لواء د. أحمد زغلول يكتب.. من خرائط الاستعمار إلى معارك المستقبل

لورنس العرب وجيرترود بيل •• دروس التاريخ لحماية مصر وصون وحدتها الوطنية

ليست كل المعارك التي تستهدف الدول تبدأ بإطلاق الرصاص، وليست كل محاولات إضعافها تأتي من خارج حدودها بصورة مباشرة، فقد تبدأ المعركة بالتأثير في الوعي، أو استغلال الأزمات، أو توسيع الخلافات الداخلية، أو توظيف المعلومات والعلاقات لتحقيق مصالح خارجية على حساب استقرار الدول ومصالح شعوبها. ويقدم لنا التاريخ شواهد مهمة على استخدام القوى الكبرى أدوات السياسة والمعلومات والتحالفات المحلية لتوسيع نفوذها، ومن أبرز هذه الشواهد ما ارتبط بتوماس إدوارد لورنس، المعروف باسم (لورنس العرب)، وجيرترود بيل، ودورهما في المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى وأعادت تشكيل جانب مهم من خريطة المنطقة العربية.

إن قراءة هذه التجربة ليست عودة إلى الماضي لمجرد استعراض أحداثه، وإنما محاولة لفهم قاعدة استراتيجية لا تزال حاضرة، وهي (من يعرف المجتمع الذي يريد التأثير فيه، ويفهم توازناته ونقاط قوته وضعفه، يمتلك أدوات قد يستخدمها لخدمة مصالحه).

مؤتمر القاهرة 1921 •• حين تداخلت المصالح مع مصائر الشعوب:

في مارس 1921، انعقد مؤتمر القاهرة بدعوة من ونستون تشرشل، وزير المستعمرات البريطاني آنذاك، الذي تولى رئاسة وزراء بريطانيا فيما بعد، لمناقشة السياسة البريطانية في الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية.

وأسهمت مناقشات المؤتمر في تحديد الترتيبات البريطانية المتعلقة بالعراق وشرق الأردن، وفي دعم تولي الملك فيصل بن الحسين عرش العراق، وشقيقه الملك عبد الله بن الحسين حكم شرق الأردن، تحت النفوذ البريطاني.

ولم يكن المؤتمر وحده مسؤولاً عن تشكيل خريطة المنطقة، فقد سبقته اتفاقات وتفاهمات، من بينها اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916، ووعد بلفور عام 1917، وجميعها تعكس مرحلة كانت فيها مصالح القوى الكبرى عاملاً مؤثراً في مستقبل شعوب المنطقة. والدرس الذي ينبغي أن نتوقف أمامه هو أن ضعف القدرة على حماية المصالح الوطنية، أو الانقسام الداخلي، أو الاعتماد على الآخرين، قد يفتح المجال أمام قوى خارجية لتوسيع نفوذها والتأثير في القرارات المصيرية.

لورنس وجيرترود بيل •• ما وراء الأسماء:

ارتبط لورنس بالثورة العربية خلال الحرب العالمية الأولى، وعمل في المجال الاستخباراتي والعسكري، وشارك في التنسيق مع قوى عربية محلية، وعمليات استهدفت خطوط المواصلات، ومنها سكك حديد الحجاز.

أما السيدة جيرترود بيل، فقد امتلكت معرفة واسعة بالمنطقة ومجتمعاتها، وعملت في الإدارة البريطانية بالعراق، وشاركت في النقاشات السياسية المرتبطة بتأسيس الدولة العراقية الحديثة.

ولا يصح اختزال تاريخ المنطقة في شخصين، أو تجاهل تعقيد الظروف السياسية والاجتماعية التي أحاطت بتلك المرحلة، لكن التجربة توضح كيف يمكن توظيف المعلومات والخبرة والعلاقات المحلية في خدمة أهداف سياسية تتجاوز حدود العمل الفردي.

ومن هنا، فإن حماية الدولة لا تقتصر على القوة العسكرية، بل تحتاج أيضاً إلى معرفة دقيقة بالواقع، وقدرة على قراءة التحولات، ووعي بمصالح الآخرين، واستعداد للتعامل مع التحديات قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.

من الماضي إلى الحاضر •• تغيرت الأدوات ولم تنتهِ المنافسة:

لم تعد المنافسة بين الدول تقتصر على السيطرة العسكرية المباشرة، فهناك اليوم أدوات اقتصادية وتكنولوجية وإعلامية، إلى جانب التنافس على مصادر الطاقة والمياه والغذاء والممرات البحرية وسلاسل الإمداد. وقد تسعى بعض الأطراف إلى استغلال الأزمات أو الانقسامات الداخلية لتعزيز نفوذها وتحقيق مصالحها. لذلك، فإن تجاهل المخاطر ليس حكمة، كما أن اتهام الآخرين بلا دليل ليس وعياً استراتيجياً. المطلوب هو التحقق من المعلومات، وفهم المصالح، والاستعداد للمخاطر الحقيقية دون تهويل أو اندفاع.

وبالنسبة إلى مصر، فإن حماية الأمن القومي ترتبط بتأمين الحدود، وتقوية الاقتصاد، وتطوير التعليم، وحماية المعلومات، ورفع كفاءة المؤسسات، والأهم من ذلك كله الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية.

فالدولة التي يمتلك أبناؤها وعياً حقيقياً، ويثقون في قدرتهم على الإصلاح والعمل، تكون أقدر على مواجهة الضغوط، وأقل عرضة للاستقطاب والتضليل.

اللحمة الوطنية المصرية •• خط الدفاع الأول:

إن وحدة المصريين ليست شعاراً يرفع في المناسبات، بل ضرورة وطنية، وأحد أهم مقومات الأمن القومي، فمصر عبر تاريخها واجهت تحديات كبيرة، وظلت قدرتها على التماسك والعمل المشترك من أهم عناصر قوتها.

ولا يجوز السماح لأي خلاف سياسي أو اجتماعي أو ديني بأن يتحول إلى خصومة بين أبناء الوطن الواحد، فالمجتمع المتماسك لا يعني أن جميع أفراده يفكرون بالطريقة نفسها، وإنما يعني أن اختلافهم لا يهدم انتماءهم المشترك، وأنهم يحتكمون إلى القانون ويحترمون حقوق بعضهم بعضاً.

وفي الوقت نفسه، فإن الحفاظ على الوحدة الوطنية لا يعني تجاهل المشكلات أو منع النقد، فالمطالبة بالإصلاح حق مشروع، والمؤسسات القوية هي التي تتطور وتراجع أداءها وتعالج أوجه القصور، أما النقد المسؤول فيختلف عن التحريض المتعمد الذي يسعى إلى نشر الكراهية أو هدم الثقة أو دفع المواطنين إلى مواجهة بعضهم بعضاً.

ومن هنا، فإن مواجهة أي محاولات لاستغلال الانقسامات تبدأ بالعدل والمواطنة المتساوية، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وإتاحة المعلومات الصحيحة، ومواجهة الشائعات بالقانون والحقائق.

إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له الدولة هو أن يفقد أبناؤها الثقة في بعضهم بعضاً، وأن تتحول خلافاتهم إلى ثغرات يستغلها من يسعى إلى إضعافها.

رسالة إلى المواطن المصري •• وإلى شباب مصر:

رسالتي إلى كل مصري، وإلى الشباب على وجه الخصوص، أن الوطن مسؤولية مشتركة، وأن مستقبل مصر لا يمكن أن يصنعه جيل واحد أو مؤسسة واحدة، وإنما يصنعه شعب واعٍ يعمل أبناؤه من أجل هدف مشترك.

قفوا صفاً واحداً لخدمة مصر والحفاظ على استقرارها، واجعلوا اختلاف الرأي مجالاً للحوار والإصلاح، لا سبباً للخصومة والانقسام. لا تنساقوا وراء الشائعات، ولا تنشروا خبراً قبل التحقق منه، ولا تسمحوا لأحد بأن يستغل غضبكم أو إحباطكم لدفعكم إلى موقف يضر بوطنكم.

علينا أن ندرك أن المصالح الخارجية ليست واحدة، وأن بعض الأطراف قد ترى في ضعف الدول واضطرابها فرصة لتحقيق أهدافها، حتى لو كانت النتائج على حساب أمن الشعوب واستقرارها. وقد أثبت التاريخ أن التدخلات والصراعات الدولية يمكن أن تترك آثاراً طويلة المدى في المجتمعات، لذلك يجب أن نكون يقظين، وأن نقرأ الأحداث بعقل واعٍ، وأن نفرق بين الوقائع المثبتة والتحليلات والادعاءات.

لكن الوعي بالمخاطر لا يعني الخوف أو فقدان الثقة في المستقبل، بل يعني الاستعداد والعمل. ومواجهة أي محاولة لإضعاف مصر تكون بتماسك شعبها، وقوة مؤسساتها، وإنتاج أبنائها، واحترام القانون، وقدرة المجتمع على معالجة مشكلاته من الداخل.

يا شباب مصر، أنتم طاقة الوطن وأمله في المستقبل، اجعلوا العلم والعمل والإبداع طريقكم، وشاركوا في بناء مجتمعاتكم، وكونوا جزءاً من الحل، فالدفاع عن الوطن لا يقتصر على مواجهة الأخطار وقت وقوعها، بل يبدأ بإتقان العمل، واحترام المال العام، ومقاومة الفساد، وحماية الوعي من التضليل، والإسهام في كل جهد يرفع من شأن مصر. إن الوقوف بجانب الدولة ومؤسساتها الوطنية لا يتعارض مع المطالبة بتطوير أدائها أو تصحيح الأخطاء، بل يجمع بين الحفاظ على كيان الوطن والعمل على تحسينه، فالدولة تحتاج إلى مواطن واعٍ ومسؤول، والمواطن يحتاج إلى مؤسسات قوية تحمي حقوقه وتؤدي واجباتها بكفاءة وعدل.

كيف نحمي مصر ونصون استقرارها؟

تبدأ حماية الوطن بخطوات واضحة على النحو التالي:

١- تعزيز اللحمة الوطنية: ترسيخ المواطنة المتساوية، واحترام التنوع، ومواجهة التمييز والتحريض، وتطبيق القانون على الجميع.

٢- مواجهة التضليل: التحقق من الأخبار، وسرعة توضيح الحقائق، وتعليم الشباب كيفية التمييز بين المعلومات الصحيحة والشائعات.

٣- تقوية مؤسسات الدولة: تطوير الأداء، واحترام القانون، ومحاسبة المقصرين وفق القواعد القانونية، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسساته.

٤- حماية المصالح الاستراتيجية: دعم الإنتاج المحلي، وتنويع الشراكات، والاهتمام بالأمن المائي والغذائي والطاقة والتكنولوجيا والممرات البحرية.

٥- بناء الإنسان المصري: الاستثمار في التعليم والصحة والتدريب والعمل والابتكار، لأن المواطن القادر على التفكير والإنتاج يمثل ركيزة أساسية لقوة الدولة.

٦- توسيع المشاركة الإيجابية: تشجيع الشباب على العمل المجتمعي والمبادرات الجادة، وإتاحة المجال أمامهم للمساهمة في معالجة المشكلات وصناعة الحلول.

هذه ليست مسؤولية جهة واحدة، بل واجب تتكامل فيه مؤسسات الدولة والمجتمع والإعلام والأسرة والمدرسة والجامعة، ويشارك فيه كل مواطن من موقعه.

مصر أقوى بوحدة أبنائها :

إن قراءة تجربة لورنس وجيرترود بيل ومؤتمر القاهرة عام 1921 تكشف كيف يمكن للمعرفة والمصالح والتحالفات أن تؤثر في مصائر الدول، لكنها تعلمنا أيضاً أن حماية المستقبل تبدأ من فهم الماضي، والوعي بالحاضر، والاستعداد لما قد تحمله الأيام المقبلة.

ولا ينبغي أن تتحول المخاوف إلى إحباط، أو أن تدفعنا التحديات إلى الشك في قدرتنا على تجاوزها، فمصر تمتلك تاريخاً عريقاً، وطاقات بشرية كبيرة، ومؤسسات وطنية، وقدرة على البناء والتطوير، وما تحتاج إليه هو أن تتحول هذه الإمكانات إلى عمل منتج، وعدالة يشعر بها المواطن، وثقة متبادلة، ووحدة وطنية تحمي المجتمع من الانقسام.

مصر تستحق أن نقف من أجلها صفاً واحداً، نختلف في الرأي، ونتفق على حماية الوطن، ونعمل على إصلاحه، ونرفض أن تتحول خلافاتنا إلى ثغرات تضر بمستقبلنا.

فالماضي يمنحنا الدرس، والحاضر يضع أمامنا المسؤولية، والمستقبل تصنعه عقول المصريين وسواعدهم، وستظل قوة مصر الحقيقية في شعبها، ووعي شبابها، ومؤسساتها الوطنية، وقدرة أبنائها على حماية وحدتهم والعمل معاً من أجل وطن آمن ومستقر وقادر على التقدم، يقف أمام ما يحاك للوطن من مكائد ومخططات هدامة هدفها النيل من استقرار الوطن. مصر أمان لآخر الزمان بفضل لحمتها الوطنية الراسخة المتجذرة في أصولها.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى