لواء دكتور أحمد زغلول يكتب.. العالم على حافة إعادة التشكل

من غزة إلى أوكرانيا.. هل انتهى عصر الحروب المفتوحة وبدأ زمن التسويات الكبرى؟

عندما يصبح العالم كله طرفًا في الأزمة

هناك أحداث تمر على العالم فتكون مجرد خبر، وهناك أحداث أخرى تتحول إلى علامة فارقة في مسار التاريخ، وما يجري اليوم في الشرق الأوسط يبدو أقرب إلى النوع الثاني.
ففي القاهرة تتحرك اتصالات سياسية شديدة الحساسية لدفع خطة السلام الخاصة بقطاع غزة إلى الأمام، بينما يجري في الوقت نفسه تواصل أمريكي نادر مع قيادة حركة حماس، بالتوازي مع اتصالات مصرية وقطرية وتركية، في محاولة للانتقال من ترتيبات وقف إطلاق النار إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتعلق بنزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار وترتيبات الحكم في غزة. لكن المفارقة الكبرى أن الدبلوماسية تتحرك في الوقت الذي لا تزال فيه آلة الحرب تتحرك أيضًا، وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نحن أمام محاولة لإنهاء حرب واحدة أم أمام لحظة إعادة ترتيب لقواعد الصراع في الشرق الأوسط، وربما للنظام الدولي كله؟

أولًا: غزة لم تعد قضية فلسطينية فقط:
من الخطأ الاستراتيجي التعامل مع غزة باعتبارها ملفًا محليًا منفصلًا عن التحولات الكبرى في العالم. غزة أصبحت نقطة تقاطع بين الأمن الإسرائيلي والأمن العربي والمصالح الأمريكية والنفوذ التركي والدور القطري والمصالح المصرية ومستقبل القضية الفلسطينية وأمن البحر الأحمر وشرق المتوسط ومستقبل النظام الإقليمي بأكمله. ولهذا، فإن أي تسوية في غزة لن تكون مجرد اتفاق على وقف إطلاق النار، إنها ستحدد بصورة مباشرة أو غير مباشرة من يملك القدرة على التأثير في الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة. واللافت أن التطورات الحالية تتحدث عن خارطة طريق تتضمن وقفًا دائمًا للأعمال القتالية الإسرائيلية ونزع سلاح حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية وإعادة الإعمار ونقل إدارة القطاع إلى إدارة فلسطينية. وهذه ليست تفاصيل تفاوضية عابرة، إنها في جوهرها محاولة للإجابة عن سؤال شديد الصعوبة: من يحكم غزة بعد الحرب؟ ومن يضمن أمنها؟ ومن يدفع ثمن إعادة إعمارها؟ ومن يملك قرار السلاح؟

ثانيًا: أخطر ما في الفترة الراهنة.. أن السلام نفسه أصبح ساحة صراع:
قد يبدو الأمر متناقضًا، لكن التاريخ يعلمنا أن أخطر مراحل الحروب ليست دائمًا مراحل القتال، وإنما أحيانًا مرحلة التفاوض على شكل ما بعد الحرب. فالخلاف الحقيقي لا يكون فقط حول وقف إطلاق النار، وإنما حول الآتي:
١- حدود الانسحاب.
٢- مستقبل نزع السلاح.
٣- شكل السلطة الفلسطينية في غزة.
٤- الضمانات الأمنية.
٥- إعادة الإعمار.
٦- حرية الحركة.
٧- المعابر والمنافذ الحدودية.
٨- مستقبل المستوطنات.
٩- العلاقة بين غزة والضفة الغربية.
١٠- موقع القضية الفلسطينية في أي تسوية إقليمية مقبلة.
ولهذا، فإن نجاح أي اتفاق لن يتوقف على توقيع الوثيقة، وإنما على وجود إرادة سياسية قادرة على تنفيذها، وهنا تكمن المشكلة. فقد أبدت حماس استعدادًا للتعامل مع خارطة الطريق، بينما لا تزال هناك اعتراضات إسرائيلية على بعض بنودها، في الوقت الذي تستمر فيه الضربات داخل غزة. وبالتالي، فإن السؤال
لم يعد: هل توجد مبادرة للسلام؟ بل أصبح: هل توجد قوة سياسية قادرة على فرض الالتزام بها على جميع الأطراف؟

ثالثًا: مصر .. عندما تتحول الجغرافيا إلى قوة سياسية:
في خضم هذه التحولات تظهر أهمية الدور المصري بصورة واضحة. فمصر ليست وسيطًا بعيدًا عن الأزمة، إنها الدولة العربية الأكثر اتصالًا جغرافيًا وأمنيًا وسياسيًا بقطاع غزة، وهي الدولة التي تتحمل بحكم موقعها مسؤوليات مباشرة تجاه أمن حدودها وأمن سيناء واستقرار المنطقة. ولهذا، فإن وجود القاهرة في قلب الاتصالات الحالية ليس شكلًا بروتوكوليًا. لقد اجتمعت في القاهرة اتصالات أمريكية ومصرية وقطرية وتركية لدفع خطة السلام، وهو ما يؤكد أن القاهرة ما زالت واحدة من أهم مراكز إدارة الأزمة. وهنا يجب أن ندرك حقيقة استراتيجية مهمة: القوة المصرية ليست فقط في امتلاك القدرة العسكرية، وإنما أيضًا في امتلاك القدرة على التواصل مع أطراف متناقضة وإدارة الملفات شديدة الحساسية ومنع الأزمات من التحول إلى صراعات أوسع. وهذه إحدى صور القوة الناعمة للدولة المصرية، لكنها قوة ناعمة تستند إلى ثقل جغرافي وعسكري وتاريخي وسياسي.

رابعًا: من غزة إلى أوكرانيا.. المشهد أكبر من الشرق الأوسط:
لو نظرنا إلى الخريطة الدولية بعيدًا عن غزة، سنجد أن العالم يعيش حالة مشابهة من البحث عن التسويات. الحرب الروسية ـ الأوكرانية ما زالت تمثل أحد أكبر ملفات الأمن الدولي، فيما استمرت محاولات التفاوض والوساطة خلال 2026، مع بقاء الخلافات الجوهرية حول الأمن والأراضي ومستقبل العلاقة بين روسيا والغرب. وفي الوقت نفسه، أصبح واضحًا أن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد على الدبابات والطائرات وحدها. لقد دخلنا عصر المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى والحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي والحرب الاقتصادية والعقوبات وحروب المعلومات والتأثير على الرأي العام. بل إن التطورات الأخيرة في الحرب الروسية ـ الأوكرانية تكشف عن تسارع سباق التكنولوجيا الصاروخية والمسيّرات، بما يؤكد أن شكل الحرب في القرن الحادي والعشرين يتغير بسرعة غير مسبوقة. وهنا يصبح السؤال: هل يستطيع العالم الاستمرار في إدارة صراعات القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن العشرين؟

خامسًا: العالم لا ينتقل من الحرب إلى السلام.. بل من الحرب إلى التفاوض على القوة:
هذه هي النقطة التي أراها الأكثر أهمية. فمن الخطأ الاعتقاد أن العالم أصبح أكثر سلمية. الأدق أن نقول: العالم أصبح أكثر إدراكًا لتكلفة الحرب الشاملة. الدول الكبرى تعرف أن أي حرب إقليمية يمكن أن تتحول إلى أزمة اقتصادية عالمية، وأي إغلاق لممر بحري يمكن أن يؤثر في التجارة والطاقة، كما نلمسه في الأزمة الإيرانية – الأمريكية، وأي توسع للصراع يمكن أن يرفع أسعار الغذاء والطاقة ويضغط على الأسواق ويعيد رسم التحالفات. لذلك أصبح التفاوض نفسه جزءًا من إدارة الصراع. فالجلوس إلى طاولة المفاوضات لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع، أحيانًا يكون التفاوض هو المرحلة الجديدة من الصراع، ولكن بأدوات سياسية.

سادسًا: إسرائيل أمام اختبار تاريخي:
إسرائيل أيضًا أمام مفترق طرق. فالاستمرار في الحرب يمكن أن يحقق أهدافًا عسكرية محدودة، لكنه لا يقدم بالضرورة إجابة عن السؤال السياسي الأكبر: كيف تنتهي الحرب؟
فالانتصار العسكري لا يصبح انتصارًا استراتيجيًا إلا إذا أنتج وضعًا سياسيًا أكثر استقرارًا، وهذا درس تاريخي مهم.
الجيوش تستطيع إسقاط مواقع، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة الشرعية السياسية.
وفي المقابل، فإن أي تسوية لا تراعي الأمن الفلسطيني والإسرائيلي على حد سواء لن تكون قابلة للاستمرار. ومن هنا، فإن التسوية الواقعية تحتاج إلى معادلة صعبة تتكوّن من الآتي:
أمن إسرائيل + حقوق الفلسطينيين + إنهاء السلاح خارج إطار الدولة + انسحاب عسكري قابل للتنفيذ + إعادة الإعمار + إدارة فلسطينية شرعية + ضمانات دولية وإقليمية.
وأي خلل جوهري في هذه المعادلة قد يعيد إنتاج الحرب وعدم الاستقرار.

سابعًا: ماذا يعني نزع السلاح؟
هذه ربما تكون أصعب نقطة في أي اتفاق، لأن نزع السلاح من حركة حماس والفصائل الفلسطينية ليس قرارًا إداريًا، بل إنه عملية سياسية وأمنية واجتماعية معقدة، ولا يمكن أن تنجح بمجرد الضغط العسكري. فالقاعدة الاستراتيجية تقول:
السلاح يختفي عندما تختفي البيئة التي تجعل امتلاكه ضرورة أو وسيلة أو رمزًا للقوة. ولهذا، فإن نزع السلاح يحتاج إلى الآتي:
١- ضمانات أمنية حقيقية.
٢- ترتيبات سياسية واضحة.
٣- سلطة فلسطينية قادرة على إدارة القطاع.
٤- إعادة إعمار واسعة.
٥- معالجة جذور الصراع.
٦- مسار سياسي واضح للقضية الفلسطينية.
وإلا فإن خطر إعادة إنتاج الأزمة سيظل قائمًا.

ثامنًا: الدرس الأخطر.. لا يمكن بناء السلام فوق أنقاض الدولة:
إذا كان العالم يريد شرق أوسط مستقرًا، فلا يكفي أن تتوقف الطائرات عن القصف. الاستقرار الحقيقي يحتاج إلى مؤسسات ودول وقوانين وتنمية وفرص عمل وتعليم وصحة وإعمار. فالفراغ السياسي والأمني هو البيئة المثالية لعودة التطرف والعنف. ومن هنا، فإن إعادة إعمار غزة يجب ألا تُفهم باعتبارها مشروعًا عمرانيًا فقط، إنها مشروع إعادة بناء الإنسان والمجتمع والمؤسسات. وهنا تتأكد قاعدة أؤمن بها: لا يمكن أن نبني دولة مستقرة إذا تركنا الإنسان فريسة للفقر واليأس والجهل والانقسام.

تاسعًا: أين العالم العربي من كل ذلك؟
المرحلة القادمة تحتاج إلى رؤية عربية أكثر تماسكًا. ليس المطلوب الدخول في سباق نفوذ، وليس المطلوب أن تصبح المنطقة ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى. المطلوب هو أن تمتلك الدول العربية رؤية مشتركة للأمن والتنمية والسلام. فالأمن العربي لم يعد يعني فقط حماية الحدود، إنه يعني أيضًا أمن الغذاء وأمن الطاقة وأمن المياه والأمن السيبراني وأمن الممرات البحرية والأمن الاقتصادي والأمن المجتمعي، وهذه الملفات أصبحت مترابطة بصورة غير مسبوقة.

تاسعًا: أين العالم العربي من كل ذلك:

مصر بحكم موقعها لا تستطيع أن تكون بعيدة عن أي تحول استراتيجي في الشرق الأوسط، لكن المطلوب ليس فقط التعامل مع الأزمات بعد وقوعها، المطلوب هو الانتقال إلى صناعة السيناريوهات قبل وقوع الأحداث، وهذا يعني الآتي:
١- بناء مراكز بحثية أكثر فاعلية.
٢- تطوير دراسات استشراف المستقبل.
٣- تعزيز الأمن الاقتصادي.
٤- حماية الممرات البحرية.
٥- الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
٦- تطوير الصناعات الدفاعية.
٧- رفع كفاءة الإنسان المصري.
٨- دعم الدبلوماسية الوقائية.
٩- الحفاظ على التوازن في العلاقات الدولية.
فالدولة التي تعرف ماذا سيحدث غدًا تستطيع أن تستعد له اليوم، أما الدولة التي تنتظر الحدث ثم تبدأ في التفكير، فإنها دائمًا تتحرك خلف الأحداث.

دروس استراتيجية مستفادة:
١- الحرب لا تنتهي عندما يتوقف إطلاق النار، وإنما عندما يصبح السلام أكثر مصلحة من استمرار الحرب.
٢- القوة العسكرية ضرورية لحماية الدولة، لكنها وحدها لا تكفي لصناعة الاستقرار.
٣- الدبلوماسية الناجحة ليست ضعفًا، وإنما إحدى أدوات القوة الوطنية.
٤- الموقع الجغرافي يمكن أن يتحول إلى قوة سياسية واقتصادية إذا أُحسن استثماره.
٥- أمن الدولة في العصر الحديث يبدأ من الإنسان ويمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا والمعلومات.
٦- الحروب الحديثة لا تُحسم فقط في ساحات القتال، بل تُحسم أيضًا في الاقتصاد والإعلام والفضاء السيبراني ومراكز التفكير.

توصيات استراتيجية:
١- لمصر
ضرورة الاستمرار في لعب دور فاعل في إدارة الأزمات الإقليمية، مع الحفاظ على ثوابت الأمن القومي المصري وعدم السماح بفرض أي ترتيبات تمس أمن الحدود أو استقرار سيناء.
٢- للدول العربية
صياغة إطار عربي متكامل للأمن الإقليمي يتجاوز سياسة رد الفعل إلى صناعة المبادرات.
٣- للقضية الفلسطينية
العمل على بناء إطار سياسي فلسطيني قادر على إدارة المؤسسات وتوحيد القرار وتحقيق الشرعية الوطنية.
٤- للمجتمع الدولي
الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها، لأن ترك جذور الصراع يعني تأجيل الحرب لا إنهاءها.
٤- للشباب العربي
الوعي بأن معركة المستقبل ليست فقط معركة السلاح، وإنما معركة العلم والتكنولوجيا والاقتصاد والوعي.
العالم يتغير ومن لا يقرأ التغيير سيدفع ثمنه
نحن أمام لحظة تاريخية لا ينبغي أن نقرأها بخفة. فمن غزة إلى أوكرانيا، ومن البحر الأحمر إلى شرق المتوسط، ومن الحرب التقليدية إلى الذكاء الاصطناعي والمسيّرات، يتشكل عالم جديد. عالم لم تعد فيه القوة مرادفًا للسلاح فقط، القوة أصبحت اقتصادًا قويًا وإنسانًا واعيًا ومؤسسات مستقرة وتكنولوجيا متقدمة وجيشًا قادرًا ودبلوماسية مؤثرة ومعلومات دقيقة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى. وقد تنجح المفاوضات الحالية في غزة وقد تتعثر وقد تحتاج إلى جولات جديدة، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط لن يعود إلى ما كان عليه قبل هذه الحروب. والسؤال الذي يجب أن يشغلنا ليس: مَن انتصر في الحرب؟ بل مَن سيكون قادرًا على بناء السلام عندما تنتهي الحرب؟ فهناك فرق هائل بين أن تنتصر في معركة وأن تكون قادرًا على صناعة مستقبل. وفي تقديري، فإن العالم يقف اليوم أمام امتحان تاريخي: إما أن يتعلم كيف يحول القوة إلى سلام، أو يظل يدور في دائرة الحرب ثم التفاوض ثم الحرب من جديد.
أما مصر فمسؤوليتها أكبر من أن تكون مجرد متفرج على هذا التحول. إنها دولة تقع في قلب الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، وتمتلك من التاريخ والموقع والقوة والخبرة ما يؤهلها لأن تكون شريكًا رئيسيًا في صناعة الاستقرار، لا مجرد متلقٍ لنتائجه.
في النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: الأمم لا تحمي مستقبلها بالسلاح وحده، وإنما بالوعي الذي يعرف متى يستخدم القوة، والدبلوماسية التي تعرف متى تفاوض، والعقل الذي يعرف كيف يحول الأزمات إلى فرص. وهذه هي المعركة الحقيقية القادمة: معركة بناء الإنسان وبناء الدولة وبناء المستقبل.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى