احتمالات واردة.. هل تتغير تركيبة الكونجرس الأمريكي؟

من المنتظر إجراء انتخابات التجديد النصفي في الكونجرس الأمريكي وعدد من الولايات الأمريكية ( ٣٦ ولاية ) في الثامن من نوفمبر المقبل، كاستفتاء على أول عامين من رئاسة بايدن، في ظل الانقسام العميق والواضح في المجتمع الأمريكي، الذي تجلي بدوره في استطلاعات الرأي التي أجريت مؤخرا، والتي تفاوتت ما بين تأييد للجمهوريين أو إعطاء فرصة إضافية للديمقراطيين.

وفي هذا الإطار، يحاول هذا التحليل طرح أهم الفرص ونقاط القوة التي يستند إليها كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، والتي من الممكن أن ترجح كفة أيا منهما، وحظوظ كل منهما استنادا إلى ذلك.

فرص ترامب:

بداية؛ جرت العادة من خلال متابعة المشهد السياسي الأمريكي على خسارة حزب الرئيس الأمريكي في انتخابات التجديد النصفي _ إلا في استثناءات قليلة _ وهو ما حدث مع ترامب نفسه. ولكن من ناحية أخرى، هناك أيضا بعض العثرات التي حدثت خلال العامين الأولين من ولاية الرئيس الأمريكي الحالي جوبايدن، والتي قد يتكئ عليها ترامب من أجل ضمان حصول الجمهوريين، وبالذات النواب الذين يدعمهم شخصيا، على الأغلبية البرلمانية، وحال فوز الجمهوريين في الانتخابات النصفية؛ قد تكون تلك العثرات هي أبرز الأسباب التي أدت إلى ذلك، أهمها:

(-) الوضع الاقتصادي: حيث يحتل الملف الاقتصادي المرتبة الأولى في أولويات الناخبين الأمريكيين، لأن ٥٩٪ من الأمريكان، يرون أن الاقتصاد سيكون هو المحدد الأول لهم في الاختيار بين الحزبين في الانتخابات النصفية، بعد تراجع الاقتصاد، ونسب التضخم العالية والأعلى منذ أربعين عاما، ناهيك عن ارتفاع أسعار الطاقة جراء الحرب الأوكرانية وقرار أوبك+ بتخفيض الإنتاج، وغيرها من السلع الأساسية والكمالية التي يحتاجها المواطنون. أضف إلى ذلك، سوق الأسهم المضطرب، والمخاوف المتزايدة من ركود محتمل، في وقت يحاول فيه الديمقراطيون إقناع الرأي العام بعدد من الإنجازات للحفاظ على الأغلبية البرلمانية.

(-) حوادث القتل: فقد تكررت حوادث القتل الجماعي في عدد من المدن الأمريكية خلال العامين الفائتين من ولاية بايدن، رغم وعوده المتكررة للمواطنين بالوقوف ضد لوبي الأسلحة النارية في الولايات المتحدة، والأمر المثير للجدل أكثر؛ أن بعض تلك الحوادث تم بناءا على دوافع عنصرية، سواء تجاه المسلمين أو ذوي البشرة السمراء. مما دعا بايدن وزوجته إلى زيادة ودعم الضحايا وذويهم، كما عين متحدثة جديدة باسم البيت الأبيض من ذوي البشرة السمراء.

(-) السياسة الخارجية: هذا بالإضافة إلى بعض السياسات الخارجية التي أثارت اعتراض فئات كثيرة في الشارع الأمريكي، ولم تقتصر على الساسة والمتخصصين فحسب، مثل الدعم الأمريكي لأوكرانيا الذي يعتبره البعض سببا في المعاناة الاقتصادية للمواطنين في واشنطن، والموقف تجاه روسيا والدول الخليجية الذي أسهم في زيادة معدلات التضخم وارتفاع الأسعار، وقبل ذلك كله، الانسحاب العشوائي من أفغانستان الذي كان بمثابة الهزة الأولى للإدارة الأمريكية.

(-) الضغط الإعلامي: وهو عامل لا يستهان به أبدا، فقد اعتاد الإعلام الأمريكي، والمؤيد للحزب الجمهوري خصوصا، على تصيد الأخطاء، واستغلال سقطات الرئيس الأمريكي، وتضخيمها أمام الرأي العام، سواء فيما يتعلق بخيارات الرئيس الداخلية أو الخارجية، أو حتى فيما يخص السقطات الشخصية في خطاباته وتصرفاته. وبالتالي فإن حصيلة المعاناة الاقتصادية إلى جانب الضغط الإعلامي، أسهمت في اهتزاز صورة بايدن أمام الرأي العام.

ووفقا لديلي ميل البريطانية؛ فإن الرئيس الأمريكي يواجه أدني نسبة تأييد على الإطلاق، وهي ٣٣٪ فقط، مما يقوي من الفرض الذي يفيد بأن فرص بايدن في الترشح لولاية ثانية باتت ضئيلة. حتى الإعلام الأمريكي نفسه أصبح لا يتحدث في الغالب عمن الخاسر ومن الفائز، بل عن أي نوع من الخسارة التي قد يتلقاها الديمقراطيون، هل خسارة فادحة أم مقنعة ؟، وأصبح هناك شبه يقين إعلامي من اكتساح الـ Red Waves في الانتخابات.

أوراق رابحة:

رغم أن غالبية استطلاعات الرأي التي أجريت خلال الأشهر الأخيرة، تشير إلى تراجع شعبية الرئيس الأمريكي، وتراجع الثقة في أداء الديمقراطيين عموما داخل الكونجرس وخارجه، إلا أن بايدن والديمقراطيين لازالت لديهم فرص للنجاة في الانتخابات النصفية، وإذا نجحوا في ذلك؛ قد يكون الفضل لعده مستجدات، لعل أبرزها:

  1. قيام المحكمة العليا بإلغاء حق الإجهاض المعمول به منذ عام ١٩٧٣، وحولت البت في الأمر إلى سلطة الولاية، مما حفز قطاع كبير تمثله النساء في الولايات المتحدة للتصويت لصالح الديمقراطيين الذين تمسكوا بالحفاظ على دستورية حق الإجهاض. لذا، إذا استطاع الديمقراطيون استغلال ردود الفعل السلبية التي أثارها قرار المحكمة العليا الأخير في هذا الشأن، فقد يتمكنون من تجنّب خسارة انتخابية كبيرة، وبخاصة في ضوء توجه عدد من اللجان السياسية الكبرى المؤيدة للإجهاض إلى إطلاق حملة إعلانية بقيمة 150 مليون دولار حتى يوم الانتخابات.
  2. نجاح الإدارة الأمريكية الحالية في تحقيق بعض الإنجازات الداخلية؛ مثل مشروع تطوير البنى التحتية الأمريكية، ومشروع خفض التضخم، ونظام الرعاية الصحية الحكومية من خلال التفاوض مع شركات الأدوية لخفض أسعارها، وإجراءات الانتقال إلى الطاقة النظيفة، والاهتمام بقضايا تغير المناخ، والإعفاءات من سداد القروض الدراسية للطلاب، مما قد يضيف إلى الأصوات الداعمة للديمقراطيين قطاعا جديدا من الشباب. هذا كله دون إغفال الانخفاض النسبي في أسعار الوقود بعد زيارة بايدن إلى السعودية، قبل قرار أوبك + الأخير بتخفيض الإنتاج، وهي أمور قد تصب في صالح الديمقراطيين في الانتخابات النصفية، على الأقل في إحدى غرفتي الكونجرس.
  3. اعتماد خطة للانتعاش الاقتصادي، من خلال توظيف تريليونات الدولارات لدعم تعافي سوق الوظائف والتخفيف من معاناة الأسر، حتى وصلت لأعلى معدلات التوظيف منذ عقود، حيث تم توفير ما يزيد عن ١٠ مليون وظيفة منذ تولي جوبايدن.
  4. محاول بعض نواب الكونجرس الأمريكي، التملص من دعم الولايات المتحدة لأوكرانيا في حربها ضد روسيا، على اعتبار أن الحرب والموقف الأمريكي منها سببا أساسيا في الوضع الاقتصادي الصعب في واشنطن، في محاولة لإثارة تعاطف المواطنين الأمريكان، حيث قدم ٣٠ نائبا طلبا للرئيس بايدن لفتح قنوات اتصال مع بوتين وتوقيع اتفاقية سلام مع روسيا،في سبيل التفرغ إلى الداخل الأمريكي في هذه الفترة، حتى يحافظوا على حظوظهم في الانتخابات النصفية، وأيضا الرئاسية والبرلمانية العامة القادمة.
  5. مشارك الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما في الحملات الانتخابية الداعمة للديمقراطيين، لأنه لا يزال يحظى بشعبية عالية داخل حزبه ولدى الرأي العام، لذا حاول الديمقراطيون استغلاله لاستقطاب أصوات الناخبين لصالحهم. وحاول أوباما اتباع سياسة تخويف المواطنين أيضا من حصول الجمهوريين على الأغلبية البرلمانية، قائلا” إذا جمعت ما بين القلق العميق على ديمقراطيتنا، والإنجازات الفعلية التي تمكنت إدارة بايدن من تطبيقها رغم وجود أغلبية بسيطة في مجلسي الشيوخ والنواب، فهذا يجب أن يكون كافياً لدفع الناخبين للتصويت “.
  6. التحقيقات مازالت مستمرة مع الرئيس السابق دونالد ترامب في أحداث اقتحام الكونجرس الأمريكي عقب إعلان خسارة الأخير في الانتخابات الرئاسية ٢٠٢٠ ( أحداث ٦ يناير )، الحدث الذي عابه الكثير من الأمريكيين بوجه عام، واعتبروه تشكيكا في مصداقية المؤسسات الأمريكية، مما أفقد ترامب وحزبه ثقة قطاع كبير من المواطنين. هذا بالإضافة إلى صدامات ترامب العديدة مع مؤسسات الدولة بسبب أعماله التجارية، وأيضا قضايا التهرب الضريبي المنسوبة إليه، وكلها امور تسلط وسائل الإعلام الضوء عليها، حتى تلفت أنظار الشارع الأمريكي.
  7. اقتحام مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي محل إقامة دونالد ترامب في ولاية فلوريدا، بدعوى حوزته مستندات سرية، قام بنقلها معه بعد خروجه من البيت الأبيض إلى منزله، ورفض تسليمها، وهو أمر غير مسموح به، مما أسهم في استنكار قطاع كبير من الشارع الأمريكي لما بدر من ترامب، أو ما نُسب إليه.
  8. كما أن نجاح عدد كبير من النواب الجمهوريين لمجرد تأييد ترامب لهم، رغم أنهم الأقل كفاءة ممن كانوا مرشحين من قبل الحزب الجمهوري نفسه كمؤسسة، مما أثار استنكار العديد من المواطنين.

وفي السياق ذاته، تسعى الإدارة الديمقراطية حاليا إلى التهويل منفترة رئاسة ترامب وتأثيم خياراته الداخلية والخارجية طيلة مدته، والتنديد بتطرف ترامب وحزبه، والعمل على تخويف المواطنين من احتمالية العودة إلى الوراء لفترة من التطرف والعنف والاضطرابات. وتبدو القضية المرفوعة ضد مستشار ترامب ستيف بانون، الذي حكم عليه بالسجن لمدة أربعة أشهر، لتقاعسه ومواراته معلومات تفيد مجلس النواب في تحقيقاته حول أحداث اقتحام الكونجرس.وأيضا القضية المرفوعة ضد رجل الأعمال توم براك المقرب من ترامب بتهمة قيادة لوبي هدفه تطوير العلاقات الأميركية الخليجية، عقب قرار أوبك بتخفيض الإنتاج. ناهيك عن الاتهامات الموجهة إلى ترامب نفسه في هذا الملف وغيره جزءا من حملة متعددة الأدوات لشيطنة وتجريم ترامب وأعوانه، وجلها تحركات لا يمكن أن تكون إلا مسيسة.

مشهد غير محسوم:

ورغم أن معظم استطلاعات الرأي رجحت فوز الجمهوريين بالأغلبية البرلمانية، استنادا إلى أن غالبية المواطنين أعطوا الأولوية للملف الاقتصادي على حساب ملف الإجهاض، إلا أننا من جانبنا نرى أن المعركة الانتخابية ليست محسومة حتى الآن، لأن الأسبوعين المتبقيين قبيل الانتخابات قد يشهدا مزيدا من المفاجئات، التي من شأنها أن تغير من أفكار الرأي العام، المتابع للإنجازات والزلات على التوازي.

وما يزيد الأمر غموضا، هو تأرجح استطلاعات الرأي خلال الأسابيع القليلة الماضية ما بين مؤيد ومعارض لأداء بايدن وحزبه، ففي يونيو الماضي ارتفع مستوى التأييد الشعبي لبايدن من ٣٨ إلى ٤٤ ٪، حتى وصل إلى ٧٥٪ في بعض نتائج الاستطلاعات التي أجريت ما بين يوليو وأكتوبر الجاري، كما أظهرت بالطبع بعض الاستطلاعات الأخرى نتائجا سلبية بالنسبة للديمقراطيين في القابل. وكلها معطيات تجعل من التنبؤ بنتيجة الانتخابات أمرا صعبا للغاية.

وفي الختام، تعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي مفصلية إلى حد كبير، حيث تتجاوز أهميتها قدرة الرئيس الأمريكي على تنفيذ أجندته خلال العامين المتبقيين من ولايته، كما تتجاوز أيضا فرص الأخير في الترشح لولاية ثانية حال خسارة حزبه لأغلبيته البرلمانية، لأن نتائجها قد تترك تداعياتها على الاستقرار في الداخل الأمريكي، وعلى مسار الحرب الأوكرانية حال أوقف الجمهوريون الدعم الأمريكي إلى كييف.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى