غضب الجيل الجديد: هل تنهي حرب إيران عصر الحزبين في أمريكا؟

شهد محمود- باحثة بوحدة الدراسات الدولية
لعقود مضت، ظل المشهد السياسي الأمريكي محصورًا داخل حلبة ثنائية القطب، حيث يتقاسم الديمقراطيون والجمهوريون ولاءات الشارع. ورغم هذا الانقسام التقليدي، برزت دائمًا فئة في المنتصف تُعرف بـ “الناخبين المستقلين”. لكن ما كان يُعتبر مجرد استثناء، بات اليوم ظاهرة تفرض نفسها بقوة؛ إذ تشير الإحصاءات إلى تحول دراماتيكي في الولاءات السياسية، خاصة لدى الأجيال الشابة.
ففي حين ينفصل الجيل الجديد (Gen Z) بوضوح عن القوالب الحزبية الجامدة، نجد أن نحو 56% منهم يرفضون التبعية لأي من القطبين، مفضلين الاستقلال السياسي، مقابل نسب أقل تميل للجمهوريين (17%) أو الديمقراطيين (27%). هذا الصعود المتسارع للمستقلين يطرح تساؤلًا جوهريًا قد يعيد رسم خريطة القوة في واشنطن: هل يمتلك هؤلاء المستقلون القدرة على كسر احتكار الحزبين وتهديد وجودهما التقليدي في السنوات المقبلة؟
ومع تصاعد طبول الحرب بين واشنطن وطهران في عام 2026، يبرز تساؤل آخر: كيف تحولت التوترات مع إيران إلى وقود يغذي نفور المستقلين من الحزبين؟
من الميل الحزبي إلى النفور السياسي:
لا يُعرَّف المستقلون في العرف السياسي الأمريكي بالضرورة ككتلة أيديولوجية جامدة، بل هم الناخبون الذين يرفضون القيد الحزبي، مفضلين صياغة قناعاتهم بناءً على مواقف المرشحين تجاه قضايا بعينها. وتتنوع هذه الفئة بين “مستقلين مائلين” يضمرون ولاءً غير معلن لأحد القطبين، وآخرين تتغير بوصلتهم مع كل دورة انتخابية وفقًا للظروف الاقتصادية، وصولًا إلى أنصار “الطرف الثالث” الباحثين عن بدائل خارج الإطار التقليدي.
وتكشف بيانات مؤسسة “جالوب” الممتدة منذ عام 1988 أن هؤلاء ليسوا مجرد ظاهرة طارئة، بل يمثلون الكتلة الأكبر تاريخيًا في المشهد الأمريكي. إلا أن الزخم الحقيقي انطلق عام 2011، حين قفزت نسبتهم لتتجاوز حاجز الـ 40% بشكل دائم، وصولًا إلى ذروة قياسية بلغت 45% في عام 2025؛ وهو ما يعكس اتساعًا غير مسبوق في الفجوة بين تطلعات الشارع والمؤسسات الحزبية التقليدية.
وخلافًا للنمط التقليدي الذي كان يرى في المستقلين مجرد ناخبين مترددين يميلون في النهاية لأحد القطبين عند صناديق الاقتراع، تكشف معطيات عام 2025 عن تحول بنيوي أعمق؛ إذ استبدل الجيل الجديد المرونة السياسية بنوع من “النفور الصريح”. ووفقًا لبيانات جامعة شيكاغو (نوفمبر 2025)، اتسعت الهوة بشكل لافت، حيث يحمل 56% من جيل الألفية و”زد” نظرة سلبية تجاه الديمقراطيين، وترتفع هذه النسبة إلى 62% تجاه الجمهوريين.
إيران كوقود إضافي للخيبة الجيلية من السياسة الخارجية
لا ينبع نفور المستقلين من فراغ، بل هو نتاج تراكمي لفشل الحزبين في ترتيب “الأولويات الأمريكية”. فبينما يغرق المواطن العادي في دوامة التضخم وعدم الاستقرار المالي والاجتماعي، يرى الشباب الأمريكي أن واشنطن لا تزال متمسكة بسياسة “الإقحام العسكري” في صراعات خارجية، بدءًا من غزة وصولًا إلى التصعيد الحالي مع طهران، متجاهلة الأزمات المعيشية المتفاقمة في الداخل.
والمفارقة الصارخة هنا تكمن في مشهد 2026؛ فبالرغم من عودة الجمهوريين للحكم، لم يتغير النهج كثيرًا. فرغم أن الرئيس دونالد ترامب خاض حملته الانتخابية تحت شعار إنهاء “الحروب الأبدية”، فإن وتيرة الضربات الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران وضعت هذه الوعود على المحك، وكشفت عن انخراط جديد في توترات إقليمية تُستنزف فيها الموارد على حساب الأولويات الداخلية.
وقد ترجمت الأرقام هذا الوضع بوضوح؛ فوفقًا لاستطلاع أجرته وكالة “رويترز”، عبّر 44% من المستقلين عن معارضتهم الصريحة لهذه الضربات، مقابل تأييد محدود لا يتجاوز 19%. وفي السياق ذاته، كشف استطلاع لصحيفة “واشنطن بوست” أن 51% من الكتلة المستقلة تطالب بوقف العمليات العسكرية فورًا. هذه البيانات لا تعكس مجرد موقف سياسي عابر، بل تؤكد أن “الناخب المستقل” بات يرى في آلة الحرب، التي يوظفها الحزبان، عائقًا حقيقيًا أمام تحقيق “الأمان الاقتصادي” الذي وُعد به ولم يجده.
هل يملك المستقلون القدرة على تغيير مجرى الأحداث إذًا؟
في الواقع، يواجه هذا التهديد عددًا من العوائق التي تصب في صالح النظام الحزبي الثنائي، تتمثل في الآتي:
(-) هيكلية النظام الانتخابي الأمريكي: يُعد النظام الانتخابي في الولايات المتحدة أحد أبرز العوامل التي تجعل المنافسة صعبة أمام المرشحين المستقلين. فالانتخابات تقوم على نظام الأغلبية البسيطة (First-Past-The-Post) وعلى الدوائر الفردية، حيث يفوز المرشح الذي يحصل على أعلى عدد من الأصوات حتى لو لم يحقق الأغلبية المطلقة. فمثلًا، إذا حصل مرشح ديمقراطي على 40% من الأصوات، ومرشح جمهوري على 39%، ومرشح مستقل على 21%، فإن الفوز يذهب للمرشح الديمقراطي رغم أن أغلبية الناخبين لم تصوت له. في مثل هذا النظام، يخشى كثير من الناخبين دعم المرشح المستقل الذي يفضلونه، ويميل كثير منهم إلى التصويت لما يرونه “الخيار الأقل سوءًا” بين الحزبين الكبيرين، وهو ما يحد من فرص المستقلين في تحقيق نتائج مؤثرة.
(-) نظام الانتخابات التمهيدية: تمثل مرحلة أساسية في العملية الانتخابية الأمريكية، إلا أن طبيعتها في بعض الولايات تشكل عائقًا إضافيًا أمام المستقلين. ففي عدد من الولايات تُجرى الانتخابات التمهيدية بنظام مغلق، بحيث يقتصر التصويت على الأعضاء المسجلين في الحزب فقط. ونتيجة لذلك، يُستبعد الناخبون المستقلون من المشاركة في هذه المرحلة المهمة، رغم أن نتائجها تحدد المرشحين الذين سيخوضون الانتخابات العامة. وتشير تقديرات لمنظمات مدنية أمريكية مثل Open Primaries إلى أن نحو 16.6 مليون ناخب مستقل في 16 ولاية لا يُسمح لهم بالتصويت في الانتخابات التمهيدية، وهو ما يعكس محدودية تأثيرهم داخل العملية السياسية.
(-) التلاعب بالدوائر الانتخابية: بعد كل تعداد سكاني يُجرى كل عشر سنوات، تُعاد رسم حدود الدوائر الانتخابية بهدف تحقيق توازن في عدد السكان. إلا أن هذه العملية غالبًا ما تكون بيد الحزب الحاكم في الولاية، وهو ما يمنحه القدرة على رسم الدوائر بطريقة تخدم مصالحه الانتخابية، عبر توزيع أو تجميع ناخبي الحزب المنافس داخل دوائر محددة بما يقلل من تأثير أصواتهم ويزيد من فرص فوز مرشحيه. ونتيجة لذلك، تصبح المنافسة أكثر صعوبة أمام المرشحين المستقلين الذين لا يمتلكون نفس القدر من النفوذ المؤسسي.
(-) قوانين الوصول إلى بطاقات الاقتراع: يحصل مرشحو الحزبين الرئيسيين عادةً على إدراج شبه تلقائي في بطاقات الاقتراع، اعتمادًا على وضعهما كأحزاب كبرى ونتائجهما السابقة. في المقابل، يُطلب من المرشحين المستقلين والأحزاب الصغيرة في كثير من الولايات جمع عدد كبير من التوقيعات خلال فترة زمنية محدودة، مع شروط معقدة، ما يمثل عائقًا إضافيًا أمامهم.
(-) التمويل الانتخابي: يصطدم المستقلون والأحزاب الثالثة أيضًا بعقبة التمويل، إذ يفتقرون للقدرة المالية اللازمة لإطلاق حملات دعائية واسعة تضاهي الحزبين الكبيرين. وفي ظل نظام يعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الخاص، تتجه تبرعات الشركات وكبار المانحين غالبًا نحو الديمقراطيين والجمهوريين باعتبارهم “الخيول الرابحة”. هذا التحيز يخلق حلقة مفرغة: غياب التمويل يضعف الانتشار، وضعف الانتشار يقلل فرص التمويل، بما يكرس الهيمنة الثنائية ويحد من ظهور بديل سياسي حقيقي.
على ما سبق، تتبنى الأجيال الجديدة وعيًا أكثر راديكالية يرفض القوالب الحزبية الجامدة، مدفوعًا بخيبات أمل متراكمة من وعود لم تتحقق، وحروب غير مبررة، وأزمات معيشية متجاهلة. لكن هذا التحول يصطدم بقدرات مؤسسية قوية تحافظ على استمرار القطبية الثنائية. صحيح أن نسبة المستقلين في ازدياد، وأن الولاء الحزبي يتراجع بين الشباب، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة انهيار الحزبين على المدى القريب، بل يعكس تآكلًا تدريجيًا في شرعيتهما الشعبية.
نتيجة لذلك، يغرق النظام السياسي الأمريكي في حالة من الجمود الهيكلي، تحدّ من قدرته على الاستجابة للأولويات المتغيرة. ويبدو أن التحول الجيلي الحالي، على الأقل في الأمد القصير، لن يفضي إلى ظهور قوة ثالثة قادرة على كسر احتكار الحزبين، لكنه يضع السياسة الأمريكية أمام مفترق حاسم: إما أن يدفع الحزبين إلى مراجعة داخلية عميقة تستعيد ثقة القواعد النافرة، أو يستمر الوضع في حالة شلل سياسي، تُدار فيها الدولة بمؤسسات تعاني من تراجع الثقة الشعبية.