د. نورهان العباسي تكتب.. كيف تجاوز “ترامب” اختصاصات الكونجرس في ولايته الثانية؟

جاءت الضربات التي أمر بها الرئيس دونالد ترامب ضد إيران دون تفويض مسبق من الكونجرس، لتفتح بابًا واسعًا للنقاش حول طبيعة موازين القوى داخل النظام السياسي الأمريكي في ولايته الثانية، فالمسألة لم تعد مجرد قرار عسكري عابر، بل تحوّلت إلى مؤشر على نمط حكم يقوم على توسيع السلطة التنفيذية إلى أقصى حدودها، ولو على حساب الدور الدستوري للسلطة التشريعية.

فمنذ عودته إلى البيت الأبيض، تبنّى ترامب نهجًا أكثر حسمًا وأقل اكتراثًا بالتوافق المؤسسي. صحيح أن الدستور الأمريكي يمنح الرئيس صفة القائد الأعلى للقوات المسلحة، إلا أن سلطة إعلان الحرب تبقى اختصاصًا حصريًا للكونجرس. هنا تحديدًا تتبلور الأزمة: هل ما جرى ممارسة مشروعة للصلاحيات التنفيذية في إطار “الضرورة الأمنية”، أم تجاوز صريح لمبدأ الفصل بين السلطات؟.

إيران… اختبار الشرعية الدستورية:

التحرك العسكري ضد إيران مثّل ذروة هذا الجدل، حيث اعتبر عدد من المشرعين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي أن الرئيس تجاوز سلطاته، فيما دفع ديمقراطيون باتجاه تفعيل “قرار صلاحيات الحرب” الذي يقوده السيناتور تيم كين، والرامي إلى سحب القوات من أي أعمال عدائية غير مصرح بها.غير أن الانقسام داخل الحزب الديمقراطي، مقابل اصطفاف جمهوري واسع خلف الرئيس، قلّل من فرص تحوّل هذا الغضب إلى إجراء تشريعي حاسم.

فنزويلا.. سابقة تتكرر:

لم تكن إيران الحالة الأولى، ففي فنزويلا، نفذت القوات الأمريكية عمليات عسكرية وأمنية طالت نظام الرئيس نيكولاس مادورو دون استشارة تشريعية مسبقة. ورغم اعتراضات الديمقراطيين، فقد فشل أي مسعى لتمرير قرار يقيّد تحركات الإدارة.

هذا التكرار يعكس نمطًا واضحًا: قرارات أمنية كبرى تُتخذ من المكتب البيضاوي، فيما يكتفي الكونجرس بردود فعل لاحقة غير مؤثرة.

الرسوم الجمركية… معركة الصلاحيات الاقتصادية:

في الملف الاقتصادي، لجأ ترامب إلى “قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية” لفرض تعريفات جمركية واسعة، متجاوزًا آلية الموافقة التشريعية المباشرة للكونجرس، غير أن المحكمة العليا الأمريكية أبطلت معظم هذه الإجراءات، معتبرة أنها تفتقر للأساس القانوني الكافي.

المفارقة أن الإدارة الأمريكية لم تتجه للكونجرس طلبًا للتفويض، بل ألمحت إلى استخدام تشريعات أخرى قائمة لفرض جولة جديدة من الرسوم، ولو لفترة محدودة. هنا يظهر اتجاه واضح وهو البحث عن ثغرات قانونية داخل المنظومة بدلاً من التفاوض مع السلطة التشريعية.

قرارات رمزية بصلاحيات ملتبسة:

حتى في القضايا الرمزية، مثل تغيير أسماء مؤسسات أو مواقع رسمية، اتجه ترامب إلى إصدار أوامر تنفيذية رغم أن الإجراء النهائي يتطلب قانونًا من الكونجرس. هذه الخطوات، وإن بدت شكلية، تعكس تصورًا أوسع لدور الرئاسة كقوة مركزية قادرة على إعادة تشكيل الرمزية الوطنية بقرار منفرد.

إعادة هيكلة الدولة الفيدرالية:

في بداية ولايته الثانية، تحركت الإدارة الأمريكية لإغلاق أو دمج وكالات فيدرالية، وتسريح موظفين في مؤسسات مثل وكالة حماية البيئة ووكالة ناسا وغيرها، لكن هذه التحركات اصطدمت بجدار القضاء، حيث أصدرت محاكم اتحادية أحكامًا بإعادة بعض الموظفين، معتبرة أن الإدارة تجاوزت حدودها القانونية.

وهنا يظهر بوضوح أن الصراع لم يعد فقط بين البيت الأبيض والكونجرس، بل امتد إلى السلطة القضائية باعتبارها خط الدفاع الأخير عن التوازن الدستوري.

ماذا يعني هذا التحول؟

(*) إعادة تعريف السلطة التنفيذية: تسعى إدارة ترامب إلى تكريس مفهوم “الرئاسة القوية” التي تتحرك بسرعة وحسم في عالم مضطرب، حتى لو تطلّب الأمر تقليص الدور العملي للكونغرس.

(*) إضعاف مبدأ الفصل بين السلطات: إذا استمر هذا النهج دون مقاومة مؤسسية فعالة، فقد يصبح سابقة تُعيد صياغة الأعراف السياسية الأمريكية لعقود مقبلة.

(*) انعكاسات دولية: حين تتحرك واشنطن عسكريًا أو اقتصاديًا دون توافق داخلي واسع، فإن ذلك يرسل إشارات متناقضة للحلفاء والخصوم، ويؤثر على صورة الاستقرار المؤسسي الأمريكي.

(*) اختبار للمعارضة الديمقراطية: الانقسامات داخل الحزب الديمقراطي تقلل من فاعلية المواجهة التشريعية، ما يمنح الإدارة مساحة أوسع للمناورة.

في النهاية، يمكن القول إن ما يحدث في ولاية ترامب الثانية لا يمكن قراءته كأحداث منفصلة، بل كمسار متكامل لإعادة تموضع السلطة داخل النظام الأمريكي. بين من يرى في ذلك قيادة حاسمة تواكب التحديات العالمية، ومن يعتبره انزلاقًا نحو تهميش المؤسسات، تبقى الحقيقة أن الصراع الدستوري الدائر اليوم سيترك أثرًا عميقًا على شكل الحكم في الولايات المتحدة، وعلى قدرة الكونجرس مستقبلًا على استعادة توازنه أمام الرئاسة.

إنها ليست فقط معركة حول إيران أو الرسوم الجمركية، بل معركة حول تعريف من يحكم… وكيف يُحكم.

د. نورهان العباسي

د. نورهان العباسي، نائب أول مدير المركز للدراسات و البحوث ورئيس برنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة أستاذ مساعد الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. حصلت على درجة الدكتوراه في الصحافة والإعلام من جامعة وستمنستر بالمملكة المتحدة. الباحثة عملت في العديد من مراكز الفكر العربية والدولية منها في مصر وقطر والمملكة المتحدة، وهي متخصصة في مجالات الاقتصاد السياسي للإعلام، وإدارة الأزمات الإعلامية، ودراسات التحولات المجتمعية في الدول العربية، هذا بالإضافة إلى قضايا المرأة والأقليات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى