حسابات متشابكة.. انعكاسات الدور الإسرائيلي في إثيوبيا على الأمن الإقليمي

مصطفى كمال دماني- باحث جزائري في الدراسات الإقليمية والدولية

امتدادًا للمخاض الإقليمي الجاري في الشرق الأوسط والصراع الدائر فيه، يبرز القرن الأفريقي، بحكم تماسه الجغرافي وتداخله مع المنطقة، كساحة أخرى للاشتباك بين مختلف الفواعل المنخرطة في الصراع بالشرق الأوسط والمعنية به.

وتظهر إسرائيل في القرن الأفريقي باعتبارها أحد أهم الفاعلين الإقليميين الحاضرين في هذه الساحة، وذلك لاعتبارات جيوسياسية عديدة، زادت تداعيات السابع من أكتوبر من أهميتها، خاصة فيما يتعلق بالحضور الإسرائيلي في منطقة شرق أفريقيا، والتموضع قبالة باب المندب، فضلًا عن محاولة تطويق المجال الحيوي العربي.

وبما أن إثيوبيا إحدى ساحات هذا التنافس، فإن التوتر الداخلي المتصاعد فيها يفرض على إسرائيل تبني موقف ينسجم مع أهدافها ومصالحها الاستراتيجية.

وعلى ضوء ما سبق، تسلط هذه الدراسة الضوء على الدور الإسرائيلي في مناهضة المصالح المصرية، ومدى إسهامه في تأجيج التوتر الإثيوبي المصري، انطلاقًا من الإشكالية التالية: ما الدور الإسرائيلي في إثيوبيا، وما انعكاساته على المصالح المصرية؟

محددات السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه أفريقيا:

1- الصراع العربي الإسرائيلي: ارتكزت الاستراتيجية الإسرائيلية على توفير المقومات الأساسية لحماية أمنها، والتي تمثلت في بلورة العقيدة السياسية لنظامها السياسي، وتعزيز قوتها العسكرية، وتنمية مواردها الطبيعية، وزيادة عدد سكانها، ورفع مستوى تقدمها العلمي.

وكان من أهم المقومات التي حكمت هذه الاستراتيجية الموقع الجيواستراتيجي لإسرائيل في قلب الوطن العربي الرافض لوجودها، وما نتج عنه من صراع أدى إلى فرض حالة من العزلة عليها، واندلاع الحروب العربية الإسرائيلية. وقد رأت إسرائيل أن حصر المعركة مع العرب في جبهة حدودية ضيقة لا يخدم مصالحها، فكان لا بد من توسيع تلك الجبهة، وفتح ساحات أخرى للتنافس من أجل تحقيق أهدافها.

وتدرك إسرائيل جيدًا مدى أهمية العلاقات العربية الأفريقية ذات الامتداد التاريخي العميق، فضلًا عن العضوية المشتركة للعديد من الدول العربية والأفريقية في حركة عدم الانحياز، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تأثير في توجهات الدول الأفريقية تجاه إسرائيل. ولذلك اعتبرت إسرائيل، منذ البداية، أن القارة الأفريقية ستكون مستقبلًا إحدى ساحات إدارة الصراع العربي الإسرائيلي.

وفي هذا الشأن، يقول الجنرال حاييم لاسكوف، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق: “إن نجاح إسرائيل في تطوير علاقاتها مع دول شرق أفريقيا والدول المتاخمة للدول العربية سيحقق لإسرائيل مكاسب تساعدها على تقوية نقاط الضعف الاستراتيجي المتمثلة في إحاطتها بطوق عربي، والوصول إلى الظهر العربي المكشوف من ميدان لا يتوقعه العرب”.

وفعلًا، ارتبطت حركات المد والجزر في العلاقات الإسرائيلية الأفريقية بتطور الصراع العربي الإسرائيلي، وقد ظهر ذلك بوضوح خلال دعم الكتلة الأفريقية للعرب في أواخر الستينيات، وقطع عدد كبير من الدول الأفريقية علاقاته بإسرائيل خلال السبعينيات، واستمرار القطيعة مع بعض الدول خلال الثمانينيات، ثم العودة القوية لهذه العلاقات منذ بداية التسعينيات.

وقد ارتبطت هذه التحولات بأحداث مهمة في مسيرة الصراع العربي الإسرائيلي، أبرزها:

(-) الحرب العربية الإسرائيلية عام 1967: إذ نظرت دول أفريقية إلى إسرائيل باعتبارها قوة احتلال، وأيدت قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، الذي تناول مبادئ تسوية النزاع، وفي مقدمتها انسحاب القوات الإسرائيلية من أراضٍ احتُلت خلال الحرب.

(-) حرب أكتوبر 1973: التي أعقبتها موجة تضامن أفريقي مع جمهورية مصر العربية، وقررت على أثرها دول أفريقية عديدة قطع علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل.

(-) دخول الصراع العربي الإسرائيلي مرحلة التسوية السلمية: وتوقيع اتفاقيات السلام مع إسرائيل، وما نتج عن ذلك من استئناف العلاقات الدبلوماسية بينها وبين عدد من الدول الأفريقية.

٢- المكانة الأفريقية في المنظومة الدولية: على الرغم من أن أفريقيا كانت قارة غير معروفة بصورة كافية لدى العاملين في وزارة الخارجية الإسرائيلية خلال الخمسينيات، فإنها لم تكن كذلك على مستوى التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، خاصة عند مقارنتها بقارات العالم الأخرى.

فقد مثلت أمريكا اللاتينية دائرة نفوذ للولايات المتحدة الأمريكية، في حين وجدت إسرائيل دعمًا ومساعدة من القوى الغربية الرئيسية في أوروبا. ومن ثم، كان عليها، في سعيها للبحث عن الشرعية الدولية، أن توجه أنظارها إلى آسيا وأفريقيا.

أما بالنسبة إلى آسيا، فقد كانت أشبه بالقارة “المغلقة” أمام إسرائيل، في ظل وجود دول كبرى قطعت شوطًا متقدمًا في التنمية الاقتصادية، وتضاؤل فرص تسويق النموذج الإسرائيلي في التنمية، فضلًا عن وجود دول وجاليات إسلامية كبيرة، وهو ما جعل عددًا من دولها أقرب إلى تأييد الموقف العربي.

وعليه، كانت أفريقيا، بما تتمتع به من مكانة جيوستراتيجية، فضلًا عن العدد الكبير من دولها التي تتطلع إلى الحصول على مساعدات تنموية وتقنية من الخارج، الخيار المناسب أمام صانع القرار الإسرائيلي.

ولم تكن الأهمية الأفريقية في الأمم المتحدة، من حيث ثقلها العددي، خافية على إسرائيل منذ البداية. وقد جاء هذا الإدراك الإسرائيلي في سياق الوعي بحقيقة الصراع العربي الإسرائيلي، وإمكانية الاستفادة من الدور الأفريقي في هذا المجال.

وبتحليل السلوك التصويتي للمجموعة الأفريقية، نجد أن الدول الأفريقية التي ساندت الموقف الإسرائيلي، سواء بصورة حاسمة أو غير حاسمة، وصلت إلى عشرين دولة. غير أن هذا التوجه تغير عند مناقشة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي اعتبر الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية، إذ صوتت لصالح القرار عشرون دولة أفريقية من غير الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، بينما عارضته خمس دول فقط، وامتنعت اثنتا عشرة دولة عن التصويت.

وهو ما يعكس بوضوح ثقل مكانة الدول الأفريقية داخل الأمم المتحدة، كما يكشف هذان المثالان عن أهمية الدور الأفريقي في المنظمة الدولية، وهو ما ظهر مرة أخرى عند إلغاء القرار المذكور.

3- ضعف سيادة الدول الأفريقية: تعاني دول أفريقية عديدة من أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية حادة، تجعلها عرضة للتدخلات الخارجية، في ظل تعدد أشكال التأثير في سياساتها الداخلية والخارجية، وما قد يترتب على ذلك من تقييد قدرتها على ممارسة سيادتها بصورة مستقلة.

وفي هذا السياق، تسعى إسرائيل إلى توسيع حضورها داخل القارة من خلال المساعدات الاقتصادية والتعاون التنموي، مستفيدة من تصاعد الصراعات الداخلية والانقسامات السياسية والمشكلات الحدودية والحروب الأهلية، إلى جانب استمرار أنظمة الحكم الشمولية في بعض الدول.

وتشير البيانات الواردة في الدراسات التي تناولت هذا الموضوع إلى أن إحدى عشرة دولة من أصل عشرين دولة فقيرة في العالم تقع في أفريقيا. كما تعاني اقتصادات أفريقية عديدة من اختلالات هيكلية، وضعف إسهامها في الإنتاج العالمي، فضلًا عن ارتفاع مستويات المديونية الخارجية، التي تجاوزت، وفق البيانات التاريخية التي استندت إليها تلك الدراسات، مئتي مليار دولار.

وإلى جانب ذلك، تواجه بعض المجتمعات الأفريقية تحديات ترتبط بالبنية القبلية، والتفاوت الاجتماعي، والانقسامات الداخلية، والانقلابات العسكرية، والاضطرابات التي تعرقل التنمية، وسوء توزيع الملكية، وانخفاض مستويات المعيشة، وسوء التغذية، والافتقار إلى الرعاية الصحية والخدمات الأساسية.

كما تعاني بعض الدول من انخفاض مستويات التعليم، وتعدد الانقسامات اللغوية والثقافية، وانتشار الأمراض، والتفاوت الواضح بين الريف والمدينة، وغيرها من مظاهر الضعف التي قد تتيح للقوى الخارجية فرصًا للتدخل وتوسيع النفوذ.

وقد شكلت هذه التحديات، من منظور السياسة الإسرائيلية، مدخلًا لتعزيز الحضور في القارة والاستثمار في احتياجات دولها الاقتصادية والتنموية.

4- الموقع الاستراتيجي والقرب الجغرافي لقارة أفريقيا بالنسبة إلى إسرائيل: تُعد القارة الأفريقية إحدى القارات ذات الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية، وهو ما يمنحها مكانة مركزية في الحسابات الإسرائيلية.

وقد حضرت أفريقيا في بعض مشروعات الحركة الصهيونية منذ أواخر القرن التاسع عشر، عقب انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية عام 1897، وما تلاه من مؤتمرات شهدت طرح تصورات بشأن البحث عن أراضٍ بديلة لإقامة وطن لليهود خارج فلسطين.

وكان من بين أبرز هذه المشروعات مقترح الاستيطان في شرق أفريقيا، المعروف تاريخيًا بمشروع أوغندا، والذي طُرح عام 1903، قبل أن يقرر المؤتمر الصهيوني السابع عام 1905 وقف الجهود الرامية إلى إقامة وطن بديل خارج فلسطين.

وقد ارتبطت تلك المشروعات بتوجهات داخل الحركة الصهيونية كانت ترى ضرورة البحث عن أراضٍ قابلة للاستيطان والزراعة، بما يسمح بتجميع الجماعات اليهودية المشتتة وإقامة وطن مشترك لها.

وفي هذا السياق، برز اهتمام تيودور هيرتزل بمشروع شرق أفريقيا، باعتباره أحد الخيارات المطروحة آنذاك، قبل أن تتراجع الحركة الصهيونية عنه لصالح التركيز على فلسطين.

ويُعد عامل التقارب الجغرافي محددًا مهمًا للسياسة الإسرائيلية تجاه أفريقيا. فمن خلال هذا المحدد، حاولت إسرائيل الالتفاف حول النطاق العربي المحيط بها، وما يمثله من قيود جغرافية واقتصادية.

كما مثّل الارتباط بأفريقيا فرصة للتغلب على بعض معوقات البناء والتنمية الإسرائيلية، والحصول على الموارد والمواد الخام، فضلًا عن فتح أسواق تجارية جديدة.

وتتمتع القارة الأفريقية بثروات اقتصادية كبيرة، وتحتل مكانة متقدمة في إنتاج عدد من المحاصيل الزراعية، مثل الكاكاو والقطن وزيت النخيل، إلى جانب امتلاكها موارد معدنية ضخمة، تشمل الماس والذهب والنحاس والفوسفات والمحروقات وغيرها.

وفي المقابل، يفتقر الاقتصاد الإسرائيلي إلى بعض الموارد الطبيعية، وهو ما يدفع إسرائيل إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية مع الدول الأفريقية، والاستفادة من إمكاناتها الإنتاجية وأسواقها الاستهلاكية.

5- البعد الديموغرافي الإسرائيلي: يمثل البعد الديموغرافي أهمية كبيرة بالنسبة إلى إسرائيل، إذ يرتبط الحفاظ على الأغلبية اليهودية داخلها باستمرار تدفق المهاجرين اليهود من الخارج، وذلك في إطار ما يُعرف بالهاجس الديموغرافي.

وقد أشارت دراسات أكاديمية عديدة إلى المخاوف الإسرائيلية المرتبطة بالتوازن السكاني بين اليهود والعرب، وما يمكن أن يترتب على التحولات الديموغرافية من تداعيات سياسية واستراتيجية مستقبلية.

ولمواجهة هذه المخاوف، اتجهت إسرائيل إلى تعزيز علاقاتها بالجماعات اليهودية في أفريقيا، وشكل تشجيع الهجرة اليهودية إليها أحد المحاور المهمة في سياستها تجاه القارة.

وتشير بعض الدراسات إلى أن نسبة مهمة من اليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل خلال الفترة الممتدة من عام 1948 حتى عام 1967 جاءت من دول أفريقية، واستمرت موجات الهجرة لاحقًا، ولا سيما مع نقل يهود إثيوبيا، المعروفين بالفلاشا، خلال ثمانينيات القرن الماضي وبداية التسعينيات.

وقد أسهم هؤلاء المهاجرون في تعزيز الاهتمام الإسرائيلي بالشأن الأفريقي، سواء من الناحية الديموغرافية أو الاقتصادية أو العسكرية، خاصة في ظل حاجة إسرائيل إلى القوى العاملة وإمكانية استيعاب المهاجرين داخل مؤسسات الدولة والجيش.

وبناءً على ما سبق، يظل الصراع العربي الإسرائيلي أحد أهم محددات السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه أفريقيا، خاصة أن إسرائيل تدرك أهمية الدول الأفريقية داخل الأمم المتحدة، وما تمثله من ثقل تصويتي يمكن توظيفه لكسب المواقف الداعمة لها. (1)

الخلفية التاريخية للعلاقات الإثيوبية الإسرائيلية:

تمتد العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية لعقود طويلة، إذ بدأت بصورة غير رسمية في أوائل خمسينيات القرن العشرين، وتطورت عبر مراحل مختلفة، تراوحت بين التعاون الوثيق والانقطاع المؤقت، وفقًا للمتغيرات الإقليمية والدولية.

وبدأت العلاقات الفعلية بين البلدين عام 1952 من خلال التبادل التجاري، ثم أرسلت إسرائيل عام 1955 بعثة حسن نوايا إلى إثيوبيا، وهو ما مهد لإقامة علاقات قنصلية عام 1956، قبل أن تتطور إلى علاقات دبلوماسية كاملة عام 1961.

وخلال الستينيات، تعزز التعاون العسكري بين البلدين، إذ قدمت إسرائيل دعمًا عسكريًا لإثيوبيا، خاصة في مواجهة المطالب الصومالية بإقليم أوجادين، وحركات التمرد الإريترية.

كما دفع تصاعد المد القومي العربي عقب ثورة 23 يوليو 1952 في مصر أديس أبابا إلى تعزيز علاقاتها بإسرائيل، في ضوء حساباتها الإقليمية والأمنية آنذاك.

ومع اندلاع حرب السادس من أكتوبر عام 1973، قطعت إثيوبيا رسميًا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، تماشيًا مع مواقف عدد من الدول الأفريقية الداعمة للعرب.

غير أن العلاقات بين البلدين استمرت بصورة غير رسمية، إذ قدمت إسرائيل مساعدات عسكرية سرية لإثيوبيا خلال صراعاتها الداخلية، وفي سياق مواجهتها مع الصومال خلال حرب أوجادين بين عامي 1977 و1978.

وخلال الثمانينيات، دعمت إسرائيل نظام منغستو هايلي مريام، مقابل السماح بهجرة يهود الفلاشا إلى إسرائيل، في إطار ترتيبات شهدت تنفيذ عملية موسى عام 1984، قبل تنفيذ عملية سليمان عام 1991.

وفي عام 1989، أعادت إثيوبيا وإسرائيل علاقاتهما الدبلوماسية، وأُعيد افتتاح السفارات، ليشهد عقد التسعينيات تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والزراعية والتكنولوجية والصحية.

ومع دخول الألفية الجديدة، تصاعدت الاستثمارات الإسرائيلية في إثيوبيا، وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين ملايين الدولارات سنويًا.

وخلال السنوات الأخيرة، توسع التعاون ليشمل مجالات الطاقة والمياه والابتكار، ووقّع البلدان اتفاقيات متعددة، كان من أبرزها اتفاق فبراير 2025 لتعزيز التعاون في مشروعات المياه والطاقة المتجددة.

ويعكس هذا التطور انتقال العلاقات الثنائية إلى مستوى أكثر اتساعًا، بما يطرح تساؤلات حول طبيعة الشراكة الاستراتيجية المتنامية بين البلدين، وانعكاساتها السياسية والاقتصادية والأمنية على المشهد الإقليمي في القرن الأفريقي. (2)

أهداف إسرائيل من الحضور في إثيوبيا:

لم يكن الاهتمام الإسرائيلي بالقارة الأفريقية وليد الصدفة، بل تشكل وفق مجموعة من الدوافع الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية والجيوستراتيجية، إلى جانب الاهتمام بالجماعات اليهودية الموجودة في أفريقيا.

وقد حظيت إثيوبيا باهتمام خاص من جانب إسرائيل، بالنظر إلى ما تتمتع به من خصائص سياسية وجغرافية وعسكرية وأمنية، فضلًا عن موقعها في محيط إقليمي تتداخل فيه الصراعات والأزمات السياسية والأمنية.

وتنظر دوائر إسرائيلية إلى إثيوبيا باعتبارها إحدى البوابات المهمة لتعزيز الحضور الإسرائيلي في أفريقيا، بما يتيح فرصًا لتوسيع النفوذ في منطقة ترتبط مباشرة بحسابات الأمن القومي العربي.

وتبرز مياه النيل، وتعزيز التوازن الديموغرافي لصالح اليهود في إسرائيل، والأهداف الاستراتيجية المرتبطة بالوجود الإسرائيلي في القارة، ضمن أبرز دوافع هذا الاهتمام.

كما تسعى إسرائيل، وفق عدد من التحليلات، إلى تطويق بعض الدول العربية، وفي مقدمتها مصر والسعودية واليمن والسودان، فضلًا عن توظيف التوترات الإقليمية، ومنها النزاع الإثيوبي الإريتري، بما يخدم مصالحها.

ويضاف إلى ذلك السعي إلى التأثير في التحالفات الإقليمية، ومنها التحالف الذي عُرف باسم “نادي صنعاء”، وتعزيز العلاقات مع الدول الأفريقية على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية.

وتتميز العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية بتشعب أطرها وتعدد مجالاتها، وهو ما يعكس تنوع المصالح المتبادلة بين الطرفين، مستندة إلى إرث تاريخي يعود إلى خمسينيات القرن الماضي.

ومع ذلك، تظل قضايا يهود الفلاشا، ومياه النيل، والصراع العربي الإسرائيلي، من أبرز الملفات التي تتبادر إلى الأذهان عند تناول العلاقات بين إسرائيل وإثيوبيا.

وعلى الرغم من أن بعض جوانب هذه العلاقات تندرج ضمن إطار التعاون الطبيعي بين الدول، فإنها تكتسب أهمية حيوية واستراتيجية بالنسبة إلى إسرائيل.

وبحسب مراقبين، ظلت العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية، على مدى أكثر من نصف قرن، عرضة لحالات من الصعود والهبوط، وشهدت فترات من الهدوء والفتور، غير أن الزيارات المتتالية للمسؤولين الإسرائيليين إلى إثيوبيا أسهمت في منح هذه العلاقات زخمًا وأبعادًا جديدة.

ولعل أهم العوامل التي تمنح إثيوبيا مكانة خاصة في الحسابات الإسرائيلية ما يلي:

1- الروابط التاريخية والدينية: تستند بعض التصورات الإسرائيلية إلى روايات تاريخية ودينية تربط إثيوبيا بالتراث اليهودي، ومن بينها الرواية المتعلقة بالملك سليمان وملكة سبأ، المعروفة في التراث الإثيوبي باسم “ماكِدا”.

وتذهب هذه الروايات إلى أن منليك، المنسوب إلى الملك سليمان وملكة سبأ، يمثل أصلًا تاريخيًا للسلالة الحاكمة في إثيوبيا، وأن قومية الأمهرا، التي ينتمي إليها عدد من الأباطرة الإثيوبيين، ومن بينهم الإمبراطور هيلا سيلاسي، ترتبط بهذه السلالة.

وتُوظف هذه الروايات في بعض الخطابات الثقافية والدينية بوصفها أحد عناصر التقارب التاريخي بين البلدين.

2- الموقع الاستراتيجي والموارد المائية: تتمتع إثيوبيا بموقع استراتيجي مهم، إلى جانب امتلاكها موارد طبيعية ومائية كبيرة، إذ تجري في أراضيها أنهار عديدة، من بينها أباي وتكازي وأواش، فضلًا عن وجود بحيرة تانا، التي تمثل أحد أهم المصادر المائية للنيل الأزرق.

وتكتسب هذه الموارد أهمية خاصة في الحسابات الإقليمية، بالنظر إلى ارتباطها المباشر بملف مياه النيل، الذي يمثل قضية حيوية بالنسبة إلى مصر والسودان.

3- الموارد المعدنية: تمتلك إثيوبيا موارد معدنية متنوعة يمكن الاستفادة منها في عدد من الصناعات، بما فيها الصناعات المرتبطة بالتكنولوجيا والمجالات العسكرية، فضلًا عن احتياطاتها من الذهب وبعض المعادن الأخرى.

وتمنح هذه الموارد العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إثيوبيا أهمية إضافية بالنسبة إلى إسرائيل.

4- مياه نهر النيل: تُعد مياه نهر النيل أحد أبرز الملفات المرتبطة بالحضور الإسرائيلي في إثيوبيا، خاصة أن الهضبة الإثيوبية تسهم بالنسبة الأكبر من الموارد المائية التي تصل إلى مصر عبر النيل.

وتشير تحليلات إلى وجود اهتمام إسرائيلي قديم بمياه النيل، وإمكانية توظيف العلاقات مع دول حوض النيل في إطار الحسابات الاستراتيجية المرتبطة بمصر.

وفي هذا السياق، يرى بعض المراقبين أن إسرائيل تؤدي دورًا غير مباشر في التنافس المائي بين دول الحوض، مستفيدة من نفوذها وعلاقاتها المتنامية مع إثيوبيا.

ومن المعروف أن إثيوبيا اتجهت إلى بناء عدد من السدود الكبرى على روافد النيل، بهدف التوسع في استغلال الموارد المائية، وتوليد الطاقة الكهربائية، وزيادة المساحات الزراعية، ومواجهة احتياجاتها التنموية والاقتصادية المتصاعدة.

كما تسعى أديس أبابا إلى الاستفادة من مشروعات البنية التحتية المائية في مواجهة التحديات الاقتصادية، وتحسين مستويات المعيشة، وتوفير الطاقة اللازمة للتنمية.

وفي المقابل، تشير تحليلات إلى أن إسرائيل حاولت الاستفادة من الخلافات المائية بين مصر وإثيوبيا، عبر تعزيز التعاون التقني والاقتصادي مع أديس أبابا، بما قد يتيح لها أوراق تأثير إضافية في العلاقات الإقليمية.

وتذهب بعض هذه التحليلات إلى أن التعاون الإسرائيلي الإثيوبي في مشروعات المياه والسدود يمكن أن يمثل مصدر ضغط غير مباشر على القاهرة، خاصة في ظل استمرار الخلاف بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، وعدم التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بين الدول الثلاث.

ويرى مراقبون أن تشجيع إقامة مشروعات مائية وزراعية على الهضبة الإثيوبية قد يؤدي إلى تداعيات على الموارد المائية المتدفقة نحو دول المصب، بحسب طبيعة تلك المشروعات وأحجامها وقواعد تشغيلها.

ومن ثم، فإن أي تطور في التعاون الإسرائيلي الإثيوبي في هذا المجال يثير اهتمام القاهرة، بالنظر إلى الارتباط المباشر بين مياه النيل والأمن القومي المصري، وما يرتبط بها من مشروعات الري والكهرباء والزراعة في الوادي والدلتا.

5- التنوع العرقي واللغوي والثقافي والديني: يمثل التنوع العرقي واللغوي والثقافي والديني داخل إثيوبيا أحد العوامل المؤثرة في طبيعة المشهد السياسي والأمني.

وترى بعض التحليلات أن هذا التنوع، في ظل تصاعد النزاعات الداخلية، قد يتيح للقوى الخارجية فرصًا لتوسيع نفوذها، سواء من خلال العلاقات السياسية أو المساعدات الاقتصادية أو التعاون الأمني.

وفي هذا الإطار، يربط بعض الباحثين بين تنامي الحضور الإسرائيلي في إثيوبيا، وإمكانية الاستفادة من الأزمات الداخلية، بما يفتح المجال أمام توسيع التعاون العسكري وتجارة السلاح والاستثمار في الموارد الطبيعية.

6- التعاون الأمني والعسكري: يُعد التعاون الأمني والعسكري أحد أبرز مجالات العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية، إذ تعمل إسرائيل على إرسال مبعوثين وخبراء في مجالات متعددة، وفي مقدمتها المجالات الأمنية والعسكرية، بهدف تقديم التدريب والخبرات الفنية، إلى جانب تنفيذ صفقات الأسلحة وتطوير مجالات التعاون الدفاعي.

ويمثل هذا التعاون، في ضوء الموقع الجغرافي لإثيوبيا وطبيعة التوازنات الإقليمية، أحد أهم الأبعاد الاستراتيجية للعلاقات بين البلدين. (3)

تأثيرات التغلغل الإسرائيلي في إثيوبيا على المصالح المصرية:

أولًا- البعد الاقتصادي: أكد بعض المراقبين أن القاهرة لا تنظر إلى الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا باعتباره مجرد تعاون اقتصادي، خاصة أن إثيوبيا تمثل طرفًا رئيسيًا في أزمة سد النهضة.

وأوضح مراقبون أن أي دعم إسرائيلي طويل الأمد لأديس أبابا، لا سيما في مجالات التكنولوجيا والاستثمار والتعاون الحكومي، قد يُقرأ في القاهرة باعتباره تعزيزًا لقدرات دولة توجد معها خلافات جوهرية تتعلق بالأمن المائي.

ولفت هؤلاء إلى تصريحات السفير الإسرائيلي بشأن دعم إثيوبيا لكي “تصبح قوة اقتصادية رائدة في أفريقيا”، معتبرًا أن هذه التصريحات تعكس، وفق تقديره، رؤية إسرائيلية تتجاوز التعامل مع إثيوبيا باعتبارها مجرد سوق أو شريك اقتصادي، إلى النظر إليها بوصفها بوابة لتعزيز النفوذ داخل القارة الأفريقية.

وأضاف المراقبون أن هذا التوجه قد يمثل مصدر تهديد للمصالح المصرية في عدد من دوائر الأمن الرئيسية، التي يتنامى فيها الحضور الإسرائيلي، وهو ما يجعل التصريحات والمواقف الإسرائيلية عاملًا إضافيًا في تصاعد التوترات الإقليمية.

ومن ثم، فإن التأثيرات المحتملة للتعاون الاقتصادي الإسرائيلي الإثيوبي لا تقتصر على العلاقات الثنائية بين البلدين، بل تمتد إلى التوازنات الإقليمية، خاصة عندما يرتبط هذا التعاون بقطاعات استراتيجية، مثل المياه والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثانيًا- سد النهضة والأمن المائي المصري: تأتي التصريحات الإسرائيلية الداعمة لإثيوبيا في وقت تستخدم فيه القاهرة لهجة حاسمة تجاه أديس أبابا بشأن أزمة سد النهضة وقضية المياه.

وفي أغسطس 2026، أكدت مصر، في أكثر من مناسبة، أن قضية المياه تمثل مسألة أمن قومي وخطًا أحمر، وأن القاهرة قادرة على الدفاع عن مصالحها، وفقًا لتصريحات نقلتها وسائل إعلام مصرية عن مصادر مسؤولة. كما أكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، حق مصر في الدفاع عن أمنها المائي في إطار القانون الدولي، في ظل استمرار الخلافات المتعلقة بسد النهضة.

وتعود أزمة المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا إلى سنوات طويلة، إذ توقفت المفاوضات لمدة ثلاثة أعوام قبل استئنافها في عام 2023، ثم تعثرت مجددًا، في ظل استمرار الخلافات بشأن التوصل إلى اتفاق ملزم حول قواعد ملء وتشغيل السد.

وتتمسك إثيوبيا، باعتبارها دولة منبع، بموقفها الرافض لإبرام اتفاق وفق الصيغة التي تطالب بها دولتا المصب، مؤكدة في المقابل أن السد لا يستهدف الإضرار بمصر أو السودان.

وبينما يستمر الخلاف حول القواعد القانونية لتشغيل سد النهضة والحقوق المائية، تتابع القاهرة التحولات التي تشهدها منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، خاصة ما يتعلق بتنامي العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية.

وفي الحسابات المصرية، لا يمكن فصل ملف المياه عن التحولات الأوسع التي تشهدها المنطقة، لا سيما في ظل التنافس على النفوذ في البحر الأحمر، وتزايد أهمية إثيوبيا في الترتيبات الإقليمية.

وتؤكد القاهرة أنها تتعامل مع هذه التطورات وفق ثوابت مرتبطة بحماية أمنها القومي، مع استمرار المسارات السياسية والدبلوماسية، طالما كانت قادرة على صون مصالحها وحقوقها المائية.

ومن هذا المنطلق، فإن الحضور الإسرائيلي المتنامي في إثيوبيا يفرض تحديات إضافية أمام السياسة المصرية، خاصة إذا تجاوز التعاون الثنائي المجالات الاقتصادية والتنموية إلى ترتيبات استراتيجية قد تؤثر في موازين القوى الإقليمية. (4)

في النهاية، لا تبدو السياسة الإسرائيلية في إثيوبيا وعموم القرن الأفريقي منفصلة عن تحركات إسرائيل في سوريا ولبنان، بل يمكن النظر إليها باعتبارها امتدادًا لتوجهاتها الرامية إلى توسيع نفوذها الإقليمي، بما قد ينعكس سلبًا على المصالح العربية عمومًا، والمصرية خصوصًا.

وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الأهداف التي تشكل دوافع أساسية للحضور الإسرائيلي في أديس أبابا، وفي مقدمتها محاولة تطويق المجال الحيوي العربي، وتعزيز التمركز الاستراتيجي قبالة منطقة الخليج والبحر الأحمر، خاصة بعد التطورات الأخيرة التي شهدتها منطقة باب المندب، وتحولها إلى إحدى ساحات المواجهة المرتبطة بالصراع مع إسرائيل.

كما يبرز ملف الأمن المائي المصري ضمن الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية، في ضوء تنامي التعاون مع إثيوبيا، وما يثيره من تساؤلات حول مدى ارتباطه بمشروعات السدود والبنية التحتية المائية، وفي مقدمتها سد النهضة.

وترى بعض التحليلات أن إسرائيل تسعى إلى توظيف هذه العلاقات باعتبارها إحدى أدوات الضغط غير المباشر على مصر، التي لا تزال تمثل، في بعض دوائر الإدراك الاستراتيجي الإسرائيلي، قوة إقليمية مؤثرة يتعين أخذها في الحسبان.

ويمتد هذا التوجه، وفق تلك التحليلات، إلى محاولة التأثير في التوازنات الإقليمية داخل القرن الأفريقي، بما في ذلك التطورات المرتبطة بالصومال، والصراعات الداخلية الإثيوبية، والتنافس على المنافذ البحرية.

وتتحرك إسرائيل في إثيوبيا باعتبارها محطة مهمة لتعزيز انتشارها في شرق القارة الأفريقية، ومحاولة استقطاب دول المنطقة إلى مواقف أكثر تقاربًا مع توجهاتها السياسية والاستراتيجية، بما يساعدها على تثبيت حضورها وتوسيع شبكة علاقاتها الإقليمية.

كما تسعى إلى تعزيز وجودها بالقرب من المجالات الحيوية العربية في أفريقيا، بما يتيح لها فرصًا أكبر للتأثير في المصالح العربية، وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بما يخدم أهدافها.

وعليه، فإن الحضور الإسرائيلي في إثيوبيا لا يمكن قراءته بمعزل عن استراتيجية أوسع تسعى من خلالها إسرائيل إلى تعزيز مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.

وهي استراتيجية تعود جذورها إلى مراحل مبكرة من نشأة إسرائيل، وإن كانت الظروف الإقليمية الراهنة قد وفرت لها فرصًا جديدة لتوسيع نطاق تحركاتها ومحاولة تحقيق أهدافها.

______________ المراجع_____________________

1- يعقوب بوفراش، “السياسة الخارجية تجاه أفريقيا”، مجلة العلوم القانونية والسياسية، المجلد 12، العدد 02، سبتمبر 2021، ص 974-977.

2- “قراءة في الاتفاقية الإسرائيلية الإثيوبية: الدلالات والتداعيات على الأمن الإقليمي والمصري”، مركز إيجيبشن إنتربرايز للسياسات والدراسات الاستراتيجية، 17 مارس 2025، الموقع الإلكتروني:

https://egyptianenterprise.com/ تاريخ الاطلاع: 5 أكتوبر 2026.

3- خالد وليد محمود، “التغلغل الإسرائيلي في القارة السمراء: إثيوبيا دراسة حالة”، مركز الجزيرة للدراسات، 2012، ص 8-10.

4- “الدعم الإسرائيلي لإثيوبيا يثير قلق مصر: سد النهضة وموازين القوى بالبحر الأحمر في قلب المواجهة”، عربي بوست، 11 سبتمبر 2026، الموقع الإلكتروني:

https://arabicpost.net/ تاريخ الاطلاع: 5 أكتوبر 2026.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى