استراتيجية المصالح المتبادلة: ما هي حدود العلاقة بين تركيا وتنظيم “داعش”؟

أصبح المشهد التركي منذ ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) يخيم عليه حالة ضبابية وواقع مشوش، ومعقد أحياناً يصاب به كل من أراد أن يكشف حقيقة تركيا وعلاقتها بهذا التنظيم. حيث أصبح هناك مصالح داخلية وإقليمية وعالمية لتركيا تحتاج إلي تحقيقها على أرض الواقع على حساب أي دولة أخرى، وتحاول الحفاظ على موقعها السياسي في نفس الوقت الذي يرسخ العلاقات التعاونية والدبلوماسية المتبادلة مع الدول العربية والغربية، لذلك تطلعت تركيا منذ عام 2014 استغلال الوضع الراهن في جميع دول المنطقة، واكتساب الخطر الإقليمي والعالمي المسمى بداعش كإرهاب دولي في صفها لتحوله لآلة تحقق به مصالحها وتكتسب به الأمان من شره. 

علاقة متجذرة:

تنتاب العلاقة بين تركيا وتنظيم (داعش) منذ نشأة التنظيم الكثير من الغموض والتخبط، خاصة بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على مساحات واسعة من أرضي سوريا والعراق الملاحقة لتركيا، وقد وجه العديد من المسئولين على مدار الثماني سنوات السابقة اتهامات لتركيا بشأن وجود علاقة بينها وبين تنظيم (داعش)، بل هناك ترجيحات تشير إلى وجود تعاون عسكري، ونقل للأسلحة، ودعم لوجيستي، ومساعدة تجارية، بالإضافة إلي توفير المعدات الطبية بين تركيا التنظيم. ولقد كانت الاتهامات والحديث عن علاقة تركيا وداعش على نطاق ضيق وغير رسمي في بداية نشأة التنظيم، لكن مع تطور العلاقة وتوسع جغرافيا التنظيم، وتهديده الأمن الإقليمي والدولي بدأت هذه الاتهامات توجه لها من قبل قوى عالمية وعلى نطاق واسع، فقد سعت الولايات المتحدة الأمريكية إلي الضغط على تركيا بهدف اتخاذ إجراءات صارمة ضد التنظيم. وواجهت تركيا اتهامات من الداخل والخارج بدعمها لداعش، ووجود علاقة متبادلة بينهما.

الدعم ومساراته:

صرح قيادي في تنظيم “داعش” لجريدة واشنطن بوست في وقت سابق، قائلاً: “معظم المقاتلين الذين انضموا إلينا في البداية قدموا عن طريق تركيا، كذلك الأمر بالنسبة للأسلحة والمعدات وكل ما يلزم. واعترف داعشي تونسي الأصل في وقت سابق أيضاً لمراسل وكالة (سبوتنيك) باللغة التركية، ويسمى (كريم عماره)، وهو قيادي في إحدى الجماعات المتطرفة لتنظيم (داعش)، وهو مأسور لدى القوات الكردية بأن: “تركيا تساعد “داعش” حيث سهلت علينا مهمة العثور على أعضاء جدد، وطوال الفترة التي قضيتها في صفوف “داعش” لم أسمع أن أحد من الجنود الأتراك قد أعاق عمليه انضمام أعضاء جدد لصفوف التنظيم، بل على العكس تماما لقد سمعت أن تركيا تقدر “داعش” وتساعده”.

وبعد فشل انقلاب يوليو 2016 على حكومة أردوغان أقامت “داعش” في العديد من المدن التي يسيطرون عليها احتفالات ومسيرات بعد انتهاء الانقلاب العسكري وفشله في تركيا، ولم تكتفي (داعش) بالاحتفال بل قام أعضائها داخل تركيا بمساعدة أردوغان والنزول إلي الشوارع وإطلاق التكبيرات بين المتظاهرين كأنهم في أسواق الموصل والرقة، وهذا يعد اعتراف ضمني من داعش بأنها تؤيد حكومة “أردوغان” ووجود علاقة ممتدة بينهم. وأعلن (أبو بكر البغدادي) الزعيم السابق للتنظيم الإرهابي “داعش” بأن بعض القادة والمقاتلين تتم معالجتهم داخل المستشفيات التركية.

منافع متبادلة:

كشفت صحيفة “الجارديان” البريطانية قبل ثلاثة سنوات، أن تنظيم داعش يحصل شهرياً على 40 مليون دولار من النفط الذي يبيعه لتركيا، مؤكدة أن تركيا تدعم التنظيم بطرق غير مباشرة بتجاهلها لصادراته من النفط. وقال مراسل صحيفة الجارديان البريطانية في الشرق الأوسط (مارتن تشولوف) في نوفمبر 2016، إن بعض قادة التنظيم أخبروه خلال العامين الماضيين بأن تركيا تتغاضى عن نشاط التنظيم في تصدير النفط، ونادراً ما تشتبك معه بشكل مباشر. ويقول دكتور (أسامه قاضي) رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا في تصريح لموقع “العربية نت” في وقت سابق، إن الحكومة التركية تعرضت لضغوط غربية نتيجة تحقيقات سرية أجراها مجلس الأمن الدولي بناء على معلومات أمريكية وعربية، أعلنت بعدها أنقرة عن مصادرة 18 ألف برميل من (نفط داعش) كانت الدول الغربية قد وجهت إلي تركيا استفسار حولها بعد ما تبين أنها كانت مجهزة للتصدير من ميناء تركي، مما اضطرت الحكومة التركية لإيقاف تلك الصفقة التي أبرمت من شركة صينية كانت تنوي شراء الكمية كاملة وتولي عملية نقلها، وبعد مصادرتها تم استخدامها داخلياً في الأسواق التركية. وطبقاً (لبير ترزيان) فإن الشاحنات المحملة بالنفط تعبر يومياً الحدود في اتجاه تركيا، حيث توجد مصانع التكرير وموانئ الشحن التجاري، على الرغم من أن داعش تبيع نفطها للجميع، بما في ذلك أعدائها، كالنظام السوري والأكراد، وتقول السفيرة (جينا هيبسكوفا) سفيرة الاتحاد الأوروبي في بغداد سنة 2014 أن هناك دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي ممن تقتنى النفط المهرب من طرف داعش.

وعلى صعيد آخر، نشرت وسائل الإعلام الروسية في وقت سابق صورة (نجل أردوغان) وهو يقف مع قادة تنظيم (داعش) الإرهابي، مشيرة إلي أن عائلة الرئيس التركي (رجب طيب أردوغان) لديها علاقات وثيقة مع تنظيم داعش الإرهابي، وأكدت أن هناك تكهنات بأن نجل الرئيس متورط مباشرة في قطاع النفط في السوق السوداء مع الإرهابيين.

ومن خلال اتهام روسيا لتركيا بتجارة النفط مع تنظيم (داعش) الإرهابي، وضعت تركيا في موقف حرج مع حلفائها المقربين، سواء تعلق الأمر بأعضاء (حلف شمال الأطلسي) (الناتو) أو (دول الاتحاد الأوروبي) الذي طالما سعت تركيا لنيل عضويته الكاملة، حيث التقطت بالأقمار الصناعية وزارة الدفاع الروسية صوراً كانت تظهر طابورا من شاحنات صهاريج محملة بالنفط داخل منشآت نفطية يسيطر عليها تنظيم (داعش) الإرهابي في سوريا والعراق وهي تتجه إلي الحدود التركية، ثم تحدث نائب وزير الدفاع الروسي (أناتولي أنتونوف) قائلاً إن تركيا هي المستهلك الرئيسي للنفط الذي يستخرجه (داعش) من الآبار الواقعة تحت سيطرته بالقوة. وقالت الدكتورة (فليري مارسيل) في معهد “تشاتام هاوس” البريطاني، إنه بإمكان المقاتلين من (داعش) بيع النفط في السوق السوداء إلي مشترين من تركيا وإقليم كردستان وإيران، وشرح الخبير في شؤون أمن الطاقة في معهد (أوساك) التركي (حسن أوزيرتم) أن تهريب النفط هو قطاع حيوي في تركيا، وقام سائقي الشاحنات بالتهريب منذ فترة طويلة. لكن وفقا للمراقبين أن هذه الظاهرة تصاعدت مع تدهور الوضع السياسي في العراق وسوريا، وقد لفت في هذا التوقيت أن سعر لتر بنزين وقود الديزل الآتي من سوريا نحو 0.700.5 دولار، وسعر وقود الديزل في تركيا نحو 2.7 دولار لذلك هناك صفقة كبيرة من الأعمال التجارية المهربة للنفط الطرفين.

اتهامات من الداخل:

كشفت الصحف التركية منذ هيمنة التنظيم على بعض المناطق السورية الغطاء عن تعاون تركي عميق مع (داعش). وظل الحديث عن تقدم حثيث لتنظيم “داعش” يثير قلق الداخل، والغريب في ذلك الوقت، هو جواب الخارجية، الذي شكل مفاجأة بقولة “إن داعش ليس خصماً لنا”، وأكد (بولند أرينج) هذه الرواية موضحاً أن المخابرات التركية كانت على علم بما يحضر للموصل، وسبق لـ “داعش” أن حصل على 5 ملايين دولار في مقابل الإفراج عن 31 من سائقي الشاحنات التركية، كان قد احتجزهم في “نينوي”. كما اتهمت بعض أحزاب المعارضة التركية والكيان الموازي التابع (لفتح الله جولن) الحكومة التركية وحزب العدالة والتنمية على تقديم الدعم لتنظيم (داعش)، وتقديم تسهيلات تساعد على مرور المقاتلين للتنظيم عبر الحدود التركية إلي سوريا والعراق. وأشهر رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي” كمال كلتشدار أوغلو” في ذلك التوقيت وثائق تؤكد تزويد تركيا لـ “داعش” بالأسلحة بالإضافة إلي ثلاث شاحنات محملة بالصواريخ والذخائر.

وفي السياق ذاته؛ وفي أوقات متقاربة صدرت تصريحات لوزير الداخلية التركي (معمر جولد) لصحيفة (راديكال) التركية، قال فيها، أنه ستتم زيادة الدعم اللوجيستي للجماعات الإرهابية، بالإضافة إلي إتاحة أماكن لتدريب القوات وتوفير الرعاية الصحية والمستشفيات الخاصة في منطقة (هاتاى). وقد تأكد هذا أيضاً من تصريحات سابقة لـ (أبو بكر البغدادي) لصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية، حيث قال إن ” بعض القادة والمقاتلين تتم معالجتهم داخل المستشفيات التركية”. وأكد (حزب الشعب الجمهوري التركي) أن هناك مكاتب للتنظيم الإرهابي (داعش) في إسطنبول وعدة مدن أخرى لتجنيد المقاتلين.

في النهاية يمكن القول، إن علاقة تركيا بتنظيم داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية تعتمد على مسارين، أولهما متمثل في علاقات اقتصادية مباشرة. والثاني، يتمثل في دعم غير مباشر عبر في تمويل الفضائيات، والمجلات والمواقع الالكترونية الناطقة باسم هذه التنظيمات، بالإضافة إلى توفير ملاذ أمن لبعض أسر هذه التنظيمات الإرهابية، وغير ذلك كثير.

 

 

هند عثمان

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي، بكالوريوس اقتصاد وعلوم سياسية_ جامعة القاهرة ،ماجستير علوم سياسية .كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة ،باحثة دكتوراه علوم سياسية كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ،باحث مشارك في العديد من المراكز العربية والدولية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى