تجاوز الهشاشة.. بناء نموذج لصومال فيدرالي متماسك

لم يعد الصومال مجرد حالة سياسية مضطربة أو ساحة نزاعات متكررة في القرن الإفريقي، بل تحول إلى نموذج عالمي لدراسة مفهوم الدولة الهشة وإشكاليات إعادة البناء بعد الانهيار. فمنذ سقوط نظام الرئيس محمد سياد بري عام 1991 دخلت البلاد في واحدة من أطول مراحل الفراغ السياسي في التاريخ المعاصر، حيث تلاشت مؤسسات الدولة المركزية، وتصاعد نفوذ القبائل والميليشيات المسلحة، وتحولت الجغرافيا الصومالية إلى مسرح مفتوح للتنافس الإقليمي والدولي. وعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود أصبح وكأن الصومال يعيش في دائرة مغلقة من الأزمات المتعاقبة، فكل محاولة لبناء مؤسسات مستقرة كانت تصطدم بتحديات الأمن والانقسام السياسي وضعف الموارد وتضارب المصالح المحلية والخارجية. غير أن السنوات الأخيرة حملت مؤشرات مختلفة تمثلت في محاولات ترسيخ النظام الفيدرالي وإعادة بناء مؤسسات الدولة بصورة تدريجية، بالتوازي مع جهود متواصلة لاستعادة الأمن وتحقيق قدر من الاستقرار السياسي. وهنا يبرز السؤال المحوري الذي يفرض نفسه على المشهد الصومالي: هل تمثل الفيدرالية بوابة حقيقية نحو بناء دولة مستقرة وقابلة للحياة؟ أم أنها قد تتحول إلى صيغة جديدة لإدارة الانقسام وتكريسه بصورة أكثر تعقيدًا؟

وتكتسب التجربة الصومالية أهمية إضافية في السياق العربي، إذ تتقاطع تحدياتها مع أزمات مشابهة تعيشها دول مثل ليبيا واليمن والسودان ولبنان، حيث يبرز الجدل ذاته حول العلاقة بين تقاسم السلطة وبناء الدولة، وبين التسويات السياسية والاستقرار المستدام.

تشريح الهشاشة الصومالية •• أزمة تتجاوز حدود الأمن

من الأخطاء الشائعة اختزال الأزمة الصومالية في بعدها الأمني أو العسكري فقط، لأن الهشاشة في الحالة الصومالية أكثر تعقيدًا واتساعًا من مجرد انتشار السلاح أو وجود جماعات متطرفة، فالصومال يعاني من أربعة مستويات متداخلة من الهشاشة على النحو التالي:

١- هشاشة مؤسسية. ٢- هشاشة دستورية وسياسية. ٣- هشاشة اقتصادية. ٤- هشاشة اجتماعية وثقافية.

وهذا التداخل جعل عملية إعادة بناء الدولة أكثر صعوبة من مجرد تشكيل حكومة أو إجراء انتخابات، فالدولة الهشة ليست فقط دولة تعاني ضعفًا أمنيًا، وإنما هي دولة تواجه خللًا في شرعية المؤسسات وقدرتها على تقديم الخدمات وفاعلية نظم الحكم وإدارة التنوع الاجتماعي والسياسي. ومن ثم فإن أي محاولة جادة لبناء الاستقرار في الصومال يجب أن تنطلق من معالجة هذه الأبعاد مجتمعة، لا بالاكتفاء بالتعامل مع مظاهر الأزمة ونتائجها المباشرة.

العوامل الداخلية •• حين أصبحت القبيلة أقوى من الدولة

١- البنية القبلية وإشكالية السلطة

تمثل القبيلة أحد أهم مكونات المجتمع الصومالي، وقد لعبت تاريخيًا دورًا في حفظ التوازنات الاجتماعية وإدارة النزاعات المحلية، غير أن المشكلة بدأت عندما أصبحت الانتماءات القبلية الإطار الأساسي لتوزيع السلطة والثروة والنفوذ السياسي. فبدلًا من أن تكون الدولة مظلة جامعة لجميع المواطنين، تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة تنافس بين التحالفات العشائرية المختلفة، ما أضعف فكرة المواطنة ورسخ الولاءات الضيقة على حساب الهوية الوطنية. كما أدى اعتماد التوازنات القبلية في تشكيل الحكومات والمؤسسات إلى إضعاف معايير الكفاءة والمواطنة، الأمر الذي انعكس سلبًا على فاعلية أجهزة الدولة وقدرتها على بناء شرعية وطنية جامعة.

٢- ضعف مؤسسات الدولة

لم تتمكن الحكومات المتعاقبة من بناء مؤسسات قوية ومستقرة قادرة على فرض القانون وتقديم الخدمات بصورة متساوية. ففي العديد من المناطق بقيت المؤسسات الرسمية أقل حضورًا وتأثيرًا من الزعامات التقليدية أو المجموعات المسلحة، الأمر الذي خلق فجوة مستمرة بين الدولة والمجتمع. كما أن ضعف القدرات الإدارية والمالية، وغياب نظم الحوكمة الرشيدة، وانتشار الفساد في بعض القطاعات، كلها عوامل ساهمت في الحد من قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية. وأدى هذا الوضع إلى تآكل ثقة المواطنين في المؤسسات الرسمية، وهو ما وفر بيئة مناسبة لظهور قوى موازية ملأت الفراغ الذي تركته الدولة.

٣- غياب الهوية الوطنية الجامعة

على الرغم من أن الصومال يتمتع بدرجة عالية من التجانس اللغوي والديني مقارنة بدول أخرى، فإن هذا التجانس لم يتحول إلى مشروع وطني موحد. فالتجاذبات القبلية والسياسية أضعفت الشعور بالانتماء للدولة، وأصبح الانتماء للعشيرة أكثر تأثيرًا من الانتماء للوطن في كثير من الأحيان. وتبرز هذه الإشكالية بصورة أكثر وضوحًا عند النظر إلى ملف أرض الصومال الذي يمثل أحد أكثر التحديات السياسية تعقيدًا أمام مشروع الدولة الصومالية الحديثة. فمنذ إعلان انفصالها من جانب واحد عام 1991 نجحت أرض الصومال في بناء مؤسسات سياسية وإدارية وأمنية مستقرة نسبيًا مقارنة بمناطق أخرى داخل البلاد، وهو ما أوجد واقعًا سياسيًا قائمًا لا يمكن تجاهله عند الحديث عن مستقبل الدولة الصومالية. ورغم غياب الاعتراف الدولي الرسمي بها كدولة مستقلة، فإن مستقبل الصومال سيظل مرتبطًا بقدرة الأطراف المختلفة على التوصل إلى صيغة سياسية وقانونية توافقية تعالج العلاقة بين مقديشو وهرجيسا بصورة سلمية ومستدامة، بما يحافظ على الاستقرار ويعزز فرص بناء دولة قابلة للحياة. ومن ثم فإن نجاح أي مشروع وطني مستقبلي لن يتوقف فقط على إعادة بناء المؤسسات، بل على القدرة على إنتاج هوية وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات التقليدية وتؤسس لعقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة والشراكة.

٤- اقتصاد الحرب والميليشيات

على مدار عقود الصراع نشأت شبكات اقتصادية كاملة تستفيد من استمرار الفوضى، تشمل التهريب والجباية غير الرسمية والتجارة غير المشروعة والأنشطة المرتبطة بالجماعات المسلحة. وبالتالي لم يعد الصراع مجرد خلاف سياسي، بل أصبح مصدرًا للثروة والنفوذ لبعض الأطراف، ما جعل إنهاء الأزمة أكثر تعقيدًا. فمع مرور الوقت تشكل ما يشبه اقتصاد الحرب، حيث أصبحت بعض الجماعات والأفراد والشبكات الاقتصادية مستفيدة بصورة مباشرة من استمرار حالة عدم الاستقرار، الأمر الذي خلق مقاومة ضمنية لأي مسارات إصلاحية قد تهدد هذه المصالح. ولهذا فإن بناء الدولة لا يقتصر على إعادة هيكلة المؤسسات الرسمية، بل يتطلب أيضًا تفكيك البنى الاقتصادية غير الرسمية التي تغذت على استمرار الهشاشة والصراع لعقود طويلة. وإن فهم العوامل الداخلية للأزمة الصومالية يمثل الخطوة الأولى نحو إدراك طبيعة التحديات التي تواجه مشروع بناء الدولة، غير أن هذه العوامل لا تعمل بمعزل عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة، بل تتفاعل معها بصورة مستمرة، وهو ما يجعل دراسة العوامل الخارجية والجيوسياسية ضرورة لفهم الصورة الكاملة للأزمة الصومالية.

 العوامل الخارجية •• الجغرافيا التي صنعت التنافس

إذا كانت العوامل الداخلية قد أسهمت في إضعاف الدولة الصومالية، فإن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة لعبت دورًا لا يقل أهمية في تشكيل مسار الأزمة وتعقيداتها. فالصومال لا يقع في منطقة هامشية من العالم، بل يحتل موقعًا جيوسياسيًا بالغ الحساسية عند تقاطع البحر الأحمر والمحيط الهندي وبالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية العالمية. وقد جعل هذا الموقع البلاد ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، ومسرحًا للتنافس الاستراتيجي بين قوى متعددة تسعى إلى تعزيز نفوذها وحماية مصالحها الأمنية والاقتصادية.

١- التدخلات الإقليمية

يقع الصومال في قلب بيئة إقليمية شديدة التعقيد تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والسياسية. وعلى مدار العقود الماضية تعددت أشكال التدخل الإقليمي في الشأن الصومالي، سواء عبر الدعم السياسي لبعض الأطراف أو المساهمة في عمليات حفظ السلام أو الانخراط في ترتيبات أمنية مرتبطة بمكافحة الإرهاب وتأمين الحدود. ورغم أن بعض هذه التدخلات أسهم في منع انهيار الدولة بصورة كاملة، فإن تعدد الأجندات الإقليمية وتباين المصالح أدى في أحيان كثيرة إلى تعقيد المشهد السياسي وإطالة أمد بعض الأزمات. كما أن هشاشة الدولة الصومالية جعلتها أكثر عرضة للتأثر بالتحولات الإقليمية، بحيث أصبحت التفاعلات الداخلية مرتبطة بصورة وثيقة بموازين القوى والتحالفات في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر.

٢- الأمن البحري •• البعد الاستراتيجي الغائب في معادلة الاستقرار

لا تقتصر أهمية الصومال على موقعه البري فحسب، بل تمتد إلى امتلاكه واحدًا من أطول السواحل في إفريقيا بطول يزيد على ثلاثة آلاف كيلومتر، مطلًا على واحد من أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم. ويمثل هذا الامتداد الساحلي الهائل مصدرًا لفرص اقتصادية واستراتيجية ضخمة، لكنه في الوقت ذاته شكل تحديًا أمنيًا كبيرًا خلال سنوات الانهيار المؤسسي. فقد شهدت السواحل الصومالية نشاطًا واسعًا للقرصنة البحرية خلال فترات مختلفة، كما تحولت بعض المناطق الساحلية إلى مسارات لتهريب السلاح والبضائع غير المشروعة والاتجار بالبشر، مستفيدة من ضعف الرقابة وغياب مؤسسات الدولة الفاعلة. كما أن الجماعات المسلحة سعت إلى استغلال بعض المناطق الساحلية في أنشطة لوجستية وتمويلية ساعدتها على تعزيز قدراتها واستمرار نشاطها. ومن ثم فإن بناء الدولة الصومالية الحديثة لا يمكن أن يقتصر على تعزيز الأمن البري فقط، بل يتطلب تطوير استراتيجية متكاملة للأمن البحري تشمل الآتي:

بناء قوات بحرية وطنية قادرة على حماية المياه الإقليمية.

تطوير أجهزة خفر السواحل.

تعزيز الرقابة على الموانئ والمنافذ البحرية.

توسيع التعاون الإقليمي والدولي في مجال أمن الملاحة.

مكافحة شبكات التهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.

كما أن الاقتصاد البحري يمثل فرصة تنموية واعدة، سواء من خلال قطاع الثروة السمكية أو النقل البحري أو الخدمات اللوجستية أو تطوير الموانئ، وهو ما قد يحول الموقع الجغرافي للصومال من مصدر للهشاشة إلى أحد أهم مصادر القوة الوطنية.

٣- التنافس الدولي في القرن الإفريقي

شهد القرن الإفريقي خلال العقدين الأخيرين تصاعدًا ملحوظًا في حجم التنافس الدولي نتيجة تزايد أهمية المنطقة في معادلات التجارة العالمية والطاقة والأمن البحري. فالموقع الجغرافي المطل على خطوط الملاحة الدولية جعل المنطقة محط اهتمام القوى الكبرى والقوى الصاعدة على حد سواء، وذلك من خلال الاستثمارات الاقتصادية أو الحضور العسكري أو الشراكات الأمنية. وفي هذا السياق أصبحت السواحل والموانئ الصومالية جزءًا من الحسابات الاستراتيجية الدولية، وهو ما يمنح الصومال أهمية متزايدة، لكنه يفرض في الوقت ذاته تحديات تتعلق بضرورة تحقيق التوازن بين الاستفادة من الشراكات الخارجية والحفاظ على استقلال القرار الوطني. فالدول الهشة كثيرًا ما تتحول إلى ساحات للتنافس الخارجي عندما تعجز مؤسساتها عن إدارة علاقاتها الدولية بصورة متوازنة وفاعلة.

٤- الإرهاب وتحدي حركة الشباب

استغلت حركة الشباب سنوات الفراغ المؤسسي لتوسيع نفوذها في العديد من المناطق، وتمكنت من بناء شبكات مالية وأمنية وإدارية موازية للدولة. ولم يكن صعود الحركة نتيجة قوة أيديولوجية فقط، بل جاء أيضًا نتيجة ضعف الدولة وعجزها عن توفير الأمن والخدمات والعدالة للمواطنين. غير أن اختزال الظاهرة في بعدها الأمني فقط قد يؤدي إلى قراءة ناقصة للمشهد، فالحركة تمتلك كذلك بنية تنظيمية معقدة وشبكات تمويل واتصالات وخبرات قتالية تراكمت عبر سنوات طويلة. ولهذا فإن مواجهة الحركة تتطلب استراتيجية شاملة تجمع بين العمل الأمني والعسكري من جهة، والتنمية الاقتصادية والإصلاح المؤسسي وتعزيز الشرعية السياسية من جهة أخرى. فكلما نجحت الدولة في توفير الأمن والخدمات وفرص العمل وتعزيز العدالة، تقلصت المساحات التي يمكن أن تستغلها التنظيمات المتطرفة لتوسيع نفوذها. ومن هنا فإن مكافحة الإرهاب لا تمثل معركة أمنية فقط، بل هي معركة تنموية ومؤسساتية وثقافية في المقام الأول.

الفيدرالية بين الأمل والمخاوف •• هل تنقذ الدولة أم تعيد تقسيمها؟

عندما تم تبني النظام الفيدرالي في الصومال، نظر إليه كثيرون باعتباره محاولة واقعية للتكيف مع التعقيدات المحلية وتوزيع السلطة بصورة أكثر توازنًا. فبعد عقود من الصراعات والانقسامات أصبح منح الأقاليم صلاحيات أوسع في إدارة شؤونها المحلية قد يشكل مدخلًا عمليًا لتخفيف الاحتقان السياسي وتعزيز الاستقرار. وقد حقق هذا النموذج بعض النجاحات، خصوصًا في توسيع المشاركة السياسية ومنح الولايات مساحة أكبر لإدارة ملفات التنمية والخدمات المحلية، إلا أن التجربة كشفت أيضًا عن تحديات جوهرية، أبرزها الخلافات المستمرة حول الصلاحيات والموارد والعلاقة بين الحكومة الاتحادية والولايات. كما أن نجاح الفيدرالية لا يرتبط فقط بتوزيع الاختصاصات، بل يتطلب وجود مؤسسات قوية وثقافة سياسية تؤمن بالشراكة والتكامل والتوافق الوطني. ومن دون ذلك قد تتحول الفيدرالية من أداة لإدارة التنوع إلى إطار يعيد إنتاج الانقسامات بصورة مؤسسية أكثر تعقيدًا.

العقد الدستوري غير المكتمل •• التحدي القانوني للفيدرالية

تكشف التجربة الصومالية أن أحد أبرز التحديات التي تواجه النظام الفيدرالي يتمثل في عدم اكتمال البناء الدستوري بصورة تضمن وضوح العلاقة بين الحكومة الاتحادية والولايات. فاستقرار النظم الفيدرالية يعتمد على وجود قواعد دستورية دقيقة تحدد الاختصاصات الحصرية للحكومة المركزية والاختصاصات المشتركة والصلاحيات الممنوحة للوحدات الفيدرالية. وفي الحالة الصومالية ما تزال بعض القضايا الجوهرية محل نقاش وخلاف، سواء فيما يتعلق بتوزيع الموارد أو إدارة بعض الملفات السيادية أو آليات اتخاذ القرار بين مستويات الحكم المختلفة. ولهذا فإن استكمال البناء الدستوري يمثل شرطًا أساسيًا لترسيخ الاستقرار السياسي ومنع تضارب الصلاحيات أو ازدواجية الاختصاصات، كما أن وجود مؤسسات دستورية قوية ومستقلة يعد ضمانة أساسية للحفاظ على التوازن بين المركز والأقاليم وتعزيز مبدأ سيادة القانون.

فض النزاعات بين المركز والولايات •• من الصراع السياسي إلى الحوكمة التوافقية

أظهرت التجربة الصومالية أن كثيرًا من الأزمات السياسية لم تكن ناتجة عن تعارض المصالح بقدر ما كانت نتيجة غياب آليات مؤسسية فعالة لإدارة الخلافات. ففي النظم الفيدرالية المستقرة لا تُترك النزاعات للتجاذبات السياسية أو موازين القوى، وإنما تُدار عبر مؤسسات دستورية وقانونية واضحة وقادرة على إصدار قرارات ملزمة لجميع الأطراف. ومن هنا تبرز أهمية إنشاء محكمة دستورية مستقلة تتولى الفصل في النزاعات بين الحكومة الاتحادية والولايات وتفسير النصوص الدستورية وحماية التوازن المؤسسي داخل الدولة. كما تبرز أهمية تفعيل المجالس الاتحادية وآليات الوساطة والتحكيم الدستوري والحوار المؤسسي المنتظم بين مختلف مستويات الحكم. فوجود هذه الآليات لا يقتصر دوره على معالجة الخلافات عند وقوعها، بل يسهم أيضًا في منع تحولها إلى أزمات سياسية أو أمنية تهدد وحدة الدولة واستقرارها. ومن دون مؤسسات فعالة لإدارة النزاعات قد تتحول الخلافات الطبيعية في أي نظام فيدرالي إلى عوامل إضافية لإنتاج الهشاشة وعدم الاستقرار. وهكذا يتضح أن مستقبل الفيدرالية في الصومال لا يتوقف فقط على توزيع السلطات أو إعادة هيكلة مؤسسات الحكم، بل يرتبط بقدرة الدولة على بناء عقد دستوري متوازن يحقق الشراكة بين المركز والأقاليم ويؤسس لمنظومة قانونية ومؤسسية قادرة على إدارة التنوع والاختلافات بصورة سلمية ومستدامة.

الاقتصاد السياسي للهشاشة •• عندما تصبح الفوضى صناعة مربحة

من أكثر الجوانب التي لا تحظى بالاهتمام الكافي عند دراسة الحالة الصومالية أن استمرار حالة الهشاشة لا يخدم جميع الأطراف بالدرجة نفسها، بل إن هناك شبكات ومصالح اقتصادية وسياسية نشأت وترسخت في ظل غياب الدولة وأصبحت تستفيد بصورة مباشرة من استمرار الفوضى وعدم الاستقرار. فخلال سنوات الصراع الطويلة تشكل ما يمكن وصفه باقتصاد الهشاشة، وهو منظومة معقدة من المصالح والعلاقات الاقتصادية التي ارتبطت باستمرار النزاع وغياب الرقابة المؤسسية الفاعلة. وتشمل هذه المنظومة الآتي:

١- شبكات تهريب السلاح. ٢- التجارة غير القانونية. ٣- أنشطة الجباية غير الرسمية. ٤- الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة. ٥- بعض شبكات الفساد السياسي والإداري. ٦- الأطراف المستفيدة من الانقسام السياسي والمؤسسي.

ومع مرور الوقت أصبحت هذه المصالح جزءًا من معادلة القوة والنفوذ داخل بعض المناطق، وهو ما يفسر سبب تعثر بعض المبادرات الإصلاحية رغم توافر الدعم السياسي أو الدولي لها. ومن ثم فإن بناء الدولة لا يقتصر على إعادة هيكلة المؤسسات الرسمية أو تطوير الأجهزة الأمنية، بل يتطلب أيضًا تفكيك البنية الاقتصادية التي تتغذى على استمرار الأزمة وخلق بدائل اقتصادية مشروعة قادرة على استيعاب الفئات المرتبطة باقتصاد الصراع. ولهذا فإن التنمية الاقتصادية ليست مجرد مسار موازٍ للاستقرار، بل تمثل أحد شروطه الأساسية.

حركة الشباب •• الوجه الآخر لفراغ الدولة

تكشف تجربة حركة الشباب حقيقة جوهرية في فهم طبيعة الأزمات المعاصرة، وهي أن التنظيمات المتطرفة لا تنمو فقط نتيجة انتشار الأفكار المتشددة، وإنما تستفيد في المقام الأول من الفراغات التي تتركها الدولة. ففي المناطق التي تغيب فيها الخدمات الأساسية وتضعف فيها مؤسسات العدالة ويتراجع فيها الشعور بالأمن، تصبح الجماعات المسلحة أكثر قدرة على تقديم نفسها كبديل قادر على فرض النظام أو توفير بعض الاحتياجات الأساسية للسكان. ومن هنا فإن نجاح الدولة في مواجهة التطرف لا يقاس فقط بعدد العمليات العسكرية أو حجم الإنجازات الأمنية، وإنما بقدرتها على استعادة حضورها الفعلي في حياة المواطنين. فكل مدرسة يتم إنشاؤها، وكل مستشفى يقدم خدماته، وكل فرصة عمل تُخلق، وكل مؤسسة عدالة تنجح في أداء دورها، تمثل خطوة حقيقية في مواجهة التطرف وتجفيف منابعه. ولهذا فإن المعركة ضد الإرهاب في الصومال ليست معركة عسكرية فحسب، بل هي معركة تنموية ومؤسساتية طويلة المدى تستهدف إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة.

الدرس العربي الغائب •• لماذا تفشل التسويات السياسية؟

عند مقارنة الحالة الصومالية بعدد من التجارب العربية الأخرى، يتضح أن كثيرًا من التسويات السياسية ركزت على تقاسم السلطة بين النخب أكثر من تركيزها على بناء مؤسسات الدولة. فتم توزيع المناصب، ولكن لم تُبنَ المؤسسات، وتمت معالجة النتائج الظاهرة للأزمة بينما بقيت الأسباب الأساسية للصراع قائمة دون معالجة حقيقية. وفي كثير من الأحيان تحولت التسويات إلى أدوات لإدارة التوازنات المؤقتة بدلًا من أن تكون مدخلًا لبناء دولة قادرة على الاستمرار. ولهذا فإن نجاح التجربة الصومالية لن يقاس بعدد الاتفاقات السياسية أو الحكومات التي يتم تشكيلها، وإنما بقدرتها على إنتاج مؤسسات فاعلة تتمتع بالشرعية والكفاءة والاستدامة. فالدولة تُبنى عبر بناء قواعد حكم رشيد قادرة على خدمة المواطنين وتعزيز ثقتهم في النظام السياسي.

نحو فيدرالية مرنة •• النموذج الأكثر واقعية للمستقبل

إذا كان هناك نموذج يمكن أن يمنح الصومال فرصة حقيقية لتحقيق الاستقرار المستدام، فإنه يتمثل في نموذج الفيدرالية المرنة الذي يقوم على تحقيق التوازن بين وحدة الدولة واحترام الخصوصيات المحلية. ولا يقوم هذا النموذج على مركزية تعيد إنتاج أزمات الماضي، ولا على لامركزية منفلتة قد تدفع نحو مزيد من التفكك، بل يسعى إلى بناء شراكة متوازنة بين الحكومة الاتحادية والولايات المختلفة. ويرتكز هذا النموذج على خمسة مرتكزات رئيسية كالتالي:

١- مركز قوي وظيفياً لا استبدادياً

بحيث تحتفظ الحكومة الاتحادية بالاختصاصات السيادية المرتبطة بوحدة الدولة ومصالحها العليا، وفي مقدمتها:

الأمن القومي.

وزارة الدفاع.

السياسة الخارجية.

العملة الوطنية.

إدارة الموانئ الاستراتيجية.

حماية الحدود.

مع منح الولايات صلاحيات واسعة في مجالات الإدارة المحلية والتنمية والخدمات العامة.

٢- عدالة توزيع الموارد

لا يمكن تحقيق الاستقرار السياسي في ظل شعور بعض الأقاليم بالتهميش أو الحرمان من الموارد. ومن ثم فإن نجاح الفيدرالية يتطلب وضع آليات شفافة وعادلة لتوزيع الثروات والعائدات بين مختلف الولايات بما يحقق التوازن بين متطلبات التنمية المحلية ووحدة الدولة. فالعدالة الاقتصادية تمثل أحد أهم أسس الاستقرار السياسي والاجتماعي.

٣- صناعة هوية وطنية تتجاوز القبلية

لن تنجح أي ترتيبات دستورية أو سياسية إذا بقيت الانتماءات القبلية أقوى من الانتماء الوطني. ولذلك فإن بناء هوية وطنية جامعة يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من مشروع إعادة بناء الدولة، ويتطلب ذلك:

إصلاح المناهج التعليمية.

تطوير الإعلام الوطني.

تمكين الشباب.

تعزيز ثقافة المواطنة.

دعم البرامج الثقافية المشتركة.

٤- دمج الميليشيات وبناء المؤسسات الأمنية الوطنية

لا يمكن بناء دولة حديثة في ظل تعدد مراكز القوة المسلحة. ومن ثم فإن نجاح الدولة الصومالية يتطلب تنفيذ برامج متكاملة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، إلى جانب تطوير جيش وطني وأجهزة أمنية مهنية تعمل وفق إطار قانوني موحد يخضع للرقابة المؤسسية.

٥- استثمار القوة البحرية للصومال

يمتلك الصومال أحد أطول السواحل في إفريقيا، وهي ميزة استراتيجية نادرة يمكن أن تتحول إلى محرك رئيسي للتنمية الاقتصادية. فالموانئ والثروة السمكية والخدمات اللوجستية والتجارة البحرية تمثل جميعها فرصًا واعدة يمكن أن تسهم في تعزيز الإيرادات الوطنية وتوفير فرص العمل وتحسين مستويات المعيشة. ومن هنا فإن الاستثمار في الاقتصاد البحري يجب أن يكون جزءًا أساسيًا من أي رؤية استراتيجية لمستقبل الدولة الصومالية.

الدور العربي المطلوب •• من إدارة الأزمات إلى صناعة الشراكات

لا يمكن النظر إلى الصومال باعتباره شأنًا إفريقيًا منفصلًا عن محيطه العربي، فموقعه الاستراتيجي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر يجعله جزءًا مهمًا من منظومة الأمن القومي العربي. وعلى الرغم من أهمية المساعدات الإنسانية والإغاثية التي قُدمت للصومال خلال العقود الماضية، فإن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الشراكات الاستراتيجية طويلة المدى. وتشمل الأولويات العربية:

١- الاستثمار في البنية التحتية. ٢- تطوير الموانئ والخدمات اللوجستية. ٣- دعم التعليم والتدريب. ٤- بناء القدرات المؤسسية. ٥- تعزيز التعاون الأمني والبحري. ٦- دعم الاقتصاد المنتج وخلق فرص العمل.

فاستقرار الصومال لا يمثل مصلحة صومالية فقط، بل يشكل مصلحة عربية وإقليمية مباشرة.

المجتمع الدولي •• من احتواء الانهيار إلى صناعة الاستقرار

طوال سنوات عديدة تعامل المجتمع الدولي مع الصومال بمنطق احتواء الانهيار ومنع تفاقم الأزمة أكثر من تعامله مع متطلبات بناء دولة مستقرة وقادرة على الاعتماد على نفسها. ورغم أهمية الجهود الدولية التي أسهمت في دعم المؤسسات ومكافحة الإرهاب وتقديم المساعدات الإنسانية، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في الانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الاستقرار. ويتطلب ذلك التركيز على الآتي:

١- التنمية المستدامة. ٢- مكافحة الفساد. ٣- بناء المؤسسات. ٤- تعزيز سيادة القانون. ٥- تطوير نظم العدالة المحلية. ٦- تمكين الشباب والمرأة. ٧- دعم الحوكمة الرشيدة.

فالدول لا تُبنى بالمؤتمرات وحدها ولا بالمساعدات وحدها، بل تُبنى عندما تنجح مؤسساتها في اكتساب ثقة المواطنين وتلبية احتياجاتهم بصورة عادلة وفعالة.

في النهاية •• حين يصبح الوطن أكبر من القبيلة

لا يمثل الصومال قصة فشل مكتملة، بل مشروع دولة ما زال في طور التشكل. فبعد عقود من الانهيار والصراعات والحروب الأهلية بدأت تتبلور فرصة تاريخية لإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين المركز والأقاليم، وبين القبيلة والدولة. ويبقى الرهان الحقيقي على قدرة الفيدرالية على التحول من مجرد آلية لتوزيع النفوذ إلى إطار وطني جامع يعيد إنتاج الدولة على أسس العدالة والكفاءة والشراكة. فمستقبل الصومال لن يُحسم بالسلاح وحده ولا بالحدود وحدها، بل بقدرته على تحويل التنوع إلى قوة، والاختلاف إلى شراكة، والهشاشة إلى نموذج جديد للاستقرار. وعندما يصبح الوطن أكبر من القبيلة، والمؤسسة أقوى من الولاء الضيق، والمستقبل أهم من ذاكرة الحرب، عندها فقط يمكن للصومال أن ينتقل من مرحلة البقاء إلى مرحلة النهوض، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الدولة. فالتاريخ لا يمنح الأمم فرصًا كثيرة لإعادة بناء ذاتها، ولكن الصومال يقف اليوم أمام فرصة نادرة لصياغة عقد وطني جديد تكون فيه الدولة إطارًا جامعًا للجميع، والتنمية ركيزة للاستقرار، والمواطنة أساسًا للانتماء والولاء، والشراكة سبيلًا للمستقبل.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى