشكل أي قوة قادرة على تهديد إسرائيل أو قيادة مشروع إقليمي منافس، وبالتالي فإن إضعاف القدرة الإيرانية في التأثير الإقليمي سيقلل من الفاعليين في المنطقة المتبقين في مواجهة إسرائيل.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى