د. أبوالفضل الإسناوي يكتب: الاستراتيجية أولًا.. كيف يفكّر د. “السبكي” في هيئة الرعاية الصحية خلال 2026

لا ينظر الدكتور أحمد السبكي إلى عام 2026 باعتباره بداية منفصلة عما سبق، بل يراه مرحلة متقدمة في مسار إصلاحي واضح، يقوم على الالتزام الدقيق بخطة الدولة لتطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل، وترجمة التكليف الوطني إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن داخل المستشفى ووحدة الرعاية الصحية. فطريقة التفكير هنا لا تعتمد على إدارة الملفات بصورة تقليدية، وإنما على قيادة منظومة متكاملة تعمل بإيقاع واحد، وتتحرك وفق جدول زمني منضبط، يكون فيه الوقت عنصرًا حاسمًا في تحقيق الإنجاز.
ويرتبط هذا النهج ارتباطًا مباشرًا بالالتزام الكامل بتكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي بالإسراع في استكمال تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل في جميع محافظات الجمهورية، وبالتوجيهات المستمرة لرئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، ومتابعة وزير الصحة نائب رئيس مجلس الوزراء الدكتور خالد عبد الغفار التي تؤكد ضرورة الجمع بين سرعة التنفيذ وضمان الجاهزية والاستدامة. ومن هذا المنطلق، يتعامل الدكتور أحمد السبكي مع المرحلة الثانية من المنظومة باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على الإنجاز المنضبط، دون إخلال بمعايير الجودة أو الاعتماد.

ومن أبرز سمات أسلوبه في الإدارة الاعتماد على العمل بروح الكتيبة. فالقيادة داخل هيئة الرعاية الصحية لا تُمارَس من موقع بعيد، بل من قلب الميدان، وسط الفرق الطبية والإدارية داخل المستشفيات ووحدات الرعاية الصحية. هذه الروح الجماعية خلقت حالة من التماسك المؤسسي، جعلت كل فرد داخل المنظومة يشعر بأن دوره مؤثر، وأن نجاحه الشخصي جزء لا يتجزأ من نجاح الفريق ككل. وظهر ذلك في سرعة الاستجابة للتحديات، ودقة التنفيذ، والقدرة على تجاوز الضغوط اليومية دون تعطيل لمسار العمل.
ويحتل ملف العاملين مكانة مركزية في هذا التفكير. فالدكتور أحمد السبكي ينطلق من قناعة راسخة بأن أي منظومة صحية، مهما بلغت قوة بنيتها التحتية، لا يمكن أن تحقق أهدافها دون كوادر تشعر بالتقدير والدعم. ومن هنا جاء التركيز على سياسات الدعم المعنوي ورضاء العاملين، وتجسيدها في قيد جمعية الخدمات الاجتماعية للعاملين بالهيئة، باعتبارها مظلة مؤسسية تعزز الاستقرار الاجتماعي والنفسي، وتدعم استمرار العطاء داخل بيئة العمل، وتُرسّخ الانتماء المؤسسي.
وعلى مستوى التخطيط، يتعامل رئيس الهيئة مع البنية التحتية الصحية باعتبارها وسيلة لتحقيق جودة الخدمة، لا هدفًا في حد ذاتها. فالمستشفيات الجديدة، وتطوير القائم منها، والتوسع في وحدات الرعاية الصحية الأولية، تُدار جميعها وفق تخطيط صحي دقيق، يراعي التوزيع السكاني، واحتياجات كل محافظة، والتكامل بين مستويات الرعاية، بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد، وتوفير الوقت في تقديم الخدمة.
وتأتي الرعاية الصحية الأولية في صدارة أولويات العمل خلال 2026، باعتبارها خط الدفاع الأول عن صحة المواطن. فالتوسع في عيادات طب الأسرة، وربط المواطنين بها وفق معايير سكانية واضحة، يعكس توجهًا استراتيجيًا يقوم على الوقاية والمتابعة المستمرة، بدلًا من الاكتفاء بالعلاج داخل المستشفيات. ويتكامل هذا التوجه مع حملات المتابعة الطبية المنزلية لكبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، وتوصيل الأدوية للمستحقين، بما يعزز مفهوم الخدمة القريبة من المواطن ويخفف الضغط على المنشآت الصحية الكبرى.
وفي هذا السياق، يحظى الصعيد باهتمام خاص داخل خطة العمل، باعتباره جزءًا أساسيًا من المرحلة الثانية لمنظومة التأمين الصحي الشامل. فالعمل في محافظات الصعيد، وما تضمه من قرى ونجوع، يجري وفق رؤية تجعل وحدة الرعاية الصحية الأولية نقطة ارتكاز حقيقية للخدمة، وليست مجرد مبنى. وتُعد محافظة المنيا نموذجًا تطبيقيًا لهذا التوجه، من خلال إعادة تقييم المنشآت الصحية، ووضع خطة تنفيذية تدريجية تضمن الجاهزية الكاملة قبل التشغيل، وتؤكد الالتزام بالخطة الزمنية دون استعجال غير محسوب.
ولا يكتمل الحديث عن تفكير الدكتور أحمد السبكي في 2026 دون التوقف أمام خبرته في إدارة الأزمات. فقد أثبتت هيئة الرعاية الصحية خلال جائحة كورونا أنها حصن طبي آمن للدولة المصرية، قادر على التعامل مع الطوارئ الصحية الكبرى بكفاءة وانضباط. وكانت مستشفيات محافظة الأقصر خلال المرحلة الأولى من تطبيق المنظومة دليلًا عمليًا على هذا النجاح، حيث استطاعت التعامل مع الجائحة في ظروف استثنائية، بفضل جاهزية البنية التحتية، وانضباط الفرق الطبية، وسرعة اتخاذ القرار.
هذه التجربة لم تكن استجابة مؤقتة، بل تحولت إلى خبرة مؤسسية جرى البناء عليها في تعزيز الجاهزية الدائمة للطوارئ. ففي تفكير رئيس الهيئة، تظل هيئة الرعاية الصحية درعًا طبيًا وطنيًا، مستعدًا لأي تحدٍ صحي، سواء كان وباءً عالميًا أو أزمة محلية. ولهذا يستمر الاستثمار في التدريب، والتحول الرقمي، وإدارة سلاسل الإمداد، بما يضمن سرعة الاستجابة واستمرارية الخدمة في أصعب الظروف.
في المحصلة، يمكن القول إن تفكير الدكتور أحمد السبكي في 2026 يقوم على معادلة واضحة: التزام كامل بالتكليف الوطني، عمل جماعي بروح الكتيبة، جاهزية دائمة للطوارئ، وتسريع للإنجاز مع الحفاظ على أعلى معايير الجودة. رؤية تجعل من هيئة الرعاية الصحية ليس مجرد مقدم خدمة، بل حصنًا طبيًا آمنًا للدولة والمواطن، وقاطرة أساسية في مسار التحول الصحي الشامل في مصر.