علي محمد الشرفاء يكتب: في اليوم العالمي لحفظ السلام.. كيف يصنع الإسلام سلام الإنسان؟

قبل ساعات قليلة، مر التاسع والعشرون من مايو، اليوم الدولي لحفظة السلام التابع للأمم المتحدة، وهي مناسبة سنوية تستدعي التأمل في قيمة السلام بوصفه أحد أعظم الإنجازات الإنسانية وأصعبها تحقيقًا واستدامة. فمنذ تأسيس الأمم المتحدة، ظل السلام الهدف الأسمى الذي تسعى المنظمة إلى ترسيخه عبر الوسائل الدبلوماسية وعمليات حفظ السلام وتسوية النزاعات بين الدول والشعوب.

غير أن التجارب الدولية المتعاقبة أثبتت أن السلام لا يمكن أن يستند إلى موازين القوة وحدها أو إلى الاتفاقات السياسية المؤقتة، بل يحتاج إلى منظومة أخلاقية وقيمية راسخة تؤسس للعدل والرحمة واحترام الإنسان. ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل حول المرجعية القادرة على تقديم دستور حقيقي للسلام العالمي، وهي المرجعية التي يجد كثيرون أن القرآن الكريم قد وضع أسسها منذ قرون طويلة، من خلال دعوته إلى التعارف بين الشعوب، ونبذ العدوان، وإعلاء قيمة العدل، وترسيخ مبدأ كرامة الإنسان باعتباره أساس الاستقرار والأمن والسلام بين الأمم.

الإسلام يصنع السلام:

إن دين الإسلام كما أراده الله تعالى للناس ليس طقوسا جامدة ولا مجرد صلوات على الرسول صلى الله عليه وسلم وتسبيح وجلوس في المساجد ساعات طوال إنما الإسلام الذي احتوت آياته دعوة للعلم والعمل والبحث في الأرض عن كنوزها واكتشاف ما تحت باطنها ليوظفها الإنسان في الاستفادة بها في حياته والارتقاء بمعيشته ورفاهيته قال تعالى: “هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه” الملك 15.

الإسلام دعوة للتعمير والبناء واكتشاف السماء ودراسة الفلك لتوظيفه في خدمة الناس قال تعالى: “سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق” فصلت 53.

الإسلام دعوة للتعاون وتحريم العدوان ودعوة للرحمة والتعامل بالحسنى بين أفراد المجتمعات الإنسانية قال تعالى: “وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان” المائدة 2.

الإسلام مشروع إلهي ينظم العلاقات بين الناس أساسه العدل والإحسان ونشر السلام في البلدان قال تعالى: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان” النحل 90.

الإسلام مشروع حضاري دعوة للتشاور بين الناس في القرارات المصيرية ووضع الخطط لبناء المستقبل للأجيال القادمة قال تعالى: “وأمرهم شورى بينهم” الشورى 38.

وقد رفع الإسلام من شأن الحرية حين ترك للناس الحرية المطلقة في الإيمان به أو الكفر به كما قال سبحانه مخاطبا رسوله عليه الصلاة والسلام: “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” الكهف 29.

الإسلام يدعو لوضع استراتيجية للدفاع عن النفس والوطن كما قال تعالى: “وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة” الأنفال 60.

الإسلام يعلم الناس القيادة وأخلاقياتها ومبادئها ويعلمهم التربية للأجيال القادمة على الأمانة والشجاعة والمصداقية والتواضع والمعاملة الحسنة قال تعالى: “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها” النساء 58.

ويعلم الإنسان أن الله يراه وهو أقرب إليه من حبل الوريد يرى أعماله وتسجل الملائكة في سجله كل حسناته وسيئاته قال تعالى: “ونحن أقرب إليه من حبل الوريد” ق 16.

الدعوة للأخوة الإنسانية:

الإسلام يعلم الإنسان ألا يخشى إلا الله وأن يصدح بالحق وينزع منه الخوف ويشجعه على الامتناع عن الظن السيئ كما قال تعالى: “فلا تخشوا الناس واخشون” المائدة 44.

الإسلام يعلم الإنسان العطف على الضعيف واستجابة المظلوم ومواجهة الظالمين قال تعالى: “وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين” النساء 75.

ويعلم الإنسان العطاء من الزكاة بنسبة من مكاسبه لتحقيق التقارب بين الأغنياء والفقراء لتنتشر بينهم المحبة والخير والتعاون ويعيش الجميع في الوطن يعزفون لحنا واحدا كلنا للوطن وحميه بالروح والدم فلا تجد فيهم عميلا ولا خائنا لأن المجتمع قد سد حاجة الناس فأصبح الجميع لديهم العزة يدافعون عن وطنهم ولا يبيعون شرفهم قال تعالى: “خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها” التوبة 103.

ذلك بعض من رسالة الإسلام من عند رب الناس الذي يريد لهم الحياة الطيبة كما قال سبحانه: “من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة” النحل 97.

أما من ألف الروايات المزورة على الرسول واتخذ منحى مغايرا لأمر الله باتباعه كتب التراث المحرفة فقد حكم على نفسه من الكافرين.

ولا يمكن لأي إنسان مؤمن بالله حق الإيمان إلها واحدا لا شريك له ويؤمن بأن القرآن كلام الله يهدي الناس إلى طريق الحق المستقيم ويشهد أن محمدا رسول الله وخاتم النبيين أن يعتدي على غيره أو يستغيب أخا له أو قريبا من أهله ومن المستحيل أن لا يعين الملهوف أو الضعيف أو يستولي على مال غيره وممتلكاته أو يخون في عمله أو يغدر بصاحبه أو ينافقه أو يكذب عليه أو يسب غيره بكلمة نابية أو يطلب ضعيف عونه فلا يعينه.

كل تلك الصفات وغيرها مما وصف الله به المؤمنين إن لم يتمسك بها الإنسان ويمارسها سلوكا فقد خرج من روح الإسلام قال تعالى: “قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون” المؤمنون 1–8.

تلك بعض شروط المسلم الحق ومن لم يطبقها كلها فقد خسر الدنيا والآخرة كما قال تعالى: “ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما” طه 112.

لكننا نؤكد أن التراث دعوة للباطل وتحريض للناس على اتباع الهوى والشهوات وهي وسيلة الشيطان في استدراج الإنسان للعصيان أما القرآن دعوة الحق من رب رحيم لطيف بعباده يرعاهم ويحنو عليهم من الانحراف عن طريق الحق ولكن إذا رفض العباد عظاته وتخلوا عن هدايته وحمايته أصابهم عقابه وغضبه لأنهم استهانوا بكلام الله وخالفوا نصائحه سبحانه.

ويأتي تحذير الله للرسول الذي يسري على المؤمنين في قوله تعالى: “وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون” المائدة 49. هذه الآية تتحدث عن الذين اتبعوا الهوى وساقهم الشيطان إلى هجر القرآن والله أمر رسوله بأن يحكم بما أنزل الله من الآيات القرآنية وهذا الأمر موجه أيضا للمؤمنين ونحن طاعة لله نلبي أمره ونبلغ الناس حكم الله الذي أنزله على رسوله في الكتاب المبين حتى نكون صادقين دون مواربة أو مجاملة فكلمة الحق هي الحكم بين الآيات والروايات وإن التراث كله هو ما أوحى به الشيطان للناس لكي يحقق وعده أمام الله ساعة خلق آدم حين قال كما ورد في كتاب الله: “قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين” الأعراف 16–17.

دعوة للتعاون:

إن الإسلام كما أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ليس دينا للتفرقة أو التعصب أو تقديس الروايات البشرية بل هو منهج حياة متكامل يعلي من شأن العقل والعلم والعدل والحرية ويزرع في القلوب الرحمة والمحبة بين الناس ومن أراد النجاة في الدنيا والآخرة فعليه أن يعود إلى القرآن الكريم وحده مصدر الهداية والنور لا إلى كتب البشر التي مزجت الوحي بالخرافة وجعلت الدين وسيلة للفرقة والصراع فمن اتبع هدى الله نال رضاه ومن اتبع أهواء الناس ضل وأضاع نفسه كما قال تعالى: “فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى” طه 123. ذلك هو الإسلام كما أراده الله للناس رسالة علم وعمل ورحمة وعدل وسلام بين الأمم.

كما أن الله سبحانه وتعالى لم يمنح أي إنسان حق التشريع في جميع الأديان بل دعوة الله للناس جميعاً أن يعيشوا في الحياة الدنيا في أمن وسلام ومحبة وتعاون على البر والتقوى، ونهى الله سبحانه عن التعاون على الإثم والعدوان.

وكل الموروث والتقاليد البالية لدى المسلمين لا تمت بصلة لرسالة رب العالمين، رسالة الرحمة والتسامح والمحبة والتسابق في الخيرات ومحاربة الكراهية والأحقاد والكبرياء والتعالي على الناس، فكل الناس سواسية أمام الله وأمام القانون، فلا ميزة لقوم على غيرهم، والله بواسطة رسوله عليه السلام بين لهم أنهم جميعاً إخوة في الخلق، كما وضحه فى الكتاب المبين قول الله سبحانه ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ } النساء (١).

السلم والسلام في التشريع الإلهي:

فنحن أشقاء فى الخلق، أمرنا الله سبحانه بنشر السلام والتعاون فيما بين الناس جميعاً في أمره سبحانه للناس جميعاً بقوله {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ۚ} المائدة (٢) .

ودعا الله كل الناس للدخول في السلم كافة فى تشريعاته بقوله سبحانه ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ البقرة (٢٠٨) .

وهذا التشريع والأمر الإلهي للناس جميعاً يحذر الناس أن كل من يدعو للكراهية من الناس جميعاً لقد إتبع خطوات الشيطآن، وقد كلف الله رسوله عليه السلام بإبلاغ الناس بأمره سبحانه ﴿ وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا﴾ الاسراء ( ٥٣) . كما أمر الله سبحانه الناس جميعاً بإفشاء السلام في قوله بما نطق عنه رسول الله ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ النساء (٨٦)

المفكر على محمد الشرفاء

مفكر وكاتب عربي مشغول بهموم أمته.. لديه رؤية ومشروع استراتيجي لإعادة بناء النظام العربي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.. وينفذ مشروع عربي لنشر الفكر التنويري العقلاني وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام.. الكاتب قدم للمكتبة العربية عدداً من المؤلفات التي تدور في معظمها حول أزمة الخطاب الديني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى