كيف تبدو الأسس الفكرية للصراع الروسي الأوكراني؟ (2)

د. حسام البقيعي- خبير العلاقات الدولية.

في إطار البحث عن الأسس الفكرية التي يقوم عليها الصراع الروسي الأوكراني والممثلة في الأساس الجغرافي والأساس الديني والأساس التاريخي وهي الأسس التي مثلت العقد الحاكمة والمتحكمة في هذا الصراع.

في حين تناول المقال السابق بكثير من التفصيل الأساس الجغرافي للصراع الروسي الأوكراني، ومحورية الموقع الجغرافي لكل من روسيا وأوكرانيا في ذلك الصراع، والذي لعب دواراً حاسماً في تحديد الجزء الأكبر للأهداف الاستراتيجية الروسية في هجومها على أوكرانيا، يتناول هذا المقال الأساس الديني للصراع بين الجانبين، ودور الكنيسة الأرثوذكسية في كل من روسيا وأوكرانيا في تغذيته.

تاريخ العلاقة بين الكنيستين الروسية والأوكرانية:

قبل ألف عام وفي أواخر القرن العاشر الميلادي وحد الأمير “فلاديمير الكبير” أمير كييف؛ الشعوب الروسية في روسيا وأوكرانيا وبيلا روسيا في دولة واحدة واعتنق الديانة المسيحية وفرضها علي شعبه لتصبح كييف مدينة مزدهرة في قلب الإمبراطورية المسيحية الجديدة ومعمورة بالكنائس والأديرة والمحاكم والمدارس وذلك عام 988 م؛ حيث نجح في تحويل كييف روسي إلى المسيحية الأرثوذكسية، ومنها انتقل المذهب الجديد إلى سكان الأراضي السلافية الشرقية بعد تعميده من المبشرين المسيحيين من القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية في ذلك الوقت،لتصبح كييف أهم مركز ديني للسلاف الشرقيين، ومن ثم كانت بداية المسيحية الأرثوذكسية الروسية من أوكرانيا، حيث لعبت كييف دور الإسكندرية في الكنيسة القبطية المصرية.

وفي القرن الثالث عشر الميلادي عانت كييف من اعتداءات وهجمات الأمراء الروس والغزاة المغول مما أدى إلي انتقال العديد من الروس شمالاً الي المدن الجديدة مثل فلاديمر وموسكو ونمت الكنيسة الأرثوذكسية في موسكو لتصبح واحدة من أقوى وأغني الكنائس في العالم الأرثوذكسي مما أدي الي خلق توتر بين موسكو وكييف، وبالتبعية بين روسيا وأوكرانيا لعدة قرون، ووصل إلى ذروته خلال الفترة السوفيتية، وبانهيار الإتحاد السوفيتي أواخر القرن العشرين كان لأوكرانيا عدة كنائس أرثوذكسية، واحدة منها فقط كانت على علاقة وثيقة بموسكو.

ورافقت محاولات الاستقلال السياسي لأوكرانيا أعوام 1992,1942,1921م، محاولات فاشلة لاستقلال الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية؛لإنشاء كنيسة مستقلة، وقد تكللت تلك المحاولات بالنجاح في عام2018م، حيث انعقد مجلس خاص للأساقفة في كاتدرائية “سانت صوفيا” الأثرية بكييف لانتخاب الأسقف “ايبيفاني” رئيساً للكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية المستقلة، ووصف الرئيس الأوكراني حينها “بترو يورتشينكو” إعلان ذلك الاستقلال بأنه بوم لن ينساه التاريخ؛ يوم الانفصال النهائي عن روسيا.

علاقة الرئيس “بوتين” بالكنيسة الروسية:

خلال سنوات حكمه قدم الرئيس “فلاديمير بوتين” دعماً غير محدود ولا مسبوق للكنيسة الروسية، وسادت بين الطرفين علاقة وثيقة بعد عقود عانت فيها الكنيسة من صعود الشيوعية أبان الحكم السوفيتي، واعتمد الكرملين علي الكنيسة الأرثوذكسية باعتبارها القوة الموحدة الرئيسية في البلاد، وقدم لها دعما مالياً سخياً في المقابل كانت الكنيسة هي المروج الرئيسي لمفهوم العالم الروسي الذي يصور الكرملين وقادته كمدافعين عن الروس خارج روسيا .

وتبني الرئيس بوتين خطاباً محافظاً يرفض فيه الطلاق والمثلية الجنسية وتشجيع القيم الأسرية التقليدية ليبدو مدافعاً ومحافظاً عن التقاليد المحافظة ومكانة الكنيسة؛ بالمقابل دعمت الكنيسة الحملات العسكرية الروسية علي مختلف الجهات، حتى أنها ووصفت التدخل الروسي ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا بالمعركة المقدسة .

وفي الحرب الأوكرانية لعبت الكنيسة الروسية دوراً هاماً قبل وأثناء دخول القوات الروسية لأوكرانيا كان أبرز مواقفها تسجيلات الكنائس الروسية العسكرية الروسية المتنقلة خلال العمليات العسكرية وكذلك صور مباركة الكهنة للأسلحة الروسية في أوكرانيا وحرصهم علي مرافقة الجنود الروس وإقامة وتأدية الصلوات معهم وبث الحماسة فيهم بالخطب الدينية .

وتوجت تلك العلاقة بين الجيش الروسي والكنيسة الأرثوذكسية ببناء كاتدرائية مستقلة كبيرة للجيش الروسي وافتتاحها عام 2020م وهي كاتدرائية قيامة المسيح الخاصة بالقوات المسلحة الروسية في الذكري الخامسة والسبعين لانتصار روسيا في الحرب العالمية الثانية .

وقد حرص بطريرك موسكو القس “كيريل” علي إلقاء الخطب الحماسية التي تعبر عن فخر الكنيسة الروسية وقساوستها وشعبها بالكرملين والجيش الروسي؛ كما حرص الرئيس “بوتين” وقادة الجيش الروسي علي مبادلة الكنيسة مشاعر الفخر ذاتها، ويعتبر البطريرك “كيريل” بطريرك موسكو حليفاً للرئيس “بوتين”، وشاركه المعارضة الشديدة لاستقلال كنيسة كييف وفصل الكنيستين الأرثوذكسيتين الروسية والأوكرانية عن بعضهما البعض .

ولهذا قدم الرئيس ” بوتين”، دعماً كبيراً للكنيسة مادياً ومعنوياً وسياسياً قبل دخول القوات الروسية لأوكرانيا كعامل جذب للجماهير من حوله وحشد للمسيحيين حول العالم لبدء خطته لاستعادة مقتنيات الكنائس التي تم بيعها والاستغناء عنها أبان الحقبة السوفيتية والحرص علي بناء ألاف الكنائس وتجديد الباقي إلى جانب إدراج مادة عن الثقافة الأرثوذكسية في المناهج الدراسية .

ويري المؤرخون أن الهدف الرئيسي لتلك الحرب في أوكرانيا يكمن في رغبة الرئيس الروسي في إحياء مشاعر القومية الدينية القديمة المقدسة عبر السعي إلي الاحتفال بعيد الفصح القادم في كييف التي تمثل في المخيلة الجمعية للروس وكذلك القساوسة الأرثوذكس في العالم المقدس بالنسبة للمسيحيين والمسلمين واليهود وكافة الأديان السماوية وأن العملية العسكرية الحالية ضد أوكرانيا لا تقل أهمية عن الحملة الصليبية لاستعادة الأراضي الأرثوذكسية المقدسة من الهراطقة الغربيين حيث تتمتع مدينة كييف برمزية كبري في تاريخ المسيحية حيث أنها الموطن الأول للمذهب المسيحي الأرثوذكسي في الوعي الجمعي الروسي، بل والعالمي .

الرئيس “بوتين” ومساعي تسييس الكنيسة الأرثوذكسية:

تعد وحدة العالم الأرثوذكسي هدفاً من الأهداف الإستراتيجية لموسكو ولذلك أثارت القرارات المتعلقة بدعم الكنيسة الأوكرانية للانفصال عن الكنيسة الروسية الأرثوذكسية الكثير من القلق والمخاوف في موسكو؛ حيث قامت الكنسية الأرثوذكسية في موسكو بالتهديد بالانفصال التام عن البطريركية القسطنطينية في تركيا في حال استمرار الأنشطة المتعارضة للقانون الكنسي من قبل بطريرك القسطنطينية “بارتليماوس” بدعم ومساندة بطريركية أوكرانيا في مواجهة روسيا؛ حيث وصف الأسقف “هيلاريون” مسئول العلاقات الخارجية في بطريركية موسكو هذه المساعدة والمساندة بأنها انهيار حقيقي في العلافات الكنسية وهو ما يماثل قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدول .

وكان ذلك من المؤشرات الدالة على رغبة الرئيس “بوتين” في الربط بين الكنيستين الروسية والأوكرانية بهدف جعل الكنيسة الأرثوذكسية رأس الحربة في مشروعه لإحياء القومية الروسية بمظاهر دينية مسيحية وإعطائها بعداً قوميا كأداة إيديولوجية سياسية في روسيا، وتغذية مضاعفة للبعد القومي الذي تم التمهيد له بتوظيف ديني؛مما جعله يحوز شأن ومكانة مهمة في فكر الرئيس “بوتين” بما يمهد لروسيا أن تكون قوة عظمي مسيحية حول العالم، وربطها بالبعد القومي لدي الشعب الروسي لإحياء الإرث السوفيتي التاريخي.

وقامت تركيا بدور ديني خفي عبر البطريركية القسطنطينية في اسطنبول من خلال الاعتراف باستقلالية الكنيسة الأوكرانية الأرثوذكسية الشرقية عن كنيسة موسكو في سبتمبر 2018م، وتزكية الصراع الكنسي الدائر بين القساوسة الروس والأوكرانيين، مما عمق من حجم الأزمة الحالية وتصاعدها عسكرياً بدوافع دينية وكنسية بالأساس .

ويشير الدور التي تلعبه بطريركية القسطنطينية في اسطنبول بشأن الصراع بين كنيستي كييف وموسكو إلى ما يمكن أن يحمله المستقبل من مفاجآت تتعلق بالتدخل التركي في الأزمة الروسية الأوكرانية من باب العامل الديني، باعتبار أن تركيا هي المقر الرئيسي لبطريركية القسطنطينية الأرثوذكسية المسكونية التي تتخذ من اسطنبول مقراً لها، ويحمل بطريركها لقب “البطريرك المسكوني”، وهو الزعيم الروحي لأكثر من ثلاثمائة مليون مسيحي أرثوذكسي حول العالم، حيث تشترط تركيا فيمن ينتخب لهذا المنصب الدولي الهام أن يكون حاملاً للجنسية التركية .

وقد قابل هذا الموقف المسيس من بطريركية القسطنطينية تصعيد روسي من خلال بطريرك موسكو الأسقف “كيريل”، بمقاطعة الكنيسة القسطنطينية في تركيا واسم البطريرك “بارثلماوس” وعدم ذكره في الصلوات.

استناداً إلى ما سبق، يتضح أن الأساس الديني للعملية العسكرية التي أعلنتها موسكو ضد أوكرانيا، يجعلها لا تقل أهمية في مخيلة الرئيس “بوتين” وكثير من الشعب الروسي عن الحملة الصليبية لاستعادة الأراضي الأرثوذكسية المقدسة، بالنظر إلى الرمزية الكبرى التي تتحلي بها مدينة كييف كعاصمة للأرثوذكسية الشرقية المسيحية؛ حيث تعد الموطن الأول للمذهب الأرثوذكسي في الوعي الجمعي الروسي بل والعالمي .

وقد حدا بالكثير من المؤيدين للرئيس “بوتين” لبيان التشابه بين “فلاديمير بوتين” اليوم، و”فلاديمير الأول” أمير كييف عام 978م والملقب بـ “فلاديمير الكبير”، ولذلك أراد الرئيس الروسي “بوتين” من خلال أزمة أوكرانيا توصيف القيم المسيحية التقليدية الأرثوذكسية من أجل التأثير السياسي وإعادة إحياء المبادئ القومية لدي المواطنين الروس.

ونستكمل بقية الأسس الفكرية للصراع الروسي الأوكراني وفي المقال القادم بمشيئة الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى