تحديات ماثلة: لماذا اختيرت باكستان مكانًا للوساطة بين أطراف الحرب في الشرق الأوسط؟

عندما خاطب الجنرال الباكستانى عاصم منير لجنة الأمن القومى فى البرلمان الباكستانى فى مارس 2025، طرح سؤالاً كان صداه يتردد فى البلاد لسنوات: “إلى متى سنستمر فى التضحية بأرواح لا حصر لها بأسلوب دولة ضعيفة؟”
كان السؤال بلاغياً إلى حدٍ كبير، ومع بدايات الأسبوع الحالى، وفى خضم الصراع الدائر فى الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تلقى الجنرال الباكستانى الإجابة التى لم يكن يتوقعها. ففى غضون 72 ساعة فقط، أجرى الجنرال منير اتصالاً هاتفياً مباشراً مع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، واتصل رئيس الوزراء الباكستانى شهباز شريف بالرئيس الإيرانى مسعود بيزشكيان، وعرضت باكستان عاصمتها إسلام آباد كمكان لما قد يصبح، حال حدوثه، أهم لقاء دبلوماسى فى هذا العقد.
فقد أشارت التقارير إلى إمكانية عقد لقاء بين نائب الرئيس الأمريكى جيه دى فانس، ومبعوث البيت الأبيض استيف وايتكوف من جانب، ورئيس البرلمان الإيرانى محمد باقر قاليباف من الجانب الآخر، مع اقتراح أن تكون إسلام آباد هى مكان اللقاء.
وبالنسبة لباكستان، التى كانت تتبادل إطلاق النار مع الهند قبل أقل من عام، كما تجرى حالياً عمليات عسكرية على حدودها مع أفغانستان، يُعد ذلك عملاً لافتاً من أعمال التموضع الاستراتيجى، حيث لم يسبق لباكستان أن وضعت نفسها فى صميم التفكير الاستراتيجى الأمريكى بهذه السرعة والطموح منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، مع فارق أن واشنطن لجأت إلى باكستان فى ذلك الوقت بدافع الضرورة، بينما فى الوقت الحالى قدمت باكستان نفسها كوسيط ومكان لمفاوضات إنهاء الصراع مع إيران.

 لماذا باكستان الوسيط المحتمل؟
لطالما ساد الاعتقاد بأن عُمان هى صاحبة الحق والتوكيل الحصرى للوساطة، والمسؤولة عن الحوار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، فقد توسطت عبر قنوات غير رسمية أدت إلى خطة العمل الشاملة المشتركة بين أمريكا والترويكا الأوروبية وإيران، فيما عُرف بالاتفاق النووى الإيرانى.
أما قطر، فقد أقامت سياستها الخارجية كاملةً على كونها المكان المفضل للوساطة فى المنطقة. كلا الدولتين خليجيتان صغيرتان ومستقرتان، ولا توجد بينهما أية خفايا، وفى الظروف العادية هما بالضبط ما يُراد أو يُطلب.
لكن هذه ليست ظروفاً عادية؛ إنها دبلوماسية أزمة تحت ضغط الضربات الجوية والرد الصاروخى، وإغلاق مضيق هرمز بكل ما يعنيه ذلك فى مجال الاستراتيجية والجيوبوليتيك، ومهلة 48 ساعة لفتح المضيق وتمديدها لخمسة أيام، ثم تمديدها إلى السادس من الشهر القادم، حتى لا يتم قصف شبكات الطاقة فى المنطقة، سواء فى إيران أو الخليج أو إسرائيل.
يتطلب ذلك أمراً مختلفاً؛ يتطلب وسيطاً يتمتع بنفوذ عسكرى، واتصال مباشر مع واشنطن، وقرب كافٍ مع طهران حتى يتمتع بالمصداقية دون الوقوع فى الأسر، وتتمتع باكستان بكل ذلك، بل وتتناسب تحديداً مع ذلك الوصف.
فباكستان تتمتع بمزايا هيكلية حقيقية؛ فهى موطن لثانى أكبر عدد من المسلمين الشيعة فى العالم بعد إيران، حيث يبلغ تعدادهم 40 مليون نسمة، مما يمنحها تقارباً مذهبياً مع طهران لا تستطيع معظم الدول ذات الأغلبية السنية ادعاءه أو التظاهر به.
وعقدت باكستان اتفاقية دفاع مشترك مع المملكة العربية السعودية العام الماضى، مما أكسبها مصداقية كبرى لدى الرياض وواشنطن فى آن واحد. وعلى عكس مسقط والدوحة، فإن باكستان دولة نووية تتوسط بين دولة تسعى لامتلاك قدرات نووية وقوة عظمى تحاول منعها.
وفى الوقت نفسه، بنى الجنرال منير علاقات شخصية مباشرة مع ترامب توطدت خلال مفاوضات وقف إطلاق النار بين باكستان والهند فى مايو الماضى، عندما تحدث الرجلان مراراً وتكراراً حتى خرج ترامب معلناً الاتفاق، ناسباً الفضل لنفسه.
ومنحت تلك الاتصالات المباشرة مع ترامب ما يسعى إليه العديد من القادة فى أنحاء العالم: قناة اتصال شخصية مع البيت الأبيض، الذى يُدار حالياً بالعلاقات الشخصية، لأن سيده لا يُلقى بالاً للقنوات المؤسسية.
كما تتشارك باكستان وإيران جغرافياً بحدود تبلغ 900 كيلومتر تمر عبر بلوشيستان، التى توليها إيران اهتماماً بالغاً لوجود السكان البلوش المضطربين على الجانب الآخر.
ففى الوقت الذى تستوعب فيه طهران الضربات الأمريكية والإسرائيلية التى تستهدف قدراتها وبنيتها التحتية للطاقة، وتدير شبكة وكلاء تمتد من اليمن إلى لبنان، فإن آخر ما يمكنها تحمله هو حدوث مشكلات على حدودها الشرقية مع باكستان.
فإن باكستان المعادية ليست فكرة مجردة، بل جبهة ثانية وخطيرة، وتحتاج إيران إلى حسن نية إسلام آباد.
وتدخل باكستان تلك المفاوضات بما لا تملكه مسقط أو الدوحة، وهو القدرة الضمنية على التسبب فى تفاقم الوضع الاستراتيجى لطهران إذا ما ساءت العلاقات، وهو ما يدركه الاستراتيجيون الإيرانيون الكبار دون الحاجة إلى تهديد أو إعلان من إسلام آباد. فباكستان، كونها ليست دولة خليجية، تقدم لطهران ما لا يمكن لعُمان وقطر تقديمه، ألا وهو ساحة ذات ثقل استراتيجى كافٍ يجعل التعامل معها لا يُنظر إليه على أنه تنازل أو استسلام.
كما أن باكستان أثبتت خلال العام الماضى أنها دولة جادة قادرة على اتخاذ قرارات صعبة وتحمل تبعاتها، من خلال خطوات كانت مكلفة محلياً ولافتة للأنظار دولياً، فى محاولة للتخلص من النظرة التى سادت طوال العقد الماضى بأنها الدولة التى تحارب الإرهاب بيد وتؤويه باليد الأخرى.
وتُمثل عملية “غضب الحق” الجارية، والمتضمنة غارات جوية على مواقع حركة طالبان باكستان فى عمق الأراضى الأفغانية، أبرز تجليات التوجه الجديد، مع رسالة استراتيجية واضحة لا لبس فيها: أن باكستان ستلاحق أى تهديد لوجودها بغض النظر عن أى تكلفة سياسية.
وفى الداخل، حظرت الحكومة الباكستانية حزب لبيك باكستان المتشدد عندما تحول إلى أداة ابتزاز، وعقب الجنرال عاصم منير بأن باكستان للباكستانيين، وأن من يسعون إلى استيراد السياسات الطائفية من الشرق الأوسط غير مرحب بهم، فى إشارة إلى الشيعة والنموذج الإيرانى.
وحملت تلك التصريحات رسالة إلى كل من واشنطن والرياض وطهران وتل أبيب فى آن واحد، أن باكستان لن تصبح مسرحاً للنفوذ الإيرانى، حتى مع الحفاظ على علاقات جيدة مع طهران.
واجتازت الحكومة الباكستانية اختبار العدوان الإسرائيلى على غزة بعد التعرض لضغوط هائلة لقطع العلاقات مع واشنطن، وحافظت على علاقات مؤسسية سليمة.
وأكمل البعد الهندى الصورة الجديدة لباكستان، حيث انتهت حرب الأيام الأربعة فى مايو 2025 بوقف إطلاق نار منحها مكسباً دبلوماسياً اعتبرته نيودلهى مهيناً، مؤكداً رؤية الجنرال منير أن التقارب مع ترامب يمنح نفوذاً استراتيجياً.

مخاطر وساطة باكستان:
على الرغم من أن نجاح باكستان فى الوساطة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران يمنحها مزايا جيوسياسية تتمثل فى ترسيخ مكانتها كطرف لا يمكن الاستغناء عنه فى اثنتين من أخطر أزمات العالم فى وقت واحد، وهو موقف لم تصل إليه منذ السنوات الأولى للحرب الأفغانية، كما يدحض بشكل دائم الرواية الهندية بأن باكستان دولة هامشية وفاشلة، فإن الوساطة الباكستانية تحمل فى طياتها مخاطر حقيقية، هي:

١. نفى إيران وجود أية مفاوضات مباشرة على لسان محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الإيرانى، واصفاً التقارير التى تحدثت عن ذلك بأنها كاذبة تهدف إلى التلاعب بأسواق المال.
فإن الضرر الذى سوف يلحق بباكستان لن يتمثل فى إحراج دبلوماسى فحسب، بل سيرسل إشارات إلى واشنطن بأن باكستان بالغت فى تقدير قدرتها على إقناع إيران، وهى إشارة يصعب التراجع عنها.

٢. عدم تقدير قدراتها، إذ تتوسط إسلام آباد فى أزمة بين قوتين عظمتين، بينما تخوض حرباً فى أفغانستان، وتدير وقف إطلاق نار هشاً مع الهند، وتدير اقتصاداً خرج لتوه من برنامج إنقاذ لصندوق النقد الدولى.

٣. العلاقة مع الرئيس ترامب نفسه، التى تمنح باكستان النفوذ الاستراتيجى، مرهونة برئيس قد تتغير قراراته بين عشية وضحاها، مما يجعل ذلك النفوذ معرضاً للخطر عند تغير الرئيس نفسه.

في النهاية، يمكن القول ثمة أمر قد حُسم بالفعل ولا يمكن تغييره؛ فقد أثبتت باكستان قدرتها على الصمود والوفاء بوعودها تحت الضغط، وجعلت من نفسها طرفاً لا غنى عنه لأطراف الأزمة فى الشرق الأوسط بين إيران من جانب وأمريكا وإسرائيل من الجانب الآخر.
هذه المرة ليست كساحة لحربٍ يشنها طرف على آخر، بل موقع قد يبدأ منه السلام.
فباكستان، التى تعتبر شريكاً لا غنى عنه للولايات المتحدة الأمريكية فى أزمتين، تصبح خياراً مختلفاً تماماً بالنسبة لمستثمرى المؤسسات المالية متعددة الأطراف، بالإضافة إلى مستثمرى الخليج وصناديق الثروة السيادية التى تحتاج إسلام آباد إلى رؤوس أموالها. حيث تتحول الأهمية الاستراتيجية إلى ثقة اقتصادية بطرق لا يمكن لبرامج صندوق النقد الدولى تحقيقها. فالعالم، لأول مرة منذ جيل، ينظر إلى باكستان ليس بقلق… بل بترقب.

د. حسام البقيعي

رئيس وحدة دراسات العالم، الباحث حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى