مساهمات مضيئة: دور الشرطة المصرية في عمليات حفظ السلام

تضطلع منظمة الأمم المتحدة منذ إنشائها فى أعقاب الحرب العالمية الثانية بمهمة حفظ السلم والأمن الدوليين، والعمل على احترام حقوق الإنسان والحفاظ على روح التفاهم والتعاون المشترك، كأساس لحل مختلف النزاعات بين الدول الأعضاء في المجتمع الدولى. ورغم العديد من الانتقادات الحادة والمريرة التى وُجهت للمنظمة وأجهزتها – خاصة مجلس الأمن – بالعجز عن اتخاذ قرارات حازمة أو مصيرية، تنصف الدول التى تلجأ إليها طالبة اتخاذ قرار أو موقف حازم يعبر عن رفض أو استنكار تجاه تصرف إحدى هذه الدول تجاه دولة أخرى، إلا أنه رغم ذلك قامت المنظمة بالتدخل لحسم بعض النزاعات المسلحة بين الدول (Interstate Conflict) فى صورة مأموريات لحفظ السلام كان قوامها الأساسى قوات مسلحة من الدول الأعضاء بالمنظمة، تقبل التطوع للقيام بهذه المهام، وذلك لمراقبة تنفيذ القرارات التى يصدرها مجلس الأمن بخصوص هذا النزاع المسلح وكل ما يتعلق به من مهام انسانية أخرى ( تبادل اسرى –إعادة المهجرين والنازحين…..الخ). ونظرا لتعقد وتشابك العلاقات الدولية وتطورها بصورة مذهلة خاصة إبان فترة الحرب الباردة ، أصبحت النزاعات والحروب الأهلية التى تقع داخل حدود الدولة الواحدة)(Intra state  Conflictذات تأثير على السلم والأمن الدوليين خاصة فى حالة انحياز الدول المجاورة إلى إحدى طوائف النزاع لمصلحة ما .

من هنا فقد حدث تطور نوعى فى عمليات حفظ السلام، وذلك بإشراك قوة من الشرطة المدنيةCivilian Police  للعمل تحت لواء القوات  المسلحة فى بادئ الأمر، ثم استقلت الشرطة المدنية  العاملة فى حفظ السلام  بحيث تقوم إدارة عمليات حفظ السلام بنيويورك (إدارة الشرطة المدنية ) بتحديد مهام قوة الشرطة المشاركة.

أهمية مشاركة الشرطة الوطنية في مهام حفظ السلام:

لا شك أن مشاركة عناصر الشرطة في مهام حفظ السلام تحقق مكاسب كثيرة سواء للدولة أو للقطاع الشرطي بها، وذلك كما يلي:

(*) التواجد على مسرح الأحداث الدولية فى واحد من أهم مجالات المشاركة الدولية، وهو فض النزاعات وحفظ السلام، و ما يصاحبه من عمليات إغاثة إنسانية رسمية، تقوم بها عناصر الشرطة،خاصة فى ظل ما تشهده الدول حالياً من تطوير وانفتاح على العالم الخارجى.

(*) تبادل الخبرات فى مجال العمل الشرطى والأمنى من خلال التعامل المباشر مع عناصر الشرطة من مختلف دول العالم، بما يحمله هذا الأمر من انفتاح على العالم الخارجى للوقوف على أحدث التطورات فى هذا المجال الهام، لا سيما فى ظل التطور الرهيب فى أساليب الجريمة وتطورها، وازدياد معدلات الجريمة عبر الوطنية، التى تستوجب تبادل الخبرات بين القائمين على مواجهتها.

(*) خلق روح المنافسة بين عناصر الشرطة الوطنية للفوز بشرف تمثيل الدولة فى هذه المهام، حيث أن الاختيار يتم فى صورة مسابقة، يتقدم لها من ينطبق عليه الشروط التى يتم تحديدها من قبل الإدارة مثل الخدمة الممتازة وإجادة اللغة الأجنبية.

(*) الدعاية والإعلام عن قدرات الدولة المشاركة وأجهزتها الأمنية من خلال عناصر الشرطة الذين  – إذا أحسن اختيارهم – يعتبرون بمثابة سفراء للدولة وواجهة مشرفة لها.

(*) التأكيد على مبدأ التعاون بين دول العالم في قضايا حفظ الأمن والسلم الدوليين، ودور القوات المدنية في هذا التعاون.

عوامل نجاح الشرطة المصرية في عمليات حفظ السلام:

على الرغم من أن أسس العمل الشرطى تكاد تتشابه بين معظم أجهزة الشرطة والأمن فى العالم، إلا أن تأهيل رجل الشرطة ليعمل بمأمورية لحفظ السلام تحت علم وأمرة الأمم المتحدة، وفى ظروف نفسية ومناخية واجتماعية مغايرة لما اعتاد  عليه، فقد أصبح اختيار وتدريب هذه العناصر عملاً غاية في الأهمية، لإرتباطه بسمعة وإسم الدولة التى يحمل علمها على ذراعه، وكذلك  لمساسه بمصداقية الأمم المتحدة فى اختيار عناصرها.

وقد بدأت مشاركة الشرطة المصرية فى مهام حفظ السلام تحت مظلة الأمم المتحدة فى ناميبيا   NTAGعام 1989 للمساعدة فى انتقال السلطة، ثم تلاها مهمة حفظ السلام فى كمبوديا UNTACعام 1992. ثم تعددت هذه المشاركات فى مختلف قارات العالم، ومختلف الظروف البيئية والسياسية التى تشكل تحدياً حقيقياً أمام العاملين بمهام حفظ السلام، والتى أثبت فيها رجال الشرطة المصرية قدرتهم العالية على التكيف مع مختلف هذه الظروف الصعبة واختلاف العادات والتقاليد والأعراف مع مواطنى هذه الدول، بل استطاعوا وبحق أن يحوزوا على إعجاب وتقدير واحترام كافة الدول المشاركة بهذه المهام، وأيضا تعاطفاً وتجاوباً كبيراُ من مواطني الدول التى تتم على أراضيها المهام.

وقد أظهرت الشرطة المصرية كفاءة منقطعة النظير فى عدة جوانب بهذه المهام منها على سبيل المثال:-

(&) المشاركة في أعمال الإغاثة والأنشطة الإنسانية وتأمين توزيع الإعانات والمساعدات على المواطنين بهذه الدول.

(&) الدور الهام فى انتقاء وتدريب عناصر الشرطة المحلية بهذه الدول، ونقل خبرات العمل الشرطى لهم وإعادة بناء وتنظيم أجهزة الشرطة بها.

(&) الحياد و النزاهة والإلتزام التام بقواعد السلوك القويم وحسن معامة السكان المحليين و احترام معتقداتهم وعاداتهم و تقاليدهم.

وقد حرصت وزارة الداخلية – من منطلق حرصها على إنتقاء أفضل العناصر من منسوبيها للعمل بهذه المهام ضمانا للتمثيل المشرف لمصر – على وضع عدة شروط لهذا الأمر منها:-

(*) تحديد الشروط الوظيفية للعناصر التى سيُسمح لها بالتقدم للاختبارات المؤهلة للمشاركة فى مهام حفظ السلام ( على سبيل المثال مدة الخدمة لا تقل عن 5 سنوات كشرط أساسى  –  تقارير الكفاءة الممتازة…….الخ).

(*) إجراء اختبارات مبدئية لانتقاء العناصر المتميزة فى اللغات الأجنبية تمهيداً لانتظامهم بدورات مكثفة لإعدادهم لاجتياز اختبار الأمم المتحدة فى( اللغة  الانجليزية  – الرماية – قيادة السيارات الدفع الرباعى)، وهذا تمهيداً لحضور فريق الأمم المتحدة المعنى بإجراء الأختبارات المؤهلة للعمل بمهام حفظ السلامSAAT ) )Selection assistance and assessment team

المركز المصرى للتدريب على مهام حفظ السلام ..إطلالة على العالم:

فى إطار اهتمام الدولة المصرية بالتواجد على الساحة الدولية والمشاركة الفعالة فى فض المنازعات والمساهمة فى تخفيف حدة الصراعات فى المناطق الملتهبة، فقد قامت وزارة الداخلية بإفتتاح مركز لإعداد كوادر الشرطة المدنية من مصر وإفريقيا للمشاركة فى مهام حفظ السلام تحت مظلة منظمة الأمم المتحدة، وهو كان حلماً يراود القائمين على التدريب والاتصال بوزارة الداخلية فى ظل الإنفتاح والتعاون الدولى الأمنى مع الدول الصديقة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن هذا المركز يضطلع بإعداد دورات تدريبية متقدمة فى كافة المجالات ذات الصلة بمهام حفظ السلام للإرتقاء بالمستوى التدريبى والثقافى للمرشحين للعمل بهذه المهام، تشتمل على عدة محاور أهمها ما يلي:

(&) التدريب العملى والنظرى على اجتياز اختبارات الأمم المتحدة لانتقاء أفضل العناصر التى ستمثل الشرطة (قيادة سيارات الدفع الرباعى – الرماية بالسلاح الشخصى– إجادة اللغة الأجنبية تحدثاً و قراءة و كتابة).

(&) الإطار القانونى لمنظمة الأمم المتحدة.

(&) دور الشرطة المدنية فى عمليات حفظ السلام.

(&) قواعد السلوك لذوى القبعات الزرقاء.

(&) الحد من الاستغلال والتحرش الجنسى فى عمليات حفظ السلام.

(&) بناء وتعزيز القدرات للكوادر الشرطية الوطنية بالدول المضيفة لعمليات حفظ السلام.

(&) الوقاية من الإيدز وقواعد الصحة العامة والإسعافات الأولية.

(&) التزامات الدولة المضيفة وحقوقها فى عمليات حفظ السلام.

(&) كتابة التقارير بأنواعها المختلفة.

(&) دور الإعلام بمهام حفظ السلام.

(&) قواعد استخدام القوة وفقا للمعايير الدولية.

(&) حماية الفئات الضعيفة والمدنيين أثناء النزاعات المسلحة( المرأة – الطفل).

في النهاية، يمكن القول إن هناك سجل ناصع للشرطة المصرية في مجال عمليات حفظ السلام، حيث احتلت الشرطة المصرية المرتبة الثالثة من حيث حجم المشاركة بمهام حفظ السلام حول العالم، سواء بمراقبين  Monitorsأو مستشارين Advisors ، أو وحدات شرطية نظامية FBU، و مازال رجال الشرطة يكتبون بحروف من نور فى سجل الفخر تاريخاً لن ينساه العالم المتحضر إعترافاً بدورهم فى حفظ السلم و الأمن الدوليين فى مختلف بقاع الأرض.

اللواء هشام صبري

خبير بوحدة دراسات الأمن الإقليمي. ممثل الأمم المتحدة لقوات حفظ السلام سابقا، نائب مدير معهد تدريب الشرطة السابق بأكاديمية الشرطة. خبير متمكن في دراسات الأمن الدولي وحفظ السلام، وله العديد من الدراسات والبحوث في حفظ وتعزيز الأمن والاستقرار في مناطق الصراعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى