زخم التراكم.. ما موقع مصر في الترتيبات الإقليمية المقبلة؟

تمثل القاهرة حجر زاوية الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط والداعم الإقليمي المحوري لجهود السلام والوساطة وتفكيك خرائط الصراع عبر رؤية متوازنة، عززت من حضور مصر في فضاءات الخليج والمشرق العربيين وشرق المتوسط والقرن الإفريقي والبحر الأحمر في الآونة الأخيرة مع انتقال الصراع الإقليمي جنوبًا، إلا أن ثوابت الرؤية المصرية لتحقيق الأمن والاستقرار ظلت واضحة المعالم في سياسة إقليمية تُعلي من مبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول الوطنية، وصياغة مجالات التعاون العملي القائم على تبادل المنافع الاقتصادية والاستراتيجية بما في ذلك الشراكات الاستراتيجية مع القوى الكبرى والصاعدة ودعم مكافحة الإرهاب والتنظيمات العابرة للحدود وتدشين منظومة إقليمية مستدامة تعمل على تخفيف التوترات وتعزيز المصالح المشتركة في مجالات التجارة وتداول الطاقة.
وتأسيسًا على ما سبق؛ يتناول التحليل التالي موقع مصر في الترتيبات الإقليمية في ضوء الحراك الدبلوماسي للقاهرة مع القوى الكبرى والأطراف المنخرطة في صراعات المنطقة
أهمية متزايدة
عكست التفاعلات المصرية على الساحة الدولية في سبتمبر وأكتوبر 2026 الزخم المزايد لدور القاهرة المحوري في دعم الأمن والاستقرار الإقليميين مع زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج للقاهرة ومداولات الرئيس عبد الفتاح السيسي في قمة تجمع بريكس بنيودلهي مع قادة روسيا والهند وإيران، وصولًا لزيارة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان ومدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية جون راتكليف، واستمرار لقاءات الرباعية الإقليمية (مصر والسعودية وتركيا وباكستان) في نيويورك على هامش أعمال النسخة 81 لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة وجولة الرئيس السيسي الآسيوية والتي أسفرت عن ترفيع مستوى العلاقات مع كوريا الجنوبية وماليزيا إلى الشراكة الاستراتيجية بعد أشهر من خطوة مماثلة في العلاقات المصرية الإندونيسية. وتكمن أهمية دور القاهرة الإقليمي في المحاور التالية:
(*) القيادة السياسية: مثلت الدبلوماسية الرئاسية حجر زاوية السياسة الخارجية المصرية على مدار سنوات الصراع الإقليمي، وبصفة خاصة في الملف الفلسطيني منذ عملية “سيف القدس” في 2021. ورغم بروز توجه غربي داعم لإسرائيل في أعقاب 7 أكتوبر 2023 وضاغط باتجاه التهجير تحت غطاء إنساني، إلا أن قمة القاهرة للسلام 21 أكتوبر 2023 ولقاءات الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الزعماء الغربيين قدمت للعالم صورة مغايرة للرواية الإسرائيلية وكانت مقدمة لإحياء مسار حل الدولتين ردًا على حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، فضلًا عن التوصل لاتفاق شرم الشيخ بشأن السلام في غزة بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزعماء الدول الوسيطة مثل أمير قطر الشيخ تميم بن حمد والرئيس التركي رجب طيب أردوغان وعدد من زعماء الدول العربية والإسلامية والغربية.
وتجاوزت الدبلوماسية الرئاسية اللقاءات الثنائية واستضافة القمم الدولية ورعاية جهود التهدئة إلى تقديم الرؤية المصرية لحلول أزمات المنطقة المعقدة، وإيضاح خطوط القاهرة الحمراء للشركاء والخصوم على السواء، وهو ما تمثل في الانفتاح على التواصل مع الجانب الإيراني على المستوى الرئاسي منذ عهد الرئيس الإيراني السابق إبراهيم رئيسي رغم انخفاض مستوى العلاقات الدبلوماسية، وتبادل الزيارات الرئاسية مع زعماء دول الخليج العربي خلال الاعتداءات الإيرانية عليها في أعقاب الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية الأخيرة، حرصًا على إبداء التضامن ووقوف مصر الكامل بجانب الأشقاء وأن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.
وتحرص القيادة السياسية على الموازنة بين السياسة الرشيدة تجاه التوترات الإقليمية والتي توازن بين الحفاظ على المصالح الوطنية العليا والالتزام بسياسات حسن الجوار والحرص على عدم الانجرار في صراعات تعرقل جهود التنمية داخليًا وعربيًا وإفريقيًا. ولطالما كان ضبط النفس مرهونًا بعدم تجاوز الخطوط الحمراء في الإضرار بالمصالح الحيوية للدولة المصرية ومقدرات شعبها.
(*) الدبلوماسية النشطة: ارتبطت فاعلية التحركات الدبلوماسية المصرية بالقدرة على تدشين قنوات اتصال رفيعة المستوى أمنت نافذة للتهدئة بين الفاعلين المتصارعين؛ جنبًا إلى جنب مع حشد الدعم الدولي اللازم لتنفيذ مخرجات العملية التفاوضية، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بوجود فاعل أمني موثوق يمتلك رصدًا من الكفاءة والثقة وجهاز دبلوماسي يقرأ متغيرات الساحة الدولية ويترجم مفردات الاتزان الاستراتيجي في صورة شراكات استراتيجية مع كبرى القوى الإقليمية والدولية لتحقيق المصالح الوطنية العليا في دعم التنمية الاقتصادية وحماية الأمن القومي. وانعكس ذلك التوازن في لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بنظيره الصيني شي جين بينج مطلع سبتمبر 2026، ومدير المخابرات المركزية الأمريكية جون راتكليف 20 سبتمبر 2026 في التأكيد على “الشراكة الاستراتيجية” في المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، والشراكة الاستراتيجية الشاملة متعددة المجالات مع الصين. كما اتفق البيانان الصادران عن اللقائين على إشادة الجانبان الصيني والأمريكي على “الدور المحوري” المصري في دعم الأمن والاستقرار الإقليميين وجهود تسوية الأزمات الإقليمية عبر الوسائل السلمية ونقل البيان المصري الصيني المشترك في ختام زيارة الرئيس شي جين بينج للقاهرة مطلع سبتمبر 2026 إشادته بالدور المحور الذي تضطلع به مصر في “دعم الأمن والاستقرار الإقليميين، وجهودها المتواصلة للتوصل إلى تسويات سياسية شاملة للأزمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وتعزيز مبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شئونها الداخلية”.
ومن جانبه أشاد مدير المخابرات المركزية الأمريكية بالدور المحوري المصري في دعم الجهود الرامية للتوصل لتسويات سلمية وشاملة لأزمات المنطقة بما في ذلك دورها في التوصل لاتفاق غزة، إلى جانب جهودها الفاعلة في دعم الأمن والاستقرار بالقارة الإفريقية، مشيرًا إلى استمرار التنسيق والتشاور مع القاهرة في ملفات السودان والصومال ومنطقة القرن الإفريقي وأمن الملاحة الدولية. إلا أن الإشارة اللافتة في البيان الصادر عن اللقاء أبرزت تأكيد جون راتكليف على أهمية “تعزيز تبادل الرؤى والتقديرات والمعلومات بشأن مختلف التطورات الإقليمية والدولية المؤثرة على أمن واستقرار المنطقة”.
(*) الجغرافيا الحاكمة: أطلق عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي سلسلة من اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية التي عززت الاستفادة من القدرات الكامنة للجغرافيا المصرية باعتبارها أقصر طريق بين الشرق والغرب وبوابة العالم على إفريقيا؛ بمعنى آخر أثمرت الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع الصين في 2014 الارتقاء بعلاقات القاهرة مع الدول الكبرى والمتوسطة حول العالم لمستوى الشراكة الاستراتيجية شملت فرنسا والهند وروسيا والاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية والبرازيل وإندونيسيا وماليزيا واليونان وقبرص وتركيا، ومن المخطط أن تشمل اليابان وبريطانيا وألمانيا في الأفق المنظور.
ويمثل الاستثمار الضخم في مشروعات البنية التحتية المتطورة من مطارات وموانئ وشبكات طرق وقطارات سريعة استجابة استباقية لتحولات البيئة الأمنية والاستراتيجية المحيطة من أجل دمج مصر بالاقتصاد العالمي وتعزيز جاذبية السوق المصرية من خلال تحويل القاهرة لمركز إقليمي لتداول الطاقة ومركز إقليمي للنقل واللوجيستيات، بالاستفادة من الموقع الحيوي وجاذبيتها كطرف وسيط يحظى بقنوات تواصل مع كافة الفاعلين وبنفوذ دبلوماسي وسياسي قادر على التأثير في توجهات قوى كبرى إزاء قضايا الشرق الأوسط، بما في ذلك إعادة رسم خرائط الطاقة والتجارة والقضايا الجيواقتصادية في المنطقة، وهو ما برز جزئيًا في تحويل قناة السويس والأراضي المصرية كشريان بديل للنفط الخليجي من مضيق هرمز بالتوازي مع مشروعات نقل وتداول الطاقة القائمة عبر خط سوميد ومنظمة غاز شرق المتوسط التي نجحت في احتواء المشروعات البديلة التي تنطوي على مخاطر بيئية وجيوسياسية وتكلفة اقتصادية مرتفعة.
محددات الدور المستقبلي
بناءًا على ما تقدم؛ خلقت القاهرة مساحة لتوسيع دورها الإقليمي القائم على تعزيز الشراكات الإقليمي وبناء حلول مستدامة لأزمات منطقة الشرق الأوسط؛ وهو ما يؤهلها للعب الأدوار التالية:
(&) الضامن الأمني: تتخوف القاهرة من لعب أي دور يؤثر على مكامن قوتها الذكية في محيطها العربي ويقوض مصداقية التزامها ببناء السلام في منطقة الشرق الأوسط خارج إطار الهيمنة الإقليمية أو لعبة الاستقطابات الدولية. وبدلًا من ذلك بنت القاهرة خبرات متراكمة في الملف الفلسطيني الإسرائيلي، وسعت لتعزيز زخم وساطتها في إدارة التصعيد الأمريكي الإيراني جنبًا إلى جنب مع الوسطاء الإقليميين مثل قطر وسلطنة عُمان وباكستان وآليات العمل الجماعي مثل المنظمات الإقليمية (جامعة الدول العربية، منظمة التعاون الإسلامي، مجلس التعاون الخليجي) والآلية الرباعية مع كل من السعودية وتركيا وباكستان.
ويرتبط لعب دور الضامن الأمني الابتعاد عن الاصطفافات الإقليمية وفرض الخطوط الحمراء أمام أي تصعيد يطال المصالح الحيوية المصرية والعربية، وتقديم الخبرات والأصول والموارد الضرورية لبناء وحفظ السلام في مناطق النزاعات الدولية ومكافحة الإرهاب إلى جانب تعزيز التدخل الدبلوماسي الإيجابي لحلحلة الخلافات بين الفرقاء والمساهمة في إعادة بناء الدول بعد الصراعات والحروب الأهلية.
(&) صناعة المعادلات الإقليمية: تعزز القاهرة من أهمية الدبلوماسية متعددة الأطراف في تحركاتها الدولية لدعم رؤيتها والحفاظ على مصالحها الوطنية والقومية، انطلاقًا من دبلوماسيتها النشطة على المستويات كافة وفي مقدمتها الدبلوماسية الرئاسية التي ساهمت في تصحيح الرؤى الغربية والدولية إزاء محركات الصراع في الشرق الأوسط. بتلك الثنائية تنشط الدبلوماسية المصرية بكافة أجهزتها وممثليها في رسم خرائط الاستقرار عبر تفعيل وإحياء شبكات الطاقة القائمة مثل خط الغاز العربي وخط سوميد النفطي وتوسيع الاستفادة من مخزونات الطاقة الواعدة في شرق المتوسط عبر أصول ومنشآت تسييل الغاز، إلى جانب بناء شراكات تنموية مع المحيط العربي التي لا تزال تنتظر توافر البيئة الأمنية المستقرة على غرار الآلية الثلاثية مع العراق والأردن.
ومع أهمية التحركات الجارية في تعزيز السردية المصرية والعربية دوليًا وتوسيع النفوذ والمصالح الجيواقتصادية المصرية عبر مشروعات نقل وتداول الطاقة وشبكات النقل والموانئ المتطورة، إلا أن وضوح الرؤى والأطروحات المصرية يظل عنصرًا بالغ الأهمية والتأثير في صياغة المعادلات الإقليمية في الشرق الأوسط. وتعد حرب غزة المثال الأوضح على ديناميكية الرؤى والتصورات المصرية، إذ مثلت الورقة المصرية المحور الأهم في التوصل لخطة ترامب بشأن السلام في غزة، بعدما انتقلت القاهرة من التصدي لمشروع تهجير الفلسطينيين إلى طرف فاعل وضامن أساسي للاتفاق ومركز للدبلوماسية الدولية بشأن حل القضية الفلسطينية، وهو ما يستدعي طرح المزيد من الرؤى والأوراق التي تعالج كل أزمة على حدى.
وإجمالًا؛ حفلت القاهرة والعلمين وشرم الشيخ على مدار الأشهر التي تلت تفجر الصراع في الشرق الأوسط منذ 7 أكتوبر 2023، بالعديد من الزيارات والقمم الدولية التي أسهمت في خفض التوتر أو وقف إطلاق النار في بعض الجبهات الإقليمية. وبينما مثلت بداية الأزمة تحديًا جوهريًا للدولة المصرية في التعامل مع تداعياتها الاقتصادية والأمنية والإنسانية، نجحت القاهرة في استيعاب دروس الصراع والانتقال من جهود التهدئة والوساطة إلى بناء دور فاعل في تغيير مسار الصراعات بنيويًا وفكريًا، بما يعالج جذور الأزمة ويحقق الأمن والاستقرار الإقليميين. وصاغت مصر دورها الإقليمي في سياق مجموعة من الثوابت وأهمها اعتبار الأمن القومي العربي كل لا يتجزأ، والتزام مبادئ حسن الجوار وعدم الاعتداء والتسوية السلمية للنزاعات في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي. كما التزمت بتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية وعدم الانخراط في تحالفات أو انتهاج سياسة المحاور، مما جعلها قبلة الاستثمار التنموي في منطقة الشرق الأوسط، باعتبارها صانع وضامن للأمن الإقليمي وطرف فاعل في تقريب الأطراف المتصارعة.