باب المندب وخليج عدن.. من المستفيد من إشعال المنطقة؟

أمن مصر والسعودية في قلب معركة النفوذ.. والدفاع عن المملكة ليس حربًا على اليمن

من يحدد قواعد الأمن في البحر الأحمر؟

ليست كل المعارك التي تستهدف الدول تبدأ على حدودها.. وليست كل الصواريخ التي تُطلق تنتهي آثارها عند المواقع التي تصيبها.. فقد تكون النتائج السياسية والاستراتيجية أخطر من الخسائر المباشرة، عندما تتحول الأزمات إلى فرصة لإعادة ترتيب النفوذ والتحالفات وفق مصالح قوى إقليمية ودولية.

وهذا ما يجعل التصعيد حول باب المندب وخليج عدن قضية تتجاوز حدود اليمن والسعودية.. فنحن أمام ممرات بحرية تمس التجارة الدولية وقناة السويس وأمن البحر الأحمر والمصالح المصرية والعربية.. وأي تهديد لهذه الممرات ينعكس على حركة التجارة والاقتصاد، ويضع الأمن القومي المصري أمام تحديات لا يمكن تجاهلها.. لذلك لا يكفي أن نسأل كيف نواجه التهديد؟ بل علينا أن نسأل أيضًا.. من المستفيد من اتساع المواجهة؟ ومن سيدفع ثمنها؟ ومن سيحدد قواعد الأمن في المنطقة بعد انحسارها؟

المستفيدون من الأزمة.. قراءة ما وراء الأحداث

في 16 أكتوبر الجاري، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن الدور الذي يمكن أن تؤديه إسرائيل في مساعدة السعودية على مواجهة الحوثيين.. وأشار، ردًا على سؤال بشأن التطبيع السعودي الإسرائيلي، إلى أن هذا المسار قد يعود إلى الواجهة.. وهو تصريح يفتح الباب أمام تساؤل مهم.. هل يمكن أن تتحول التهديدات الأمنية إلى مدخل لإعادة تشكيل العلاقات والتحالفات في المنطقة؟

فإسرائيل قد تجد في اتساع دورها الأمني فرصة لتعزيز حضورها الإقليمي، وربط هذا الحضور بملفات سياسية أخرى.. والولايات المتحدة قد تستفيد من زيادة الحاجة إلى ترتيبات دفاعية وأمنية تؤثر في صياغتها، بما يعزز نفوذها في المنطقة.. فمن الخاسر؟ نحن العرب!

وفي المقابل، قد تسعى إيران إلى توظيف التصعيد لتوسيع أوراق الضغط الإقليمية، بينما قد تستخدم جماعة الحوثي هجماتها لتعزيز موقعها التفاوضي وفرض شروطها.

لكن التحليل الاستراتيجي يقتضي التمييز بين من يستفيد من الأزمة ومن تسبب فيها.. فالمكاسب المحتملة لا تثبت وحدها المسؤولية عن اندلاع الأحداث.

المكسب الأكبر ليس دائمًا في الصاروخ الذي أُطلق، بل في الخريطة السياسية التي قد تتغير بعده.. وهنا تكمن خطورة الأزمة، إذ قد تجد الدول العربية نفسها أمام ترتيبات أمنية جديدة إذا لم تكن شريكًا فاعلًا في صياغتها وحماية مصالحها.

مصر والسعودية.. دعم يحمي المصالح ولا يوسع الحرب

إن أمن المملكة العربية السعودية يرتبط بأمن مصر ارتباطًا وثيقًا، بحكم المصالح المشتركة في البحر الأحمر وحماية الملاحة واستقرار المنطقة.. كما أن تهديد باب المندب والممرات البحرية ينعكس على التجارة الدولية وحركة السفن عبر قناة السويس، بالإضافة إلى تداعياته الاقتصادية والأمنية.

وقد أعلنت القاهرة في 18 أكتوبر استعداد مصر لتقديم أشكال الدعم اللازمة والممكنة للسعودية دفاعًا عن أمنها واستقرارها، في ظل تصاعد الهجمات الحوثية.. كما طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي عقد جلسة برلمانية عاجلة للنظر في تفويض يتيح تقديم دعم عسكري دفاعي للمملكة إذا طلبت ذلك.. وبحسب التقارير المنشورة في 19 أكتوبر، كانت المناقشات البرلمانية لا تزال مستمرة.. وهنا يجب التمييز بين إعلان الاستعداد للدعم وصدور قرار نهائي بشأن طبيعة أي مشاركة عسكرية أو تنفيذها.

فمساندة السعودية لا تعني بالضرورة الدخول في حرب مفتوحة داخل اليمن.. كما أن رفض توسيع الحرب لا يعني قبول تهديد المملكة أو استهداف الملاحة الدولية.

المطلوب موقف يحمي أمن السعودية ومقدراتها، ويصون المصالح المصرية، ويمنع استدراج البلدين إلى مواجهة تتجاوز أهدافها الدفاعية.. وأي تحرك عسكري ينبغي أن يستند إلى هدف واضح ومهمة محددة وتقدير دقيق للتكلفة والنتائج، مع الالتزام بالقانون الدولي وحماية المدنيين.

فالقوة ليست في اتساع المعركة، وإنما في القدرة على حماية المصالح ومنع الآخرين من فرض توقيت المواجهة وشروطها.

الجامعة العربية.. من البيانات إلى الفعل

لا يكفي أن تواجه كل دولة التهديد بمفردها، ثم تكتشف بعد اتساع الأزمة أن مصالحها أصبحت رهينة حسابات الآخرين.. المطلوب تنسيق مصري سعودي عاجل، وطرح آلية للتعاون بين الدول المعنية بأمن البحر الأحمر وخليج عدن، تشمل تبادل المعلومات والإنذار المبكر والتنسيق البحري وحماية السفن التجارية وتوحيد المواقف الدبلوماسية تجاه الاعتداءات التي تهدد الملاحة.

وعلى جامعة الدول العربية الدعوة إلى اجتماع عاجل لبحث هذه الأولويات ووضع إطار عملي للتعاون، بالتوازي مع دعم تسوية سياسية في اليمن تحفظ وحدته واستقراره، وتمنع تحويله إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

فحماية البحر الأحمر لا تنفصل عن استقرار الدول المطلة عليه.. ولا يمكن بناء أمن عربي مستدام إذا ظلت كل أزمة بابًا لتوسيع النفوذ الخارجي.

الدروس المستفادة.. الأمن لا يُدار بردود الأفعال

تكشف هذه الأزمة عن خمسة دروس ينبغي أن تكون حاضرة في حساباتنا الاستراتيجية، وهي على النحو التالي..

١- أمن الممرات البحرية جزء من الأمن القومي: فتهديد باب المندب لا يقف أثره عند الدول المطلة عليه، بل يمتد إلى مصر ومصالحها الاقتصادية وحركة الملاحة عبر قناة السويس.. ولذلك فإن حماية هذه الممرات تتطلب استعدادًا مستمرًا، لا تحركًا مؤقتًا بعد وقوع التهديد.

٢- الأزمات قد تعيد تشكيل التحالفات وموازين النفوذ: فبعض القوى لا تنظر إلى الأزمة باعتبارها خطرًا فحسب، بل فرصة لتعزيز حضورها وفرض ترتيبات جديدة.. ومن هنا تأتي أهمية قراءة النتائج المحتملة قبل أن تتحول إلى واقع يصعب تغييره، وهو ما يتضح في موقف الولايات المتحدة الأمريكية وحديثها عن مساعدة إسرائيل للسعودية.

٣- التضامن العربي يُقاس بالقدرة على العمل المشترك: فالبيانات وحدها لا تحمي الملاحة ولا تردع الاعتداءات.. المطلوب تنسيق في المعلومات والتقدير والتخطيط، مع احترام سيادة كل دولة وقرارها الوطني.

٤- دعم الدول الشقيقة لا يعني الانجرار إلى حرب مفتوحة: فالحكمة الاستراتيجية تقتضي تحديد الهدف واختيار الوسيلة المناسبة وتقدير التكلفة، والإبقاء على الحلول السياسية متاحة متى أمكن ذلك.

٥- استقرار اليمن مصلحة عربية: فاستمرار الصراع يوسع فرص التدخل الخارجي، ويضاعف معاناة الشعب اليمني، ويزيد المخاطر على دول الجوار والملاحة الدولية.. ولا يمكن تحقيق أمن مستدام في البحر الأحمر بمعزل عن تسوية سياسية تعالج جذور الأزمة.

التوصيات.. من إدارة الأزمة إلى حماية المصالح

في ضوء هذه الدروس، أرى ضرورة التحرك في ستة اتجاهات على النحو التالي..

١- تعزيز التنسيق المصري السعودي: عبر التشاور المستمر وتبادل المعلومات والتقديرات الاستراتيجية، وتحديد أولويات العمل المشترك لحماية أمن البلدين ومصالحهما في البحر الأحمر.

٢- تفعيل دور جامعة الدول العربية: بالدعوة إلى اجتماع عاجل للدول المعنية لبحث آلية عربية للتنسيق البحري والإنذار المبكر وحماية الملاحة، وفق القانون الدولي وبما يحفظ سيادة الدول.

٣- بناء رؤية عربية متكاملة لأمن البحر الأحمر: لا تقتصر على التعامل مع التهديد بعد وقوعه، بل تشمل الاستعداد للمخاطر وتبادل المعلومات وتنسيق الجهود لحماية الممرات البحرية والمصالح الاقتصادية.

٤- منع التوسع غير المحسوب في المواجهة: بحيث تكون أي مشاركة عسكرية محددة الأهداف والمهام، ومستندة إلى القرارات الرسمية والأطر القانونية اللازمة، مع تقدير تداعياتها الأمنية والاقتصادية والإنسانية.

٥- دعم تسوية سياسية في اليمن: تحفظ وحدة البلاد واستقرارها، وتمنع استخدام أراضيها منصة لتهديد دول الجوار أو الملاحة الدولية، مع مراعاة مصالح الشعب اليمني وحقه في الأمن والاستقرار.

٦- الاسترشاد بتوصيات وتوجهات الأزهر الشريف: ضرورة أخذ توصيات وتوجهات الأزهر الشريف في الاعتبار فيما يتصل بالأزمات الإقليمية، والاستفادة من دوره الديني والوطني في ترسيخ ثقافة السلام ورفض الاعتداء على الدول والشعوب، وتغليب الحوار والحلول السياسية التي تحفظ الدماء وتصون وحدة الأوطان.. فمواجهة التهديدات الأمنية لا تتعارض مع السعي إلى السلام، كما أن حماية أمن الدول واستقرارها تقتضي الجمع بين قوة الردع وحكمة القرار والتمسك بالقيم الإنسانية ومبادئ الشريعة الإسلامية السمحة، بما يدعم استقرار اليمن، ويحفظ أمن المملكة العربية السعودية ومصر وسائر الدول العربية، ويحول دون اتساع دائرة الصراع وتفاقم معاناة الشعوب.

والأهم من ذلك ألا تتحول الأزمة إلى مدخل لفرض ترتيبات أمنية على المنطقة دون مشاركة الدول العربية صاحبة المصلحة.. فالتعاون مع القوى الدولية قد يخدم أهدافًا محددة، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن بناء القدرة العربية واستقلال القرار.

المعركة الحقيقية.. استقلال القرار

إن أخطر ما في الأزمة ليس الصواريخ وحدها، بل ما قد تفرضه من تحولات في العلاقات والتحالفات إذا غابت الرؤية العربية المشتركة.. فالدول التي لا تشارك في صياغة ترتيبات أمنها قد تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع نتائج قرارات اتخذها غيرها.

وهنا تبرز مسؤولية مصر والسعودية، ومعهما الدول العربية المعنية، في تحويل التحدي إلى فرصة لبناء تعاون يحمي المصالح، ويعزز القدرة على مواجهة التهديدات، ويحافظ على حرية القرار الوطني.

إن الدفاع عن السعودية ليس حربًا على اليمن.. وأمن البحر الأحمر ليس مسؤولية مصر وحدها.. والتضامن العربي لا ينبغي أن يظل مجرد بيانات.

فالأوطان لا تحميها النوايا وحدها، بل تحميها رؤية تدرك مصالحها، وقوة تحسن استخدامها، وقرار مستقل لا يسمح للآخرين بتحويل أزمات المنطقة إلى مكاسب على حساب أمن شعوبها ومستقبلها.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى