هل تعيد القمة الثلاثية في طهران إحياء “اتفاقية أضنة”؟

لا زالت مخرجات القمة الرئاسية الثلاثية التي جمعت الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان” بنظيريه الإيراني “إبراهيم رئيسي” والروسي “فلاديمير بوتين” في العاصمة الإيرانية طهران في 19 يوليو 2022، لإجراء محادثات بشأن سوريا في إطار “عملية أستانا” الرامية لإنهاء الصراع السوري– تلقي صداها على الأوساط المحلية والدولية، خاصة أن تلك القمة لم تحسم الخلاف الدائر بين الدول الثلاث بشأن العملية العسكرية التي تجهز لها تركيا في شمال سوريا خلال الأيام المقبلة، للسيطرة على بلدتين تل رفعت ومنبج من قوات سوريا الديمقراطية “قسد” التى تصنفها تركيا كجماعة إرهابية من أجل إقامة منطقة آمنة بعمق 30 كيلو مترًا على طول الحدود التركية السورية، تمهيدًا لإعادة النازحين السوريين وتوطين ما لا يقل عن مليون لاجئ سوري هناك.

توسع تركي:

ويأتي التوسع التركي تحت مزاعم فشل الجانب السوري في تنفيذ بنود “اتفاقية أضنة” التي تم توقيعها بين أنقرة ودمشق في يوليو 1998 بوساطة مصرية، والذي بموجبه تتصدي سوريا لأي محاولات كردية تهدف للإضرار بأمن واستقرار تركيا، وفي حال فشلت في ذلك، يحق لأنقرة القيام بأعمال أمنية وعسكرية داخل شمال شرقي سوريا ولكن بعمق يصل إلى 5 كيلومترات فقط، وهو ما دفع روسيا قبل القمة للحديث عن مساعيها لإعادة تفعيل “اتفاقية أضنة” لشرعنة عمل الحكومة السورية وبسط سيادتها على البلاد ووقف التغلغل التركي غير المسموح.

 

وبجانب المحاولات الروسية، فإن طهران لا زالت تشدد على رفضها للعملية التركية، وقد حذر المرشد الإيراني “علي خامنئي” خلال اجتماعه بـ”أردوغان” قبل القمة، من مخاطر تنفيذها على المنطقة، قائلًا، “الخطوة التركية المحتملة ستحول دون تحقيق الدور السياسي المتوقع من الحكومة السورية وستعود بالضرر على سوريا،  تركيا، والمنطقة، وستصبّ في صالح “الإرهابيين”؛ وما تناوله البيان الختامي للقمة، عن مساعي الدول الثلاث لضرورة التوصل لحل سياسي ينهي الأزمة السورية ورفضهم إيجاد حقائق جديدة على الأرض السورية بذريعة مكافحة الإرهاب.

ورغم ما تقدم يبدو أن أنقرة ماضية في تنفيذ تلك العملية، وما يؤكد ذلك، ما قاله “أردوغان” إبان القمة، “حربنا ضد التنظيمات الإرهابية ستستمر دائماً بغض النظر عن المكان والجهات التي تدعمها… مصممون على اجتثاث بؤر الشر التي تستهدف أمننا القومي في سوريا.. تركيا تنتظر الدعم من روسيا وإيران بصفتهما دولتين ضامنتين بمسار أستانة في كفاحها ضد الإرهاب”.

وتجدر الإشارة أن هذه العملية تأتي في إطار محاولات تركيا المستمرة لاستهداف الميليشيا الكردية التابعة لوحدات حماية الشعب الكردية العمود الفقري لـ”قسد” الذين تعتبرهم أنقرة “إرهابيين”؛ وقد أعلن عنها “أردوغان” أواخر أبريل 2021 ثم جدد دعوته في مايو 2022، قائلًا في كلمة له بالبرلمان التركي، “سنطلق عملية جديدة في سوريا لإقامة منطقة آمنة من 30 كيلومترا بمجرد استكمال استعداداتنا، وسننظف منبج وتل رفعت من الإرهابيين”.

وتعد هذه العملية إذ تم تنفيذها هي الخامسة لأنقرة منذ بداية الصراع السوري، حيث سبقها أربع عمليات عسكرية كبرى في شمال سوريا، خلال الفترة من أغسطس 2016 حتى فبراير 2020، وهم على التوالي (درع الفرات شمال حلب، غصن الزيتون في عفرين، نبع السلام شرق الفرات، درع الربيع بإدلب الشمالية الغربية)، وهذه العمليات كانت تهدف إلى إبعاد سيطرة المقاتلين الأكراد عن المناطق القريبة من الحدود التركية، وبالفعل نجحت أنقرة خلال السنوات الماضية من تعزيز سيطرتها على الشريط الشمالي لسوريا.

وقبل قمة طهران كثفت “قسد” المدعومة أمريكيًا من محاولاتها لثني أنقرة عن تنفيذ عمليتها العسكرية، وهذا بإجراء محادثات مع التحالف الدولي بقيادة واشنطن من جهة، وموسكو وطهران من جهة أخرى، إذ دعا “مظلوم عبدي” القائد العام لـ”قسد” في مؤتمر  صحافي له 15 يوليو الجاري، روسيا وإيران للضغط على أردوغان لمنعه من تنفيذ عمليتها العسكرية بشمال سوريا، قائلًا، “لدينا ثقة بأن روسيا وإيران لن توافقا على مطالب تركيا”، وكاشفًا عن إجراؤه مباحثات مع موسكو  تم بموجبها نشر  قوات تابعة للحكومة السورية في المناطق التي تتعرض للتهديدات التركية.

حسابات الربح والخسارة:

وبناء على التطورات السابقة، فإن التساؤل الذي يطرح نفسه في هذا الصدد، هو، هل تنجح روسيا وطهران حليفي أنقرة في إحياء “اتفاقية آضنة” بسوريا وتستجيب لمطالب “قسد” بمنع تركيا من تنفيذ العملية العسكرية القادمة في شمال سوريا أم أن هناك حسابات أخرى؟.

رغم إعلان موسكو وطهران رفضهم للعملية العسكرية التركية في سوريا من جهة وإدراكهم لمخاوف أنقرة الأمنية من جهة أخري- إلا أن هناك حسابات قد تدفع حلفاء تركيا لمنعها أو السماح لها بالمضي قدمًا في عمليتها العسكرية بشمال سوريا، وذلك على النحو التالي:

(*) حرب أوكرانيا والانسحاب الروسي من سوريا: رغم ما أعلنه القائد العام لـ”قسد” عن اتفاق مع موسكو تم بموجبها نشر  الأخيرة لمدرعات وأسلحة مضادة للطائرات وصواريخ جنوب أدلب بعد مناورات مع الجيش السوري في 10 يونيو الماضي استعدادًا لمواجهة التهديدات التركية بالشمال، وإعراب روسيا عن معارضتها لعملية أنقرة الجديدة، إلا أن موسكو  لن تعارض التوسع التركي، ويرجع هذا لأمرين، أولهما، الانشغال الروسي بالحرب مع أوكرانيا وهو ما دفعها مؤخرًا لسحب عدد من قواتها ومرتزقتها من سوريا لإعادة نشرها في أوكرانيا، وعليه فإن موسكو لا تريد عداء حليفها التركي في هذا التوقيت تحديدًا بل على العكس فهي بحاجة له نظرًا لكونه المتحكم في مضائق البحر  الأسود والتي بموجبها يسمح للغاز الروسي بالمرور إلى جنوب شرق أوروبا عبر أنابيبه العابرة للبحر الأسود، وتجلي ذلك بشكل واضح خلال المباحثات التي أجراها وزير الخارجية الروسي “سيرغي لافروف” مطلع يونيو الماضي خلال زيارته لأنقرة إذ تم مناقشة دور الأخيرة في فتح ممرات الإمداد بالغذاء من روسيا وأوكرانيا.

أما الأمر الثاني، متعلق بحاجة موسكو إلى تركيا التي ترفض الاستجابة لمطالب حلفاؤها في حلف الناتو بفرض عقوبات على روسيا جراء عمليتها العسكرية في أوكرانيا، ولهذا فإن “بوتين” يري أن تركيا هي صوته داخل الناتو، وهذا ما قد يفسر ما أعلنته مصادر عسكرية تركية لمواقع إخبارية أن انسحاب قوات روسية من سوريا هدفه إفساح المجال أمام الهجوم التركي المخطط له في شمال شرق سوريا، فضلًا أن حالة التوتر التي تفاقمت بين واشنطن وموسكو بسبب أوكرانيا، ساهمت في تغير الموقف الروسي المعتدل تجاه الأكراد، وهو  ما قد يدفع “بويتن” لعدم إعاقة العملية الجديدة لأنقرة.

(*) دعم إيراني مشروط: في البداية جاء الموقف الإيراني معارض بشدة للعملية التركية الجديدة، ولكن بعد زيارة وزير الخارجية الإيراني “أمير حسين عبداللهيان” إلى أنقرة في 27 يونيو الماضي، تغيرت حدة اللهجة الإيرانية، وقال “عبداللهيان” خلال مؤتمر صحفي مع نظيره التركي “مولود تشاوش أوغلو”، “نتفهم جيدًا مخاوف تركيا الأمنية ونتفهم أن عملية خاصة في سوريا قد تكون ضرورية”، الأمر الذي يفسر بأن طهران منحت “الضوء الأخضر” لحليفها التركي لمهاجمة المقاتلين الأكراد شمالي سوريا، وبعد إدراك إيران لذلك خرج سفيرها في أنقرة “محمد فرازمند” لينفي هذا مبرراً تصريحات “عبداللهيان” بأنه يقصد أن مخاوف تركيا يجب أن تعالج بالطرق السلمية.

ومع ذلك، فإن هناك عدد من الدوافع التي تقلل بشكل كبير من احتمالية نشوب صراع بين إيران وتركيا في سوريا، أولها، أن نظام الملالي يعي جيدًا أن الدخول في مواجهة مع الحليف التركي بالأراضي السورية سيؤدي لزيادة التوترات بين البلدين، وهو ما قد يدفع أنقرة إلى توطيد علاقات التعاون مع إسرائيل بل والانضمام لـحلف “ناتو شرق أوسطي” يجري الحديث عن تشكيله برعاية أمريكية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية لمواجهة التهديدات الإيرانية بالمنطقة، وهذا ما لا تريده إيران خاصة بعد التوتر الذي شاب العلاقة بين البلدين مؤخرًا بعد إعلان أنقرة القبض على خلية تجسس إيرانية لاستهداف الإسرائيليين في تركيا، وهو ما جعل إيران تسرع في إرسال وزير  خارجيتها إلى أنقرة خاصة بعد زيارة كل من ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان” ورئيس الوزارء الإسرائيلي “يائير لابيد” في يونيو الماضي إلى تركيا.

أما الدافع الثاني، أن طهران تبحث عن أي ملجأ يمكن من خلاله الحد من نفوذ واشنطن في دول المنطقة، وفي هذه الحالة ستتجاوز  إيران الدور التركي في شمال سوريا وستعمل على كيفية تقويض التحالف بين الميليشيا الكردية وأمريكا مستغلة ضعف قوات سوريا الديمقراطية ضد تركيا كأداة لإضعاف النفوذ الأمريكي في سوريا، وهذا سيكون الهدف الإيراني تحديدًا في مدينة منبج لأنها تقع  خارج منطقة نفوذ إيران ومصالحها في سوريا.

وفيما يخص الدافع الثالث الذي قد يجعل إيران تتدخل للحد من توسع أنقرة في شمال سوريا ولكن بطريقة غير مباشرة وبدون أن تدخل في صراع عسكري مع حليفها التركي، هو الجزء الجنوبي من مدينة “تل رفعت” حيث توجد بلدتا نبل والزهراء الشيعيتان وهذه المنطقة حيوية لإيران وميليشياتها في سوريا، وعليه فإن السيطرة على هذا الجزء تحديدًا قد يكون مقدمة لتركيا للسيطرة على مدينة حلب – الواقعة تحت سيطرة الجيش السوري- والتقليل من نفوذ إيران الذي تزايد خلال السنوات الماضية والتمهيد للإزاحة بنظام الأسد حليف إيران التي تتخوف أيضًا من استهداف الجماعات السنية الموالية لتركيا بعد السيطرة على تل رفعت لشيعة نبل والزهراء، وبناء عليه فإن طهران بدأت بشكل غير مباشر في دفع الأكراد لتوقيع اتفاق مع دمشق والذي بموجبه يسلم المسلحين الأكراد تل رفعت للجيش السوري قبل العملية التركية وبذلك تبطل هدف أنقرة لإدراج تل رفعت في عمليتها الجديدة في سوريا بأنها تحارب التمرد الكردي.

(*) دور حلف الناتو في عرقلة الموقف الأمريكي: عارضت واشنطن بشدة أي عملية تركية في شمال سوريا، زاعمة أن تنفيذ مثل هذه العملية بجانب أنه سيعيد تقوية نفوذ داعش أنه سيجعل قوات سوريا الديمقراطية توطد علاقتها بخصوم واشنطن (روسيا، إيران، سوريا)، وقالت “دانا سترول” مساعدة وزير الدفاع الأمريكي في تصريحات له 15 يوليو 2022، “هذه الخطوة ستعرض القوات الأميركية في المنطقة للخطر، وتكون لها عواقب وخيمة على قتال تنظيم داعش، إضافة إلى أنها قد تدفع “قسد” إلى حضن الخصوم؛ خصوصاً إيران”.

ورغم ما يبدو أن واشنطن ستتصدي بقوة للعملية التركية، إلا أنها لن تفعل ذلك في حقيقة الأمر كما لم تستطع أن تفعل في الماضي حينما نفذت أنقرة “أربع عمليات” بسوريا، والسبب جراء ذلك هو “الفيتو التركي” الذي حال دون انضمام كل من السويد وفنلندا إلى حلف الناتو  لرفضهم تسليم تركيا عدد من الأكراد في بلدنهم، وهو ما يقوض الجهود التي تقودها واشنطن لتوسعة الحلف لإبعاد خطر روسيا عن أوروبا، ولذلك فـإن الصمت الأمريكي حيال العملية التركية قد يكون المقابل للحصول على موافقة “أردوغان” لانضمام تلك الدول إلى الحلف، وهذا الأمر  تدركه جيدًا كل من روسيا وإيران وهذا ما قد يدفعهم لعدم إعطاء الفرصة لأمريكا بتجنب الدخول في صراع مع تركيا.

تأسيسًا على ما سبق، يمكن القول أن المشكلات التي تعاني منها روسيا وإيران اللذين يخضعان لعقوبات غربية؛ ستحول دون معارضة تلك الدول لعملية التوسع التركي بشمال سوريا، إلا أنها ستكتفي بالتفاوض مع “أردوغان” من أجل عدم تهديد مصالحهم بالشمال السوري كأولوية قصوي، والعمل من أجل الحد من نفوذ أمريكا والميليشا الكردية الموالية لها بالأراضي السورية، وأن “اتفاقية أضنة” ستظل مبرر  “أردوغان” بأن تدخل بسوريا يرجع لفشل النظام السوري في اتخاذ التدابير الأمنية المنصوص عليها في الاتفاق الخاص بمواجهة حزب العمال الكردستاني، وهو ما يفسر نجاح تركيا  خلال السنوات لماضية في تنفيذ أربع عمليات مكنتها من تعزيز وجودها بالأراضي السورية.

نورا فايد

باحثة ببرنامج دراسات الخليج العربي، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة، وباحثة مشاركة في عدد من المراكز البحثية السياسية، مهتمة بدراسة الشأن الإيراني وحركات الإسلام السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى