كيف ينعكس التقارب السعودى- التركي على المنطقة؟

استكمالا لجهود تطبيع العلاقات بين المملكة العربية السعودية وتركيا، وبعد قرابة شهرين من زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الأراضي السعودية في أبريل الماضي، قام ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بزيارة إلى تركيا. وجاءت زيارة بن سلمان إلى تركيا في إطار جولة بالمنطقة ، شملت مصر والأردن أيضا، وكانت تركيا آخر محطاته.

وحظيت تلك الزيارة بالكثير من الاهتمام والمتابعة لعدة اعتبارات، أبرزها توقيت الزيارة ودلالاته، لأنها تمت عقب الإعلان رسميا عن زيارة الرئيس الأمريكي إلى السعودية في منتصف الشهر القادم. الأمر الذي أثيرت حوله التساؤلات عن أسباب الزيارة في هذا التوقيت تحديدا، وأهم الملفات الملحة التي ستتم مناقشتها في إطار جولة ولي العهد.

توقيت لافت:

قام ولي العهد السعودي محمد بن سلمان برد الزيارة التي أجراها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة العربية السعودية في أواخر أبريل الماضي، ليطوى بذلك سجل الخلافات التي طوقت العلاقات السعودية التركية لسنوات.وكانت زيارة ولي العهد السعودي في إطار جولة إقليمية في المنطقة بدأت من مصر، ثم الأردن التي انتقل بعدها إلى تركيا في ٢٢ يونيو الجاري.

وكان قد تم الإعلان عن تلك الجولة في وقت سابق بالتزامن مع توارد تقارير عن زيارة محتملة للرئيس الأمريكي جو بايدن إلى الأراضي السعودية خلال الشهر الجاري، إلا أنها تأجلت _ زيارة بن سلمان _ في ذلك الوقت، حتى تمت بالفعلبعد الإعلان رسميا منذ أيام عن زيارة بايدن للسعودية في ١٥ و ١٦ يوليو المقبل، بعد زيارة الرئيس الأمريكي إلى لإسرائيل والضفة الغربية، مما قد يشير إلى الارتباط الشديد بين جولة ولي العهد السعودي بوجه عام وبين زيارة الرئيس الأمريكي للسعودية.

فمن المؤكد وفقا لعدد من المحللين أن تلك التحركات الدبلوماسية مرتبطة ببعضها البعض، على اعتبار أن دول المنطقة تحاول من خلال هذه اللقاءات المباشرة التنسيق فيما بينها كخطوة استباقية من أجل لملمة الأوراق قبل زيارة بايدن المرتقبة، من أجل الاتفاق على موقف موحد تجاه الملفات التي ستتم مناقشتها، وبالأخص فيما يتعلق منها التهديدات الإيرانية، بعد أن فشلت المساعي الغربية حتى الآن في التوقيع على الاتفاق النووي، وبعد العقوبات الأخيرة التي فرضتها الإدارة الأمريكية على إيران بعد ضغط الكونجرس،والاستهداف المتتالي من قبل إسرائيل ضد شخصيات ومواقع إيرانية داخل إيران وخارجها،واعتراف الوكالة الدولية للطاقة بفشل الاتفاق النووي.

كما جاءت زيارة ولي العهد إلى القاهرة في مطلع جولته الإقليمية،خاصة وأن مصر على سبيل المثال ستكون على رأس الدول الحاضرة لاجتماع دول مجلس التعاون الخليجي بحضور الرئيس الأمريكي في ١٦ يونيو القادم، وبالتالي فهناك ضرورة ملحة لتنسيق المواقف بينهما.

أضف إلى ذلك، أن زيارة ولي العهد السعودي إلى أنقرة أعقبها زيارة لوزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد إلى تركيا في اليوم التالي، والتي سبقها أيضا تنسيق هاتفي بين الرئيس التركي ونظيره الإسرائيلي، بل أن وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو نفسه كان قد زار فلسطين وإسرائيل في أواخر الشهر الماضي، وبالتالي قد يكون هذا الحراك الموسع مرتبط ببعضه بشكل ما، وأيضا للتنسيق من أجل مواجهة إيران في المرحلة المقبلة تحت إشراف أمريكي.

وكان قد انعقد اجتماع في وقت سابق من شهر مارس الماضي في جنوب إسرائيل بحضور مبعوثي بعض الدول العربية، من مصر والمغرب والبحرين والإمارات، بالإصافة إلى مبعوث الولايات المتحدة، من أجل الاتفاق على صيغة مشتركة للدفاع الجوي المشترك ضد إيران، وبالتالي قد تكون هناك محاولات لضم السعودية وتركيا إلى هذا الاتفاق.

وبالتالي قد تكون هناك محاولات تجرى في الوقت الراهن لإقامة ” ناتو ” جديد في الشرق الأوسط، وقد يؤشر إلى تلك المحاولات تأكيد العاهل الأردني أن بلاده ” ستكون من أوائل الدول التي تدعم تشكيل ناتو خاص بالشرق الأوسط “.

مآرب أخرى:

بالإضافة إلى محاولة أنقرة والرياض توحيد الجهود الإقليمية من أجل مواجهة الطموحات الإيرانية في المنطقة،إلا أن هذا الهدف _ وإن كان أساسيا _ إلا أنه قد لا يكون السبب الأوحد وراء الزيارة، أو هذا الحراك الدبلوماسي الواسع على المستوى الإقليمي والدولي، لأنه قد يتطرق إلى بعض الملفات العالقة الأخرى، ويأتي على رأسها:

استعادة العلاقات المصرية التركية:فمنذ توقيع اتفاقية العلا للمصالحة بين الدول الخليجية بالإضافة إلى مصر مع قطر، ومن بعدها استعادة العلاقات التركية بالدول الخليجية كالإمارات والبحرين، وكان آخرها السعودية عقب زيارة أردوغان الأخيرة للسعودية، والتي مثلت بداية لصفحة جديدة في العلاقات بين البلدين، ولكن ظلت العلاقات التركية المصرية علامة استفهام كبيرة حتى الآن، بعدما شهدت نوعا من التقارب الدبلوماسي بعد سنوات عجاف، كما شهدت بعض المفاوضات بين البلدين في العام الماضي، كذلك الرسائل الإيجابية في شرق المتوسط، حتى توجت تلك المجهودات بتبادل السفراء بين القاهرة وأنقرة، وهي خطوة لها أهميتها في حد ذاتها، إلا أن عملية التطبيع بشكل كامل بين البلدين تسير بشكل متباطئ حتى وقتنا هذا، بل توقفت تقريبا بعد هذا الحد.

ولكن مع التطورات الإقليمية التي شهدتها المنطقة مؤخرا، بعد المصالحة التي تمت بين تركيا والدول الخليجية بشكل عام، وتركيا وإسرائيل، والتطبيع الإماراتي البحريني مع إسرائيل، فضلا عن الجهود المبذولة حاليا من أجل تكوين تحالف إقليمي في مواجهة إيران في المنطقة، كلها معطيات قد تسرع من عملية التطبيع بين تركيا ومصر في الفترة القادمة، خاصة بعد زيارة الرئيس الأمريكي إلى السعودية في ظل الحضور المصري، وبعد الاستقرار الواضح في العلاقات التركية الأمريكية بعد الحرب الأوكرانية، وبعد الانخراط التركي الواضح في المنطقة في الفترة الأخيرة، كما أن مصر نفسها ستحاول الحفاظ على دورها كلاعب أساسي ضمن أي ترتيبات أو تحركات في المنطقة، وكل ذلك سيوجب بالضرورة استعادة العلاقات المصرية التركية، مع الأخذ في الاعتبار أيضا الملفات المشتركة بين البلدين مثل الملف الليبي وغاز شرق المتوسط، تلك المنطقة التي تضاعفت أهميتها في ظل الأزمة الأوكرانية، والاحتياج العالمي للطاقة، وكله يحتم ضرورة تنسيق تركي مصري على مستويات أكبر.

تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل: إذا أخذنا في الاعتبار الأطراف الإقليمية التي سيتوجه ولي العهد السعودي بزيارتها، كلها تربطها اتفاقيات سلام مع إسرائيل، سواء مصر ( معاهدة كامب ديفيد ١٩٧٨ )، أو الأردن ( اتفاقية وادي عربة ١٩٩٤ )، أو تركيا، والتي وطدت علاقاتها بإسرائيل أكثر خلال الأشهر الماضية بصورة لافتة، إلى الحد الذي دفع الإدارة الأمريكية لوقف دعم مشروع نقل الغاز ” إيست ميد ” بين اليونان وإسرائيل، في إشارة إلى احتمالية استبداله بآخر بين إسرائيل وتركيا، وبالتالي قد تحاول إسرائيل الاستفادة من علاقاتها مع أنقرة للمساهمة في تطبيع علاقاتها مع السعودية.

ومع زيارة الرئيس الأمريكي إلى إسرائيل والضفة قبل توجهه إلى السعودية،أي استخدام الأجواء السعودية من قبل الطائرات الإسرائيلية للمرة الأولي. ناهيك عن زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى أنقرة بعد ساعات من مغادرة ولي العهد السعودي العاصمة التركية. أضف إلى ذلك أن الترتيبات الإقليمية الجارية في المنطقة خلال الفترة الراهنة لمواجهة إيران كلها ستكون إسرائيل لاعبا أساسيا بها، مما قد يستوجب تواصل سعودي إسرائيلي مباشر، بل أن التشجيع والدعم الأمريكي لمثل هذه التحركات _ وبالذات فيما يخص مواجهة إيران _ ما هو إلا نتيجة ضغط إسرائيلي على الإدارة الأمريكية، وقد يؤكد على ذلك تصريحات بايدن لتبرير زيارته إلى السعودية بأنها من أجل مصلحة وأمن إسرائيل. إلى جانب ضغط الإدارة الأمريكية على الرياض في هذا الشأن، وكل هذه المعطيات قد تشكل ضغوطا على القادة السعوديين من أجل تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وقد يكون للجانب التركي إسهاما في ذلك.

وكخطوة إضافية في طريق التطبيع، فإنإسرائيل تريد بالتأكيد استكمال مشروع الخطوط الجوية الصهيونية ” العال “، ومنها خط تل أبيب المنامة، وخط تل أبيب الإمارات، الأمر الذي أكده وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد، الذي أكد أيضا أن بلاده في انتظار زيارة جو بايدن إلى الأراضي السعودية من أجل مناقشة هذا الملف.

وهذه هي الملفات المتوقع أن تكون ذات أولوية على الطاولة بين الرياض وأنقرة، بل إن التحركات الأخيرة في المنطقة في مجملها قد تتطرق إلى هذه الملفات بشكل أو بآخر، وبغض النظر عن النتيجة. ولكن ذلك لا ينفي بأي شكل الاستفادة العسكرية للرياض التي لم تخف إعجابها بالمسيرات التركية، ولا الاستفادة الاقتصادية لأنقرة لأن الاقتصاد هو الملف الأهم بالنسبة لأردوغان قبل الانتخابات، كما أن تركيا أصبحت تمتلك أذرعا عدة في المنطقة يمكن للسعودية الاستفادة منها، خاصة وأنهما تتشاركان الرؤية نفسها في بعض الملفات، مثل الملف السوري.

وفي النهاية يمكن القول، إن الفترة القادمة قد تشهد تطورات ملفتة على المستوى الإقليمي، سواء على صعيد التحالفات، أو التقاربات، وستتضح الصورة أكثر بعد زيارة الرئيس الأمريكي إلى السعودية من التطورات التي ستعقبها.ولكن قد لا تصل هذه التطورات إلى حد توجيه ضربات عسكرية مباشرة إلى إيران، أو إعلان الحرب عليها، لأن الإدارة الأمريكية نفسها لن تحبذ تلك الفكرة في أوج الحرب الأوكرانية، والتهديدات الصينية إلى تايوان، وبالتالي قد لا تندفع واشنطن إلى فتح جبهة جديدة من الصراع.

وردة عبد الرازق

رئيس برنامج الدراسات الأوروبية و الأمريكية ، حاصلة على بكالوريوس علوم سياسية، جامعة بنى سويف، الباحثة مهتمة بدارسة الشأن التركي ومتابعة لتفاعلاته الداخلية والخارجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى