انعكاسات ضاغطة: كيف تهدد سياسات ترامب التفوق العلمي الأمريكي؟

تشكل سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بما في ذلك التخفيضات الكبيرة في تمويل البحث العلمي وفرض القيود على الطلاب الدوليين، تهديدا استراتيجيا طويل الأمد لمكانة الولايات المتحدة في مجال العلوم والتكنولوجيا.
ويكشف التحليل التالي كيف تعرقل تلك السياسات الريادة الأمريكية في قطاعات حيوية مثل الطاقة المتجددة وبراءات الاختراع والتعليم العالي، بينما تستفيد دولة مثل الصين –على الجانب الآخر- من الاستثمار المستمر في البحث العلمي وجذب المواهب الدولية لتعزيز تنافسيتها؛ ما يعكس أن سياسات ترامب الحالية لا تهدد فقط تاريخ واشنطن الطويل في مجال البحث العلمي، بل إنها تعرض –في الوقت ذاته- احتفاظها بتفوقها العلمي والتكنولوجي العالمي للخطر على المدى المتوسط والطويل.
فمنذ تأسيسها في 4 يوليو 1776، اعتادت الولايات المتحدة الظهور كقوة رائدة في الابتكار والبحث العلمي، وعملت على استقطاب العقول والمواهب من كل أنحاء العالم، وتخصيص مليارات الدولارات سنويا للاستثمار في الابتكار، والسعي إلى اعتلاء صدارة المشهد العالمي في المجالات التقنية مثل الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة المتجددة، وعلوم الفضاء، والبيانات الضخمة.
مشروع مانهاتن للبحوث العلمية:
وعلى مدى 252 عاما، خصصت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تمويلات كبرى للجامعات الأمريكية لدعم بيئة قوية تدعم المشروعات الناشئة والابتكارات السريعة؛ وهو النهج الذي ترك أثره بقوة خلال أربعينيات القرن الماضي؛ حيث لعبت معظم الجامعات الأمريكية دورا رئيسيا في “مشروع مانهاتن” للبحوث العلمية، بوصفه المحرك الذي يقود قدرات الولايات المتحدة التنافسية اقتصاديا وعسكريا. وأنتجت تلك الشراكة معظم الاختراعات الرئيسية في عصر المعلومات مثل الإنترنت ونظام تحديد المواقع العالمي والهواتف الذكية.
وساعد الدعم الحكومي الأمريكي للأبحاث الجامعية في تهيئة الساحة أمام الصناعات الأمريكية لريادة العالم علميا، عبر سلسلة لا تنتهي من الاختراعات، وفي القلب منها الصناعات الطبية مثل آلة التصوير بالرنين المغناطيسي، ومشروع الجينوم البشري، وأدوية الإيدز، والتخدير الجراحي، وزرع الأعضاء، وتشخيص السرطان بالذكاء الاصطناعي.
وكان للدعم الحكومي الفضل في أن تتصدر الولايات المتحدة دول العالم في عدد الحاصلين على جائزة نوبل، حيث فاز بها أكثر من 420 أمريكيا حتى عام 2025، لتستحوذ بذلك على أكبر حصة من الجوائز الممنوحة عالميا في مختلف المجالات، ويمثل المهاجرون نسبة كبيرة من هؤلاء الفائزين؛ إذ حصل المهاجرون على حوالي 36% من إجمالي الجوائز التي فاز بها أمريكيون في مجالات الكيمياء والطب والفيزياء بين عامي 1901 و2023.
سياسات مناوئة:
في المقابل، تبنت إدارة ترامب سياسات مناوئة لنهج أسلافه الداعم للبحث للعلوم عبر أصعدة عدة أهمها:
(*) تخفيض ميزانية مؤسسة العلوم الوطنية (NSF) بنسبة 55%، ما أدى إلى فقدان آلاف المشاريع البحثية في مجالات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الفائقة، والتكنولوجيا الحيوية، والطاقة المتجددة، وتعطيل سلسلة الابتكارات القائمة على البحث الجامعي، وانخفاض القدرة على تطوير تقنيات جديدة قبل الصين والدول المنافسة، مما يضعف الريادة الأمريكية في الابتكار التقني.
وتأتي إجراءات ترامب بخفض ميزانية مؤسسة العلوم الوطنية على الرغم من أن استثمارات المؤسسة ساهمت في ازدهار الولايات المتحدة والعلوم الأمريكية؛ حيث حصل ما لا يقل عن 268 من الحائزين على جائزة نوبل على منح من المؤسسة خلال مسيرتهم العلمية. ومنذ تأسيسها، تعاونت المؤسسة مع وكالات حكومية مختلفة، بما في ذلك المؤسسات المعنية بالأمن القومي واستكشاف الفضاء، والحد من مخاطر الزلازل والفيضانات والانهيارات الأرضية، وارتفاع مستوى سطح البحر، وذوبان الأنهار الجليدية.
وتشير تقديرات الاحتياطي الفيدرالي إلى أن الأبحاث المدعومة حكوميا من المؤسسة الوطنية للعلوم وغيرها من الوكالات حققت عائدا استثماريا يتراوح بين 150% و300% منذ عام 1950، أي أن كل دولار استثمره دافعو الضرائب الأمريكيون، حقق أرباحا ما بين 1.50 دولار و3 دولارات. وأدت إجراءات ترامب بتخفيض ميزانية المؤسسة –بمستويات غير مسبوقة- إلى عمليات تسريح للعمالة، واستقالة القيادات، وإلغاء مئات المنح البحثية، وتهديد الدعم الفيدرالي للبحث العلمي في مختلف التخصصات.
(*) ألغت وزارة الحرب الأمريكية أكثر من 1600 منحة دعم بقيمة 1.5 مليار دولار، بحسب جريدة “واشنطن بوست”. حيث اعتادت وزارة الحرب الأمركية تقديم منح دراسية وفرص تعليمية متميزة، أبرزها برنامج “سمارت”، وهو برنامج شامل لدعم طلاب العلوم والبحث العلمي، يهدف إلى تعزيز المهارات البحثية، وتحليل البيانات، وتقوية الأساس في العلوم والرياضيات والبحث؛ وبرنامج “ستيم” (العلوم، التكنولوجيا، الهندسة، الرياضيات)؛ فضلا عن برامج أخرى في مجالات أبحاث الفضاء.
(*) تراجعت منح المؤسسة العالمية الأمريكية -أو ما يعرف بالمنح الدراسية في الولايات المتحدة- في 2025 إلى وتيرة هي الأبطأ منذ 35 عاما على الأقل، ما أدى إلى تراجع القدرة الأمريكية على استقطاب العقول المتميزة التي كانت تشكل 55٪ من مؤسسي الشركات الناشئة في الولايات المتحدة بقيمة مليار دولار أو أكثر، وخسارة محتملة لعشرات المليارات من الدولارات بالنسبة للاقتصاد الأمريكي على المدى الطويل، وإضعاف سلاسل البحث العلمي متعددة التخصصات التي تعتمد على خبرات دولية متقدمة.
وتشمل منح المؤسسة العالمية الأمريكية برامج مرموقة ممولة بالكامل مثل برنامج فولبرايت للماجستير والدكتوراه، والذي أسسه السيناتور الأمريكي وليام فولبرايت في عام 1946، ويعتبر أحد أكثر المنح الدراسية شهرة في العالم؛ حيث يوفر البرنامج 8000 منحة سنويا بتمويل يبلغ 240 مليون دولار سنويا، قبل أن يطالب ترامب بتخفيض الدعم الأمريكي المخصص للبرنامج بنسبة 71٪ لتمويله في ولايته الأولى وتحديدا عام 2018؛ وزمالات همفري، ومبادرة الشراكة الشرق أوسطية (MEPI)، وهي برنامج تابع لوزارة الخارجية الأمريكية يستهدف الطلاب الدوليين المتميزين أكاديميا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
تمويل ينخفض وتعليم يتراجع:
بعد عام واحد من تولي دونالد ترامب منصبه خلال ولايته الثانية للبيت الأبيض والتي بدأت في يناير 2025، أنهت إدارته –أو جمدت- أكثر من 7800 منحة بحثية، شملت 1300 منحة في المؤسسة الوطنية للعلوم، ما عرقل إنفاق حوالي 700 مليون دولار كانت مخصصة لهذا الهدف في نهاية السنة المالية 2025.
بالإضافة إلى ذلك، شهدت المعاهد الوطنية للصحة حوالي 2.3 مليار دولار من الأموال غير المصروفة عبر نحو 2500 منحة مجمدة أو ملغاة.
وأثرت التخفيضات على جميع الوكالات الأمريكية تقريبا؛ حيث تلقت الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي ضربة كبيرة، وبلغ عجز خطتها الإنفاقية 246 مليون دولار عن الأموال المعتمدة من الكونجرس، وتراجع إنفاقها بقيمة 53 مليون دولار على بحوث المناخ في 2025، وهو انخفاض بنسبة 25٪ مقارنة بالعام 2024 لتبلغ 219 مليون دولار فقط.
وفقا للمقربين، تلاحظ تبني إدارة ترامب سياسة مناهضة لمؤسسات التعليم العالي، وخصوصا الجامعات البحثية المرموقة؛ حيث تأثرت أكثر من 600 جامعة وكلية أمريكية بتخفيضات التمويل الفيدرالي، وفق تقديرات أصدرها مركز التقدم الأمريكي في في يوليو 2025، وذلك على النحو التالي:
(-) تقليص 400 مليون دولار من التمويل الفيدرالي لجامعة كولومبيا في مارس 2025، وتجميد 2.2 مليار دولار من منح جامعة هارفارد في أبريل 2025، وخسارة جامعة كورنيل مليار دولار من التمويل الفيدرالي.
(-) شهدت جامعات أمريكية عدة تخفيضات -أو تجميدا- في التمويل الحكومي بمئات الملايين من الدولارات في إطار سعي إدارة ترامب للسيطرة على السياسات الداخلية لتلك الجامعات فيما اعتبر انتهاكا خطيرا للحرية الأكاديمية، ومنها جامعة بنسلفانيا (175 مليون دولار)، وجامعة برينستون (210 مليون دولار)، وجامعة نورثويسترن (790 مليون دولار).
(-) أثرت قيود الإدارة الأمريكية على استعانة الجامعات الأمريكية بالطلاب الدوليين، حيث ألغيت حوالي 8000 تأشيرة طلابية، مما أدى إلى انخفاض عدد الطلاب الدوليين القادمين إلى الولايات المتحدة بنسبة 19٪ مقارنة بالعام السابق.
(-) على الرغم من أن التمويل الجامعي قد أُعيد جزئيا، إلا أن تقدم البحث العلمي تأثر بشكل كبير خلال العام الماضي؛ حيث اضطرت ست جامعات للتفاوض مع إدارة ترامب من أجل التوصل إلى تسويات كبيرة لاستعادة التمويل الفيدرالي. فيما لجأت جامعة هارفارد إلى مقاضاة إدارة ترامب، حيث حكم قاض فيدرالي بأن إنهاء المنح كان “هجوما مستهدفا بدوافع أيديولوجية”.
انعكاسات متنوعة:
إلى جانب الخسائر المباشرة في البحث العلمي الحيوي، تترتب على خفض التمويل تداعيات اقتصادية ممتدة على المدى الطويل؛ إذ تشير تقديرات مكتب الميزانية في الكونجرس إلى أن كل دولار يستثمر في البحث والتطوير غير الدفاعي يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي بنحو 11.50 دولار خلال ثلاثة عقود. كذلك، فإن انخفاض أعداد الطلاب الدوليين ينذر بخسارة عشرات المليارات من الدولارات للاقتصاد الأمريكي.
ويشكل تراجع تدفق المواهب الأجنبية تهديدا مباشرا لقدرة الولايات المتحدة على الابتكار المستقبلي في مجالات العلوم والتكنولوجيا، إذ تشير البيانات إلى أن نحو 55٪ من الشركات الناشئة الأمريكية -التي تتجاوز قيمتها مليار دولار- تضم مؤسسا واحدًا على الأقل من المهاجرين، مما يعكس الدور الحيوي للاستعانة بالمواهب الدولية في دفع عجلة ريادة الأعمال والابتكار بالولايات المتحدة.
وتكشف البيانات أن الحكومة الفيدرالية فقدت نحو 10 آلاف و109 من الخبراء الحاصلين على درجة دكتوراه في العلوم والمجالات المرتبطة بها في 2025، أي ما يعادل 106 ألف و636 سنة خبرة مهنية. وفقدت كل وكالة من 14 وكالة فيدرالية عددا أكبر من الحاصلين على الدكتوراه في 2025 مقارنة بـ2024، بمعدل ثلاثة أضعاف تقريبا.
تُظهر البيانات أن الحكومة الفيدرالية فقدت في عام 2025 نحو 10 آلاف و109 من الخبراء الحاصلين على درجات دكتوراه في العلوم والتخصصات المرتبطة بها، بما يعادل إجمالًا أكثر من 106 آلاف سنة من الخبرة المهنية. كما شهدت جميع الوكالات الفيدرالية زيادة ملحوظة في فقدان الكفاءات مقارنة بعام 2024، إذ ارتفع عدد المغادرين من حملة الدكتوراه إلى ما يقارب ثلاثة أضعاف. ويؤدي تسريح الخبراء وفقدان سنوات الخبرة إلى انخفاض القدرة التنافسية الأمريكية في المشاريع البحثية الكبرى مثل الطاقة المتجددة، وأبحاث المناخ، والتكنولوجيا الحيوية.
استراتيجيات معاكسة:
في المقابل، تنتهج الصين سياسات معاكسة تماما لإجراءات إدارة ترامب، مستهدفة زيادة الاستثمار في البحث والتطوير وجذب المواهب الأجنبية. ففي 2025، تجاوز إنفاق الصين على البحث والتطوير 3.92 تريليون يوان (نحو 569 مليار دولار أمريكي)، ليصل إلى 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك في الوقت الذي كشفت فيه البلاد عن خطط لتسريع زخم الابتكار حتى عام 2030، وأطلقت برامج تأشيرات للطلاب والخريجين الدوليين، وشجعت استقدام الطلاب الدوليين عبر منح دراسية كاملة.
وتظهر المؤشرات أن الصين تتقدم في عدة مجالات علمية، مثل براءات الاختراع (بلغ عدد براءات الاختراع السارية في البر الرئيسي الصيني بلغ 5.32 مليون حتى نهاية سنة 2025 بحسب الهيئة الوطنية الصينية للملكية الفكرية.
وانتقلت الصين من مجرد تراكم براءات الاختراع إلى التركيز على براءات الاختراع “عالية القيمة” لتعزيز النمو الاقتصادي، مع متوسط 16 براءة اختراع لكل 10 آلاف شخص في 2025، مع التركيز على المجالات الاستراتيجية مثل الذكاء الاصطناعي، وتكنولوجيا الاتصالات، والطاقة المتجددة.
وتجاوزت الجامعات الصينية نظيراتها الأمريكية في قائمة “جلوبال 2000” لتصنيف الجامعات على مستوى العالم لأول مرة في عام 2025. ويقيس تصنيف “جلوبال 2000” جودة التعليم والتدريب للطلاب، ومكانة أعضاء هيئة التدريس، وتأثير البحوث، مشيرا إلى أن قائمة عام 2025 ضمت 346 مؤسسة صينية مقابل 319 مؤسسة أمريكية، مما يعكس ليس فقط التطور السريع لنظام التعليم العالي في الصين، بل أيضا التزام بكين الراسخ بالتطوير الأكاديمي والابتكار والتأثير العالمي.
وتصدرت الصين تصنيف مجلة “يو إس نيوز آند وورلد ريبورت” لأفضل الجامعات العالمية بـ396 جامعة من بين 2250 جامعة من أكثر من 100 دولة ومنطقة، في إشارة إلى أن المؤسسات العلمية الصينية باتت قادرة على المنافسة بقوة مع الجامعات العالمية الرائدة.
وفي النهاية، فإن سياسات إدارة ترامب في تخفيض تمويل البحث العلمي والتطوير وفرض قيود على الطلاب الدوليين لم تكن مجرد إجراءات إدارية، بل خطوات استراتيجية قصيرة النظر تهدد مستقبل الابتكار الأمريكي؛ إذ يزيد فقدان التمويل، وتعطيل الجامعات البحثية الكبرى، وتراجع تدفق المواهب الدولية، من فجوة الولايات المتحدة مع الصين والدول الأخرى التي تستثمر بشكل كبير في العلوم والتكنولوجيا، ويؤدي إلى تآكل تدريجي لمكانة الولايات المتحدة العالمية في المجالات العلمية والتكنولوجية، وإضعاف قدرتها على المنافسة الاقتصادية والاستراتيجية في العقود القادمة.