حسابات الأطراف: ما السيناريو المحتمل في اليمن بعد التطورات العسكرية في الخشعة؟

تشهد محافظة حضرموت، وتحديدًا منطقة الخشعة، تطورات عسكرية وأمنية متسارعة تمثل مؤشرًا بالغ الدلالة على التحولات الجارية في المشهد اليمني، لا سيما في الجنوب. فالتحركات الأخيرة لقوات درع الوطن، والسيطرة على معسكر اللواء 37 مدرع، بدعم مباشر من التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، تعكس انتقال الصراع من مرحلة إدارة النفوذ إلى مرحلة إعادة ضبط موازين القوة الاستراتيجية.
تهدف هذه الورقة إلى تقديم تقدير موقف شامل يقرأ الحدث في سياقه العسكري والسياسي والإقليمي، ويستشرف تداعياته المحتملة على مستقبل حضرموت والجنوب اليمني ككل.
الأهمية الاستراتيجية لحضرموت ومنطقة الخشعة:
تُعد حضرموت حجر الزاوية في معادلة الاستقرار اليمني، نظرًا لما تتمتع به من:
١- موقع جغرافي يربط الشرق بالوسط والجنوب.
٢- ثقل ديمغرافي وقبلي متماسك نسبيًا.
٣- موارد طبيعية تمثل ركيزة اقتصادية لأي كيان سياسي قادم.
أما منطقة الخشعة، فتكتسب أهميتها من كونها:
١. نقطة تحكم في مداخل وادي حضرموت.
٢. منطقة ربط بين الطرق العسكرية وخطوط الإمداد.
٣. موقع تمركز اللواء 37 مدرع، أحد آخر رموز القوة النظامية الثقيلة في المنطقة.
اللواء 37 من وحدة عسكرية إلى رمز سيادي:
لم يكن معسكر اللواء 37 مدرع مجرد هدف عسكري، بل شكّل:
١- رمزًا لبقاء نفوذ الدولة المركزية.
٢- نقطة توازن أمام تمدد قوى غير نظامية.
٣- عامل ردع يمنع فرض الأمر الواقع بالقوة.
وتعني السيطرة عليه، عمليًا، إعادة تعريف الجهة التي تمتلك القرار العسكري في حضرموت، وهو ما يفسر حساسية التحرك الأخير وحدّة ردود الفعل المصاحبة له.
قوات درع الوطن.. وظيفة القوة الجديدة:
تمثل قوات درع الوطن نموذجًا لقوة أُنشئت بهدف:
١. سد الفراغ الأمني.
٢. تحجيم تعدد التشكيلات المسلحة.
٣.إعادة الاعتبار للمؤسسة العسكرية النظامية. إلا أن دورها يتجاوز البعد الأمني ليصل إلى:
أ. إعادة هندسة المشهد العسكري الجنوبي.
ب. خلق توازن جديد يمنع الانفراد بالقرار.
ج. توفير أداة تنفيذية لرؤية إقليمية أكثر انضباطًا.
الدور السعودي.. من الدعم إلى إدارة التوازن:
تعكس التطورات الأخيرة تحولًا واضحًا في طبيعة التدخل السعودي:
١. من الاكتفاء بالدعم السياسي والعسكري.
٢. إلى التدخل المباشر لضبط مسار الصراع. وترتكز الرؤية السعودية على الآتي:
أ- الحفاظ على وحدة الأراضي اليمنية، أو على الأقل منع تفكك غير منضبط.
ب- تأمين العمق الاستراتيجي للحدود الشرقية.
ج- منع تحويل حضرموت إلى ساحة صراع بالوكالة.
د- دعم قوى نظامية قادرة على فرض الاستقرار وبذلك، لا يُقرأ التدخل السعودي بوصفه اصطفافًا تكتيكيًا، بل كجزء من معادلة أمن قومي إقليمي.
مأزق التمدد لدى المجلس الانتقالي:
يواجه المجلس الانتقالي الجنوبي تحديًا مركزيًا يتمثل في:
١- الانتقال من مناطق نفوذ تقليدية إلى بيئات اجتماعية مختلفة.
٢- ضعف القبول الشعبي في حضرموت.
٣- حساسية أي تحرك عسكري في منطقة ذات خصوصية قبلية وسياسية.
إن أي إخفاق في حضرموت لا ينعكس ميدانيًا فقط، بل قد يؤدي إلى:
أ. تراجع الزخم السياسي للمشروع الانفصالي.
ب. إعادة تقييم مستوى الدعم الإقليمي.
ج. انكشاف محدودية القدرة على إدارة مناطق واسعة.
السيناريوهات المستقبلية:
السيناريو الاول،- تثبيت السيطرة، وهذا السيناريو يعني:
١. بقاء الخشعة تحت سيطرة قوات درع الوطن.
٢. تهدئة أمنية دون حل سياسي شامل.
٣. إدارة سعودية غير معلنة للملف.
السيناريو الثاني،- سيناريو التصعيد المنخفض، وهذا يعني:
١. مناوشات متقطعة.
٢. استنزاف بطيء للأطراف.
٣. تآكل الاستقرار المحلي.
السيناريو الثالث،- سيناريو التسوية الجزئية، وهو يعتي:
١. إعادة توزيع الأدوار.
٢. تحجيم عسكري متبادل.
٣. إشراك قوى حضرمية محلية في إدارة الملف الأمني.
التحديات والمخاطر:
أ- انزلاق الجنوب إلى صراع داخلي طويل الأمد.
ب- إضعاف الجبهة المناهضة للحوثيين.
ج- تدهور الوضع الإنساني.
د- إضعاف فرص السلام الشامل.
التوصيات الاستراتيجية:
1- على المستوى الأمني.
• توحيد القيادة العسكرية في حضرموت.
• منع تعدد التشكيلات المسلحة.
• تحييد القوات المسلحة عن التجاذبات السياسية.
2- على المستوى السياسي.
• فتح مسار خاص بحضرموت يراعي خصوصيتها.
• تمكين النخب المحلية من لعب دور قيادي.
• الفصل بين القضية الجنوبية والإدارة الأمنية.
3- على المستوى الإقليمي.
• تنسيق استراتيجي واضح بين أطراف التحالف.
• منع التنافس بالوكالة.
• تحويل حضرموت إلى منطقة استقرار لا صراع.
في النهاية، تشير تطورات الخشعة بوضوح إلى أن حضرموت أصبحت مركز الثقل الحقيقي في معادلة الجنوب اليمني. وما يجري اليوم ليس صراعًا على موقع عسكري فحسب، بل معركة على شكل الدولة ومستقبل الإقليم. ويظل نجاح أي تسوية سياسية مستقبلية مرهونًا بقدرة الأطراف على الحفاظ على استقرار حضرموت، باعتبارها صمام الأمان لليمن واستقراره ووحدته، وللمنطقة بأكملها.