لماذا يتزايد الإنفاق العسكري رغم التداعيات الاقتصادية لـ ” كورونا”؟

كشف تقرير صادر عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام في نهاية أبريل الماضي، أن العديد من دول العالم لجأت رغم التداعيات الاقتصادية لفيروس كورونا إلى زيادة نفقاتها على التسلح. وقد يرجع زيادة هذا الإنفاق إلى عودة التنافس بين الدول والتسابق على التسلح، هذا بالإضافة إلى أهداف توسعية أو مخاطر أمنية قومية أو نتيجة تفاقم خطر الظاهرة الإرهابية في بعض المناطق، خاصة في المنطقة الغرب إفريقية التي حصلت على ترتيب متقدم في الإنفاق العسكري لعام 2020.

واستـــنـاداً إلى الـتقرير السـنـــوي لمعهد ستوكهــولم الـدولي لأبحـاث السلام؛ فإن حجم الإنفاق العسكري في العالم ارتفع بنسبة 2.6% إلى 1.98 تريليون دولار وهو ما يقارب 1.650 مليار يورو ، رغم إعادة تخصيص بعض أموال الدفاع لمكافحة كوفيد-19 والتباطؤ الاقتصادي للدول بسبب الجائحة، إلا أن إجمالي الناتج المحلي العالمي انخفض بنسبة 4.4% بسبب جائحة كوفيد-19 وتداعياتها. كما شكلت الولايات المتحدة 39% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي في 2020.

تصاعد الإنفاق العسكري رغم تداعيات كورونا:

وفقاّ لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام “سيبري” فإن الإنفاق العسكري العالمي وصل إلى أعلى مستواه منذ ثلاثة عقود، فقد زادت حصّته في العالم في عام 2020 بمقدار 0.2 نقطة مئوية خلال عام لتصل إلى 2.4 في المائة، حيث بلغ  إجمالي معدل الإنفاق 1.98 تريليون دولار، مسجلا زيادة بنسبة 2.6% بالقيمة الحقيقية مقارنة بعام 2019. ووفقاً للتقرير المذكور تعد الولايات المتحدة الرائدة في الإنفاق الدفاعي، حيث بلغ زهاء 778 مليار دولار، بزيادة قدرها 4.4% عن العام 2019.

تأسيساً على ما سبق، يمكن القول إن عام 2020 يُعتبر ثالث عام على التوالي تسجل فيه النفقات العسكرية زيادة بعد سبع سنوات من التراجع مقارنة بالأعوام السابقة حيث بلغ الإنفاق العسكري عام 2009 رقم 1.531 تريليون دولار تقريباً، وهذا يشكّل زيادة 6٪ عن معدل الإنفاق للعام 2008، والإنفاق العسكري العالمي عام 2008 كان نحو 1464 مليار دولار، بزيادة مقدارها 4. % ويشكّل هذا الإنفاق نسبة 2.7٪ من الدخل القومي العالمي، في أكبر زيادة على أساس سنوي منذ الأزمة المالية في 2009.

أسباب تزايد الإنفاق:

ثمة عدة أسباب متكررة منذ عقود يمكن حصرها تسببت في زيادة الإنفاق العسكري خلال عام 2020، بالإضافة تزايد تهديدات الإرهاب في بعض المناطق، يتمثل أهمها في: (#) تزايد الإنفاق العسكري، يعكس تقدم الدول في مجال التكنولوجيا العسكرية والأنظمة لإثبات فعاليتها في الاستخدام. (#) يمثل تزايد الإنفاق العسكري للدول، مؤشراّ لتحقيق أمنها القومي والإقليمي والعالمي، وحماية لحدودها ومواردها، والدفاع عن نفسها ضد أي عدو أو خطر محتمل من أعمال إرهابية تهدد أمنها. (#) وفقاّ لمبدأ البقاء للأقوى، تنفق الدول على إعداد قواتها المسلحة وتجهيزها بالوسائل الكفيلة فالأمن عنصر أساسي في بقاء الدول واستمرارها، لذا تسعى بعض الأنظمة في العالم للاستعداد العسكري للدخول في حرب أو لمواجهة أي خطر خارجي. (#) بعض الدول تسعى لازدياد الإنفاق العسكري، وذلك لتأمين استمرار بيع السلاح ويؤثر تراجع البيع على تنمية اقتصادها، ويظل تأجيج الخلافات وافتعال النزاعات والحروب بين الدول، هو غايتها لتأمين استمرار بيع السلاح، ومن أهم هذه الدول الولايات المتحدة الأميركية. هذا بالإضافة إلى ارتباط مفهوم الأمن القومي بفكرة ازدياد حجم النفقات العسكرية تزايد خطر الإرهاب، وكذلك شراء بعض الأقاليم الساعية للانفصال للسلاح، وأيضا امتلاك الفواعل دون الدولة مثل التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود للسلاح بالتعاون مع دول مصنعة أو دول تستخدمها في تعزيز مكانتها الدولية.

تقدم وتراجع ..الدول الأكثر إنفاقاً:

 

المصدر: وكالة ستيب نيوز

زاد عدد الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي التي أنفقت ما يقرب 2% من ناتجها المحلّي الإجمالي على الإنفاق العسكري من 9 دول في 2019 إلى 12 دولة في 2020. علماً بأنّ أكبر عشر دول من حيث الإنفاق العسكري في 2020 هم: الولايات المتحدة الأمريكية، والصين، والهند، وروسيا، وبريطانيا، والسعودية، وألمانيا وفرنسا، واليابان وكوريا الجنوبية. الملاحظ أن هذه الدول تشكل معا 62% من الإنفاق العسكري في جميع أنحاء العالم، وتتموضع الولايات المتحدة الأميركية في المرتبة الأولى عالمياً من حيث إنتاج الأسلحة وبيعها واقتنائها، كما أنها الدولة الأولى في العالم في حجم إنفاقها العسكري، بنسبة 4.4% لتصل إلى 778 مليار دولار- أي 39% من إجمالي النفقات العسكرية في العالم. تأتي الصين في المرتبة الثانية بقيمة نفقات بلغت نسبتها  في 2020 رقم 13% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي.

وجاءت ألمانيا في المركز السابع حيث زادت نفقاتها بنسبة 2.5 في المائة لتصل إلى 8.52 مليار دولار. وكان الإنفاق العسكري لبرلين أعلى بنسبة 28 في المائة مما كان عليه في عام  2011. أما فرنسا جاءت في المرتبة الثامنة، فقد زاد إنفاقها العسكري في 2020 بنسبة 2.9% ليبلغ 52.7 مليار دولار.

وعلى الرغم من تزايد الإنفاق العسكري في 2020 على مستوى العالم بأسره، فإن بعض الدول، مثل تشيلي أو كوريا الجنوبية، عملت على اقتطاع أموال كانت مخصصة للإنفاق العسكري لتحسين استجابتها للأزمة الصحية كوفيد 19. كما أن المجر اتخذت من زيادة إنفاقها العسكري في إطار خطة نهوض اقتصادي لمكافحة جائحة كوفيد 19.

من جانب آخر، فإن أوغندا جاءت على رأس دول إفريقيا جنوب الصحراء التي زاد إنفاقها العسكري خلال 2020 بنسبة 46% مقارنة بالعام 2019، وتلتها تشاد بنسبة زيادة قدرها 31% عنه خلال 2019، ثم نيجيريا بزيادة نسبتها 29%، وبعدهم موريتانيا 23%، وفي الأخير جاءت مالي، حيث سجلت زيادة نسبتها 22% عن إنفاقها العسكري المُسجل في 2019. بينما بلغ إجمالي النفقات العسكرية لدول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في عام 2019، نحو 162 مليار دولار أمريكي. وبلغت حصة الإنفاق العسكري المصري منها نسبة 3.2 في المائة من المجموع الكلي، لتحتل المرتبة التاسعة في المنطقة.

بالمقابل؛ انخفض الإنفاق العسكري لـ 11 دولة من دول الشرق الأوسط التي حصل المعهد على أرقام إنفاقها بنسبة 6.5% في عام 2020، ووصل إلى 143 مليار دولار. كما أن ثماني دول  من الدول التسع الأعضاء في منظمة البلدان المصدِّرة للبترول (أوبك) التي حصل المعهد على الأرقام الخاصة بها قامت بتخفيض إنفاقها العسكري في عام 2020. حيث انخفض إنفاق أنجولا بنسبة 12%، والمملكة العربية السعودية بنسبة 10%، والكويت بنسبة 5.9%. كما خفَّضت البحرين، وهي دولة مصدرة للنفط من خارج “أوبك”، إنفاقها بنسبة 9.8%..

انعكاس تزايد الإنفاق على التوترات الدولية:

يعكس ازدياد الإنفاق الدفاعي عودة التنافس بين الدول والتسابق على التسلح في عالم متغير, وقد صرحت ألكسندرا ماركشتاينر المشاركة في إعداد التقرير السنوي للإنفاق العسكري بأن “هذه الزيادة في الإنفاق العسكري تعكس المخاوف المتزايدة مما تعتبره الولايات المتحدة تهديدات من منافسين عسكريين إستراتيجيين مثل الصين وروسيا، فضلاً عن رغبة إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في تعزيز ما تعتبره جيشا أميركيا منهكًا”.

فمن الواضح، أن روسيا والصين نجحوا في عملية نشر صواريخ كروز ومركبات تسير بسرعة تفوق سرعة الصوت، وعلية فهذه الأنظمة فائقة السرعة تهدد بقلب الحسابات بشأن فعالية الدفاعات الصاروخية، هو ما يدفع الدول الأخرى للعمل على تجديد الاهتمام بأنظمة الدفاعات الجوية المقاومة للطائرات المسيرة. كما أن محاولة روسيا الأولية بضم القرم، وإنكار ضلوعها في الأحداث في شرقي أوكرانيا أو استخدام أسلحة كيماوية على الأراضي البريطانية، وتدخلها المزعوم في الانتخابات الأمريكية- يعكس صراع القوى الكبرى، هذا بالإضافة إلى نشاطات إيران في تطوير التسلح النووي، وقدرتها على شن نشاطات حربية عبر طرف ثالث.

وفى نفس السياق، فالتطور الأخير في الصراع المتنامي بين إيران وإسرائيل الذي ينبئ بخطورة اندلاع صراع أوسع، وقد تسعى إيران لتثبيت أقدامها العسكرية في سوريا في حين تسعى إسرائيل لإيقافها لذلك تواصل إيران تطوير إمكانياتها العسكرية، خاصة وأن سوريا هي نقطة الارتكاز للتعاون الروسي الإيراني في وجه إسرائيل.

ولا يمكن إنكار الوضع الإقليمي العام الذي تمر به منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحالة عسكرة سريعة، حيث تنخرط جميع دول منطقة في صراعات إقليمية بشكل مباشر أو غير مباشر. فالإفراط في التسلح والإنفاق العسكري، يمكن أن يكون له أثر سلبي على التنمية، ويحول الموارد المالية والتكنولوجية والموارد البشرية بعيداً عن أهداف التنمية. ولكن قد لا يكون التسلح في حد ذاته السبب الرئيس للعنف والصراع، لكن انتشاره وتوافره يمكن أن يشكّلا دافعاً للصراع. وفقاً للتقرير السابق ذكره ورؤى بعض المراقبين لصناعة السلاح وبيعه في العالم، فإن توريد السلاح إلى المنطقة تعاظم بصورة حادة، ومثل صفقات تتنافس فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون بصورة نشطة.

وفي النهاية، إن الدول الخمس الأكثر إنفاقاً على التسلح في عام 2020، وهي أمريكا والصين والهند وروسيا وبريطانيا، مثلت معاً 62 في المائة من الإنفاق العسكري في جميع أنحاء العالم، وهذا حدث على الرغم من إعادة تخصيص بعض أموال الدفاع لمكافحة جائحة كوفيد-19، هو ما يعنى  وفقا للمراقبين أن الجائحة لم يكن لها تأثير كبير على النفقات العسكرية العالمية في 2020”.

 

هند عثمان

باحث بوحدة دراسات الأمن الإقليمي، بكالوريوس اقتصاد وعلوم سياسية_ جامعة القاهرة ،ماجستير علوم سياسية .كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة ،باحثة دكتوراه علوم سياسية كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ،باحث مشارك في العديد من المراكز العربية والدولية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى