سلاح ذو حدين: المواقع الإليكترونية وتهديدات الأمن القومى

قبل عقدين من الزمان تقريباً، كان من السهل تحديد دوائر التهديد المحتملة للأمن القومي، سواء على المستوى الخارجي أو على المستوى الداخلي، فمصادر التهديد كانت معروفة بدقة للجهات المعنية، وكان التعامل معها وفق استراتيجيات معروفة، وخطط تحرك جاهزة، إزاء كل الملفات، بيد أن الثورة المعلوماتية، والتطور الهائل فى وسائل الاتصال، الذى انطلق بعملية الإعلام والاتصال من نطاق المحلية والتعتيم والمحدودية إلى آفاق الانتشار واللامحدودية، قد خلق تحديات جديدة، حيث أصبح العالم كقرية صغيرة ، أقرب إلى غرفة يسكنها ملايين البشر، و اصبحت الأنباء والأخبار عن الأحداث المختلفة، يتم تتداول لحظياً وقت وقوعها، مما سرع من وتيرة التهديدات، واستوجب تغيراً شاملاً في استراتيجيات وتكتيكات التعامل معها.

مفهوم الأمن القومى: المدارس المختلفة 

الأمن فى اللغة هو الاطمئنان وعدم الخوف ، فإذا اطمأن الإنسان ولم يخف فهو آمن، ويُقال لك “الأمان” أى قد أمنتك ، وأمنَ البلد أى اطمأن فيه أهله، وبذلك يصبح الأمن عكس الخوف ، وهنا يتضح المعنى الخاص بالأمن وهو الشعور بالطمأنينــة. تتفق معظم الأدبيات التي قامت بتعريف مفهوم الأمن على أنه يشير عموماً إلى تحقيق حالة من انعدام الشعور بالخوف، وإحلال شعور الأمان ببعديه النفسي والجسدي محل الشعور بالخوف، والشعور بالأمان قيمة إنسانية كونية مرغوبة لا تقتصر على فئة اجتماعية معينة أو مرتبطة بمستوى الدخل. وتختلف المدارس الفكرية في نظرتها للأمن القومي، كما يلي:

المدرسة الإستراتيجية . ترى أن الأمن القومى هو بناء قوة عسكرية و تطويرها بحيث تكون قادرة على التصدى لأى عدوان خارجى على الدولة و دحره . فهذه المدرسة ترى أن الأمن القومى يرتبط بقدرة الدولة العسكرية فى مواجهة الأخطار الخارجية ، و يتولى تحقيق هذا الأمر الجيوش و الأجهزة الأستخباراتية. يعيب هذا التعريف عدة نقاط ، أهمها أن تهديدات الأمن القومى ليست عسكرية فقط ،كما أن الجانب العسكرى فقط لا يكفى وحده لتحقيق الأمن القومى، و قد يؤدى لزيادة مُغالى فيها فى الأنفاق العسكرى، الذي قد يأتي على حساب التنمية أحياناً، في حال لم يكن الإنفاق العسكري متوافقاً مع طبيعة التهديدات المحتملة للدولة وفق بيئتها الاستراتيجية وتوازنات القوة مع دول الجوار ومصادر التهديد.

المدرسة التنموية . ترى أن الأمن القومى يتحقق عندما تستطيع الدولة أن توفر الحماية لأفراد المجتمع ضد الأخطار الإقتصادية الداخلية ، وتأمين الموارد الإقتصادية الحيوية للدولة لتجنب أى ضغوط خارجية. و يرى البعض أن التنمية الإقتصادية وحدها أيضاً ليست كافية لتحقيق الأمن القومى، فالتنمية تحتاج لقوة تحميها، حتى لا تتحول لمصدر لأطماع دول أخرى، أو أن تكون مصدر محتمل لتكبيد الدولة خسارة في استماراتها المادية، من خلال ضرب البنية التحتية مثلاً من جانب قوى الإرهاب والتطرف، كما شاهدنا في فترة ما بعد 2011، من خلال تفجير خطوط نقل الغاز المصري لدول الجوار، ومحاولات تفجير بعض الكباري والطرق الحيوية في الدولة. أو من خلال ضرب قطاعات حيوية في الاقتصاد، كما حدث لمصر في تسعينات القرن الماضي، عندما ركزت قوى التطرف على ضرب قطاع السياحة.

المدرسة التكاملية . ترى أن مفهوم الأمن القومى يشمل الجانب العسكرى و الجانب الإقتصادى والجانب السياسى، الذى يتأتى عن طريق الحفاظ على وحدة الإقليم و الكيان المتماسك للمجتمع فى مواجهة الأخطار الداخلية و الخارجية. وهي المدرسة التي تقدم رؤية شاملة لمفهوم الأمن القومي.

بناء على ما سبق يمكن تعريف الأمن القومى بأنه (قدرة الدولة على توفير أكبر قدر من الحماية والاستقرار لمصالحها الوطنية و القومية في كافة المجالات السياسية والاقتصادية و الاجتماعية و الايدلوجية والعسكرية والبيئية ضد كافة أنواع التهديدات الداخلية والخارجية سواء إقليمية أو عالمية”.

ترتيب الأولويات: التهديدات الراهنة للأمن القومى المصرى

يتعرض الأمن القومى لكثير من التحديات والتهديدات التى قد تعرضه للخطر، فنجد العديد من المصاعب التى تواجه الدولة المصرية وقد تحد من معدل نموها، أو تشكل عائقاً أمام تقدمها وتتلخص فيما يلى :-

محاولات خلق حالة من التوتر والهشاشة الأمنية على مناطق التماس للحدود المصرية، غرباً وجنوباً وشرقاً، ولعل ما نشاهده منذ سنوات على الحدود مع ليبيا خير مثال، نتيجة ضعف السلطة المركزية و انقسام الدولة سياسياً واجتماعياً على نحو مناطقي وقبلي، علاوة على تواجد جماعات مسلحة فى ليبيا، والتى يصل عددها إلى العشرات، والتي تستغل هشاشة الوضع السياسي والأمني للسيطرة على بعض مؤسسات الدولة ومقدراتها الاقتصادية، هذا بالإضافة لمحاولات بعض القوى الخارجية التدخل ضد الاستقرار في ليبيا، ولعل التدخل التركى السافر فى ليبيا خير مثال على ذلك، حيث تحاول تركيا ومن يدور في فلكها استخدام الحدود الغربية لمصر كورقة ضغط على الدولة المصرية من خلال محاولات اختراق الحدود و تهريب الاسلحة و الأتجار بالبشر، مما يبعث على برسائل مستمرة للداخل والخارج بالقلق وعدم الاستقرار. وقد نجحت الدولة المصرية في التعامل الحاسم والمرن في نفس الوقت مع هذه التهديدات، ونجحت حتى الآن في تحويل مسار الصراع الليبي باتجاه التسوية السياسية.

محاولات التلاعب بالأمن المائى لمصر من خلال اقامة مشروعات و سدود مائية على مجرى النهر الدولى دون اعتبار لحقوق مصر التاريخية و القانونية الموثقة باتفاقيات دولية فى الحصول على حصة من ماء النيل ، وهى مسألة تهدد الدولة المصرية وجوداً و عدماً. واستغلال قوى خارجية قضية المياة من أجل تمرير سياسات معينة في المنطقة، والتي لا يمكن لها أن تمر دون إضعفاف مصر وإبقائها رهينة لدول أخرى. وهو ما تتصدى له الدولة المصرية بكل قوة وحسم حتى الآن.

محاولات بعض الدول تقويض القدرات الاقتصادية لمصر على المستوى الخارجي، من خلال فرض القيود على الاقتصاد والمنتجات المصرية، ووضع اشتراطات و مواصفات تعجيزية لإستيراد أو تصدير السلع والمنتجات، لا سيما السلع الهامة و الإستراتيجية لمصر أو التى تدر دخلاً يساهم فى تدعيم الوضع الإقتصادى للبلاد. ومن بينها أيضاً إصدار تقارير من منظمات وجهات تفتقد المصداقية أو على الأقل مشكوك في دوافعها حول حالة الاقتصاد المصري، ومستويات النمو المختلفة، والتوقعات المستقبلية، والتي تعطي الثقة للمستثمرين الأجانب للدخول في مجال الاستثمار داخل الدولة.

استغلال بعض المواقع الالكترونية وبعض وسائل إعلام مأجورة، والقنوات المعادية المدعمة من بعض الدول والأجهزة المخابراتية لمحاولات تشويه صورة وسمعة ومكانة مصر من خلال استغلال بعض القضايا مثل حقوق الأنسان و بعض المفاهيم المغلوطة حول حرية الرأى و التعبير ،وممارسة الحقوق السياسية، و نشر حالات الإحباط والغضب، واستغلال أحداث لخلق فتنة بين المواطنين، بما يساعد على تشجيع الاتجاهات العنيفة ضد الدولة.

من هنا نلحظ أن الاستخدام السىء لوسائل الإعلام والمواقع الالكترونية التي انتشرت بكثافة، تعتبر من مصادر التهديد المحتملة للأمن القومي .

استغلال مزدوج الاتجاه

نظراً للتطورات المذهلة فى عالم الاتصالات وتكنولوجيا نقل المعلومات، تم تحول العديد من الجمهور إلى البيئة الإليكترونية “الإنترنت” للحصول على المعلومات، التى قد لا تتوافر بالطرق التقليدية، ونظراً لمقدرة الإنترنت على الجمع بين إمكانات التليفزيون والراديو والصحافة والهاتف فى آن واحد، فيمكننا القول أن الإنترنت يقف على قمة الهرم بالنسبة لوسائل الإعلام والاتصال الأخرى نظراً لتميزها وقدرتها على تخطى حاجز الزمان والمكان، خاصة بعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي المُختلفة؛ فكان الإنترنت الذي يربط ما بين الشبكات الحاسوبية في جميع أنحاء العالم ايذانا بظهور تلك المواقع والبرامج التي تعتمد على شبكة الإنترنت لتسهيل التواصل بين المستخدمين وتبادل المعلومات فيما بينهم من خلال أجهزة الكمبيوتر أو أجهزة الهواتف المحمولة،ويُمكن استخدام هذه المواقع لأهدافٍ اجتماعية؛ كتحقيق التفاعُل بين الأصدقاء وأفراد العائلة وغيرهم أينما وُجدوا، كما يُمكن استخدامها لأهدافٍ تجارية؛ وذلك لأنّ هذه المواقع أصبحت قواعد تسويقية مهمة للشركات التى تسعى إلى جلب انتباه المزيد من العملاء.

 إلا أنه بمرور الوقت بدأت تظهر بعض السلبيات و المخاطر فى استخدام المواقع الاليكترونية و التواصل الإجتماعى سواء على المستوى الشخصى للأفراد أو على مستوى الدولة بتهديد الأمن القومى لها ، حيث وضح إمكانية استخدام قوى الإرهاب والتطرف للأنترنت لضرب الجبهة الداخلية ووحدة الشعب، كذلك استخدام شبكات التواصل الأجتماعى كأحد روافد تجنيد العناصر الأرهابي ،و استخدامها من جانب جماعات الإرهاب والجريمة المنظمة في التخطيط والتنفيذ لأعمالها الإجرامية، ونشر أفكار التطرف والعنف والترويج لها واستقطاب أعضاء جدد،

حيث يعتمد الجيل الجديد من التنظيمات الإرهابية على وسائل التواصل الإجتماعي في التجنيد وفي التواصل بين قيادات هذه التنظيمات، وبينها وبين عناصرها، بنسبة تفوق كافة وسائل التواصل المستخدمة، لاسيما في ظل الانتشار الجغرافي الواسع لهذه التنظيمات، وتوزع الأفراد المستهدفين بالتجنيد عبر أنحاء العالم. كما تستخدم التنظيمات الإرهابية وسائل التواصل الإجتماعي كقناة لتبادل الخطط والمعلومات حول تصنيع القنابل والمتفجرات ومهاجمة المواقع المستهدفة. وباتت المراحل الأولية للتجنيد تتم من خلال “التغريدات” و”البوستات” ليتبين لها الأشخاص الأكثر ميلاً للمشاركة في “الجهاد” أو الاندفاع في مشاريعها حتى النهاية.

تقدم مواقع التواصل الأجتماعى للجماعات الأرهابية فرصاً أوسع لأستخدامها فى نشر الفكر المتطرف وتجنيد بعض العناصر، حيث تسمح لهم بقدر أكبر من حرية الحركة والمرونة في الترويج و الدعوة إلى أعمال العنف و التطرف عن بعد، علاوة على قلة التكاليف، فاستخدام هذه المواقع لا يحتاج الى ميزانية ضخمة، وقلة المخاطرة : فالأرهابى الذى يستخدم هذه المواقع خاصة من خارج البلاد لا يعرض نفسه لمخاطر الرصد الأمنى و الضبط أو المواجهة مع أجهزة الأمن، بالإضافة لما توفره مواقع التواصل الأجتماعى من فرص واسعة الأنتشار للفكر المتطرف، مع تعدد طرق الأتصال بالمستهدفين، ما بين غرف دردشة و منتديات و بريد اليكترونى .

الجماعات الإرهابية وتكتيكات التعامل مع المواقع الالكترونية 

من واقع خبرات التعامل مع تهديدات المواقع الالكترونية بمستوياتها المختلفة، يمكن التوعية ببعض التكتيكات المستخدمة من جانب الجماعات المتطرفة والكيفية التي تستغل بها هذه الجماعات المواقع الالكترونية في تنفيذ سلوكها الإجرامي سواء الدعائي أو العملياتي، ونذكر منها ما يلي:

الحرفية فى التصميم و عرض الموضوعات و المحتويات و التحديث المستمر لها مع الإعتماد على كتاب و علماء مؤثرين فى وجدان الناس .

تقديم خدمات و خيارات متعددة لرواد هذه المواقع خاصة تحميل الكتب التى تحتوى على أسس الفكر المتطرف، والتى يصعب الحصول عليها عادة، لكونها محظورة أو تخضع لرقابة صارمة على توزيعها ، و أيضا تقديم خدمات اجتماعية أخرى كشئون الأسرة و الفتاوى و الأمور الصحية لضمان جذب أكبر عدد ممكن من الرواد.

التركيز على استخدام اللغة الحماسية الإنفعالية، التى تناسب مرحلة الشباب، الذين يشكلون القاعدة العريضة لمستخدمى و رواد شبكات التواصل الأجتماعى، مع استخدام مفردات مليئة بالشجن و التدفق العاطفى مثل الجهاد والثواب و الجنة و الحور العين …الخ.

استغلال هذه المواقع مكاناً للتنفيس عن المتاعب و الصراعات التى يواجهها البعض في حياته اليومية، وفرض طوق من العزلة وجدران حاجزة لمستخدمى هذه المواقع عن محيطهم الأسرى و الإجتماعى وتفضيل العيش فى عالم افتراضى .

استقطاب الشباب ذوى الخبرة الضئيلة و المعرفة المحدودة بشئون دينهم و استغلال رغبتهم فى الحصول على المجتمع الفاضل و ضخ الفكر المتطرف فى أذهانهم بالأستعانة بالنصوص و التفسيرات الأكثر تشدداً فى امور الدين و تطبيقها على وقائع عصرية يعيشها المجتمع.

 انتقاء العناصر التى تبدى تعاطفاً و تجاوبا ًمع الافكار المتطرفة و التأثير عليهم لتكوين موقف داعم صريح لهذه الأفكار ، بأستخدام المؤثرات الفكرية و الدينية للتأثير على الشخص الحائر.

 عند الانضمام لأحد التنظيمات، خاصة في مرحلة التجهيز للأنخراط الفعلى فى الأدوار العملياتية، يتم التعامل نفسيا عن طريق التمجيد فى من سبق لهم القيام بعمليات عنف و نشر صورهم و سيرتهم التى تصورهم على أنهم أبطال، رغم بشاعة وحقارة الأعمال التي ينفذونها ضد المدنيين العزل ، و تصوير العمليات التى قامت بها هذه التنظيمات ضد الدولة و إذاعتها فى إطار أنها انتصار لأفكارهم.

تزويد المنضمين لهذه الجماعات ببعض المعلومات عن استخدام الأسلحة و تصنيع القنابل و المتفجرات البدائية الصنع، التى تتوافر مكوناتها فى الأسواق ، وأيضا طرق الهروب من المراقبة و المراوغة أثناء التحقيقات .

نقل التعليمات و الأوامر لأعضائها و تحديد الأهداف المنتقاة لعملياتهم دون الحاجة للتقابل و التعرض لخطر المداهمة من سلطات انفاذ القانون .

رؤية حول كيفية الحد من مخاطر الإستخدام السىء للمواقع الالكترونية 

كما يقولون دائما” الوقاية خير من العلاج” ، لذلك يجب وضع استراتيجية لتوعية النشء من الشباب بوصفهم الشريحة الأكثر استخداما للمواقع الأليكترونية من مخاطر الأفكار المتطرفة و الأرهابية التى تهدد أمن المجتمع ،و أن يشارك فى وضع هذه الاستراتيجية المؤسسات المعنية ذات الصلة فى الدولة مثل المؤسسات الدينية و أجهزة الاعلام و خبراء تكنولوجيا المعلومات، مع ضرورة تفعيل نصوص قانون مكافحة الجرائم المعلوماتية و تشجيع المواطنين على الأبلاغ عن المواقع ذات التوجهات المتطرفة التى تهدد أمن المجتمع، كذلك من المهم تفعيل التعاون الدولى فى مجال مكافحة الجرائم المعلوماتية خاصة التحريض على العنف و الإرهاب مع الدول الصديقة خاصة التى عانت من جرائم التطرف، مع استمرار جهود الرصد المستمر لما يُثار أو ينشر على مواقع التواصل الأجتماعى و اتخاذ الاجراءات القانونية ضد من يروج لأفكار العنف و التطرف عبرها لتقليص الأثار السلبية لهذه الأفكار على أمن الوطن والمواطن.

اللواء هشام صبري

خبير بوحدة دراسات الأمن الإقليمي. ممثل الأمم المتحدة لقوات حفظ السلام سابقا، نائب مدير معهد تدريب الشرطة السابق بأكاديمية الشرطة. خبير متمكن في دراسات الأمن الدولي وحفظ السلام، وله العديد من الدراسات والبحوث في حفظ وتعزيز الأمن والاستقرار في مناطق الصراعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى