علي محمد الشرفاء الحمادي يجيب عن السؤال.. كيف أسقط القرآن محاكم التكفير والوصاية؟

قد حَسمُ القرآنُ الكريمُ قضيّةَ الحُكمِ النهائيِّ بينَ البشرِ، ليُعيدُ الإنسانَ إلى واحدةٍ من أعظمِ حقائقِ التوحيدِ والعدلِ والحرّيّةِ في الرسالةِ الإلهيّةِ؛ فاللهُ وحدَه هو القاضي يومَ القيامةِ، وهو وحدَه الذي يعلمُ خفايا الصدورِ وحقائقَ النوايا وملابساتِ الأعمالِ ومقاديرَ الابتلاءِ التي مرَّ بها كلُّ إنسانٍ في حياتِه.
لقد جاءَ القرآنُ ليُحرِّرَ البشرَ من أخطرِ صورِ الطغيانِ الدِّيني التي عرفتها الإنسانيّةُ عبرَ التاريخِ؛ طغيانِ البشرِ حينما ينصِّبونَ أنفسَهم قضاةً على عقائدِ النَّاسِ ومصائرِهم الأبديّةِ، ويوزِّعونَ صكوكَ النَّجاةِ والهلاكِ باسمِ اللهِ.
قالَ اللهُ تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (الحج: 17). ويقولُ سبحانه: (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا أَنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (الزمر: 3). ويقولُ جلَّ شأنُه: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (يونس: 93). ويقولُ سبحانه: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (النساء: 141). ثمَّ تأتي الآيةُ الجامعةُ التي تُرسِّخُ ميزانَ العدالةِ المطلقةِ: (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) (غافر: 20).
يحملُ تكرارَ مشهدِ الحُكمِ الإلهيِّ يومَ القيامةِ في القرآنِ دلالةً شديدةَ العمقِ؛ لأنَّ اللهَ يريدُ أن يقتلعَ من الوعيِ الإنسانيِّ فكرةَ احتكارِ الحقيقةِ المطلقةِ عندَ البشرِ، وأن يُسقطَ وهمَ العِصمَةِ البشريّةِ في تقييمِ القلوبِ والنوايا والمصائرِ.
فالإنسانُ يرى الظاهرَ المحدودَ، أمَّا اللهُ فيعلمُ السِّرَّ وما هو أخفى، ويعلمُ ما أخفاهُ الألمُ، وما شوَّهتهُ البيئاتُ، وما صنعتْهُ ظروفُ القهرِ والجهلِ والاستضعافِ والاضطرابِ، ولذلكَ كانَ الحُكمُ الكاملُ من اختصاصِ اللهِ وحدَه.
وتلكَ هي رحمةُ الله الرحمن بالإنسانِ؛ إذ يُنقذُه من رعبِ المحاكمِ العقائديّةِ التي صنعتْها بعضُ الجماعاتِ والمذاهبِ والفِرق عبرَ التاريخِ، حتى تحوَّلَ الإسلامُ عندَ كثيرٍ من النّاسِ إلى فضاءِ خوفٍ دائمٍ، يعيشُ فيه الإنسانُ مُطارَدًا بالاتهامِ والريبةِ والتكفيرِ والتفتيشِ في النوايا.
وقد وضع الله سبحانه قاعة تشريعية ونهي صارم عن الظن بالناس في أفكارهم لغيرهم بالسوء فقد وصف الله سبحانه ذلك الظن بالآثم ويحاسب عليه الانسان لأن الظن السيئ يعتبر حكم استباقي ظالم على انسان لم تعرفه أو تتعامل معه ليتم الحكم عليه بالظن ولو اتبع الناس نهي الله عن الظن السيئ فغالبة الناس تستطيع أن تعيش في سلام دائم واختفت الخلافات التي تؤدي للصدام والحروب والعدوان وما ينتج عن ذلك من سفك للدماء وقتل للأبرياء وتشريد للأطفال والنساء ويحيا الناس في معاناة وشقاء وخراب ودمار والله سبحانه حينما يحذر الناس بتشريعاته ونواهيه رحمة منه ورأفة بهم حتى يتجنبوا الكوارث وحياة الضنك وفقدان أحبتهم يريد لهم سبحانه الحياة الطيبة في أمن وسلام.
أمَّا القرآنُ المجيد فإنَّه يربطُ الحسابَ باللهِ العادلِ الرحيمِ، ويُعيدُ للإنسانِ طمأنينتَه النفسيّةَ والروحيّةَ؛ لأنَّه يعلمُ أنَّ مصيرَه النهائيَّ عندَ ربٍّ لا يظلمُ أحدًا، ولا يُحاسبُ البشرَ بمنطقِ الأهواءِ، والانفعالاتِ، والمصالحِ، والصراعاتِ.
إذنْ هذه هي إحدى أعظمِ مقاصدِ “مشروعِ الرحمنِ في القرآنِ لسعادةِ الإنسان”؛ فالسعادةُ لا يمكنُ أن تتحقَّقَ في مجتمعاتٍ يعيشُ الناسُ فيها تحتَ سيفِ التكفيرِ والمطاردةِ الفكريّةِ والرُّعبِ الدِّيني تحكمهم التشريعات البشرية التي لا تراعي في الناس أوضاعهم وظروفهم وما يسببه لهم الفقه البشري من مآسي وكوارث في اصدار الأحكام بعيدا عن التشريع القرآنية لهم من مآسي وكوارث ومعاناة تفتقد أحكامهم للرحمة والعدل وهي فقط تتحقَّقُ عندما يشعرُ الإنسانُ أنَّه يقفُ مباشرةً أمامَ اللهِ، وأنَّ علاقتَه بربِّه قائمةٌ على الإيمانِ والعملِ والمسؤوليّةِ الفرديّةِ، لا على الخضوعِ لمحاكمِ البشرِ الدينيّةِ.
لقد تحوَّلتْ بعضُ الجماعاتِ عبرَ القرونِ إلى سلطاتِ تفتيشٍ تُراقبُ الضمائرَ، وتُصنِّفُ الناسَ بينَ مؤمنٍ وكافرٍ ومرتدٍّ وضالٍّ، مع أنَّ القرآنَ حسمَ هذه القضيّةَ بصورةٍ قاطعةٍ، وأعادَ الحسابَ إلى اللهِ وحدَه يومَ القيامةِ.
من أعظمِ ما يكشفُه التدبُّرُ في الآيات القُرآنيُّة أنَّ اللهَ سبحانهُ لم يمنحْ حتى الرُّسلَ أنفسَهم سلطةَ السيطرةِ على عقائدِ البشرِ أو إكراهِهم أو مراقبةِ ضمائرِهم؛ لأنَّ الرِّسالةَ مشروعُ هدايةٍ ووعيٍ ورحمةٍ، وليست مشروعَ قهرٍ واستعبادٍ.
قالَ اللهُ سبحانه وتعالى مخاطبًا رسولَه الكريمَ: (إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ (21) لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ) (الغاشية: 21-22). ويقولُ سبحانه: (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ) (ق: 45). ويقولُ جلَّ شأنُه: (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ) (المائدة: 99). ويقولُ سبحانه: (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) (الشورى: 6). ويقولُ تعالى: (وَمَا أَنتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) (الأنعام: 107).
تكشفُ هذه الآياتُ عن ثورةٍ قرآنيّةٍ هائلةٍ في بناءِ العلاقةِ بينَ الإسلام والإنسانِ؛ فالرَّسولُ نفسُه لم يُكلَّفْ بالوصايةِ على القلوبِ، ولم يُمنحْ سلطةَ السيطرةِ على الضمائرِ، وإنَّما كانتْ مهمّتُه البلاغَ والتذكيرَ والبيانَ والهدايةَ بالقرآنِ.
إذنْ يتَّضحُ حجمُ الانحرافِ الذي أصابَ الفقه المنسوب للشريعة زورا وبهتانا عندما ظهرتْ جماعاتٌ وتنظيماتٌ نصَّبتْ نفسَها أوصياءَ على الإسلامِ ومصادر وحيدة للشريعة الإسلامية بالرغم من تفاوت التشريعات المتناقضة بين المذاهب المختلفة، واعتبرتْ نفسَها الناطقَ الرسميَّ باسمِ اللهِ، وبدأتْ تُمارسُ سلطةَ التكفيرِ والإدانةِ والمطاردةِ والعنفِ باسمِ “تطبيقِ الشريعة”.
يُعيدُ القرآنُ الكريمُ الإنسانَ إلى النُّورِ الأوَّلِ؛ نورِ الحرّيّةِ المسؤولةِ أمامَ اللهِ، ويُقيمُ العلاقةَ بينَ المؤمنِ وربِّه على الاقتناعِ والمحبةِ والوعيِ، لا على الرُّعبِ والإكراهِ والاستعبادِ النفسيِّ.
ولهذا فإنَّ تطبيقَ الناس اليومَ لهذا المنهجِ القرآنيِّ يُمثِّلُ خطوةً حاسمةً في إنقاذِ صورةِ الإسلامِ من التشويهِ الذي صنعتْهُ جماعاتُ الغلوِّ والعنفِ والتكفيرِ؛ لأنَّ العالمَ لن يرى رحمةَ الإسلامِ ولا عدالته ما دامَ بعضُ أبنائِه يُحوِّلونَه إلى محاكمَ تفتيشٍ ومشاريعَ مُطَاردة ورُعب ووصاية وصراعٍ دائمٍ.
إذا عادَ الناس إلى القرآنِ الكريم كونَه هو مرجعيّةَ الرحمةِ والعدلِ والحرّيّةِ، فإنَّهم يُعيدونَ للإسلامِ قدرتَه على بناءِ إنسانٍ مطمئنٍّ، حُرٍّ كريمٍ، يعيشُ في سلامٍ مع اللهِ ومع نفسِه ومع العالمِ، وتلكَ إحدى أعظمِ الغاياتِ التي يقومُ عليها “مشروعُ الرحمنِ في القرآنِ لسعادةِ الإنسان”.