تباين كاشف.. كيف تناول الجزائريون والمغاربة احتجاجات تونس؟

أثارت الاحتجاجات الأخيرة في تونس حالة من التباين في مواقف وردود الشعوب العربية عامةً والشعبين الجزائري والمغربي بشكل خاص،  وخلقت حالة من الجدل على وسائل التواصل الاجتماعي، وكشفت متابعة التفاعلات الرقمية عن وجود انقسام واضح في مواقف الشعبين تجاه ما تشهده تونس من احتجاجات واضطرابات سياسية واجتماعية.

ففي الجزائر،  رفض 75% من الشعب الجزائري واستنكر الفوضي التي تحدث في تونس، وجاء ذلك متزامنًا مع ما أبدته الحكومة الجزائرية وتأييدها للرئيس التونسي قيس سعيد خلال خطاب للرئيس تبون في 28 يوليو الذي أكد فيه أن أي محاولة زعزعة لاستقرار دولة تونس الشقيقة هي خطر يمس الجزائر أيضًا، نظرًا لما يربط الدولتين من علاقات وطيدة ومصير مشترك، في المقابل  أبدت بعض تيارات الإسلام السياسي تأييدها للاحتجاجات، باعتبارها نتاج للأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها تونس، فضلًا عن تدهور الخدمات العامة وتصاعد حالة الاحتقان الشعبي.

أما في المغرب، فقد أظهرت التفاعلات الرقمية أن ما يقرب من 80% من الشعب المغربي مؤيد للاحتجاجات في تونس، معتبرين أنها مطالب شعبية مشروعة، وثارت موجة من الانتقادات الحادة للموقف الجزائري الشعبي والرسمي، مؤكدين أن ما يجري في تونس يعد شأنًا داخليًا لا يحق لأي دولة التدخل فيه، وهو ما أدى إلى تصاعد حالة من الاتهامات المتبادلة والنقاشات الحادة بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في البلدين.

وتأسيسًا على ذلك، يسعى هذا التحليل لمعرفة إلى أي مدى تعكس التفاعلات الرقمية حالة الانقسام في مواقف الشعبين الجزائري والمغربي تجاه الاضطرابات التي شهدتها تونس؟

الشعب الجزائري بين التأييد والمعارضة

أعقبت المظاهرات التي اندلعت في تونس يوم 25 يوليو 2026 حالة من الانقسام بين الشعب الجزائري على وسائل التواصل الإجتماعي وخاصة على منصتي “فيسبوك” و”إكس”، حيث أظهرت التفاعلات الجزائرية على مواقع التواصل الاجتماعي أن الاتجاه الغالب بين المستخدمين اتجه نحو رفض الاحتجاجات والتخوف من تداعياتها الأمنية والسياسية على الجزائر والمنطقة بأكملها،  فقد أظهرت التفاعلات الجزائرية أن غالبية المستخدمين ينظرون إلى الاحتجاجات في تونس باعتبارها تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الجزائري، خاصة في ظل الحدود المشتركة الممتدة بين البلدين والمخاوف المرتبطة بالإرهاب والهجرة غير النظامية، بالإضافة إلى التخوف من احتمالية انتقال حالة عدم الاستقرار إلى الداخل الجزائري، وأن هذه الفوضى قد تدفع بالدولة الشقيقة نحو التأزم خاصة في ظل الأوضاع المضطربة التي تشهدها المنطقة والحروب المستمرة في الشرق الأوسط والساحل الإفريقي. ومن ثم، فقد ارتبطت غالبية التعليقات بفكرة أساسية أن استقرار تونس يعد جزءًا لا يتجزأ من استقرار الجزائر والمنطقة المغاربية بأسرها.

المصدر: من إعداد الباحث بالاعتماد على تحليل منشورات السوشيال ميديا.

ومن خلال رصد منشور أحد البرلمانيين الجزائرين د. أحمد مونيس الذي انتشر بشكل واسع، من بين 2.5 ألف تعليق ومنشور  في وسائل التواصل الجزائرية فإن 75% من تعليقات الجزائريين أكدت رفضها التام للاحتجاجات في تونس، بل واعتبرت أن تلك الأوضاع هي ممولة من الجماعات الإرهابية و”العصابات الإسرائيلية” التي تسعى إلى إسقاط الدول العربية من الداخل واحدة تلو الآخرى، عبر زعزعة الاستقرار وإثارة حالة من الفتن والثورات الداخلية، ومن الناحية الآخرى أظهرت نحو 25% من التعليقات تأييدًا للاحتجاجات باعتبارها انعكاسًا مباشرًا للأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي تمر بها تونس، بما في ذلك تراجع الخدمات العامة وتصاعد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.

المصدر: من إعداد الباحث بالإعتماد على تحليل منشورات وسائل التواصل.

وقد تم رصد 56 منشور لأشخاص جزائريين على منصة فيسبوك رافضة للاحتجاجات التونسية وبتتبع الحسابات الشخصية لهؤلاء الأشخاص وتحليل المنشورات، فقد اتضح أن نسبة  80% من هؤلاء الأشخاص ذات خلفية سياسية إما أحزاب الموالاة أو نواب البرلمان وغيرها، بينما أظهرت نسبة 20% من المنشورات ذات انتماءات لأحزاب الإسلام السياسي، تأييدها للأوضاع، ووجهت انتقادة شديدة للرئيس التونسي قيس سعيد ودعت إلى الإطاحة بالحكومة والتمهيد لحكم “إسلامي” في تونس.

وتشير هذه المؤشرات إلى أن الخطاب الجزائري تجاه الاضطرابات التونسية انقسم بين تيار أمني يخشى تداعيات الفوضى على استقرار المنطقة، وتيار آخر يركز على الأسباب الاقتصادية والسياسية التي تقف وراء الاحتجاجات، إلا أن كل هذه التيارات تشترك في عامل واحد وهو التخوف من انعكاسات الأزمة التونسية على مستقبل الاستقرار في الجزائر ومنطقة المغرب العربي بأكملها.

موقف الشعب المغربي

على العكس من موقف الشعب الجزائري الذي غلب عليه طابع التخوف من تفاقم الأزمة في تونس وتدهور الأوضاع بشكل يؤدي لإنهيار الدولة ومؤسساتها كما هو الحال في دول عربية آخرى، فإن تفاعلات الجانب المغربي كشفت عن دعم الشعب المغربي للمظاهرات التي اندلعت في تونس، حيث اعتبرت أن هذه الأوضاع هي انعكاس واضح للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وقد كشفت متابعة التعليقات والمنشورات أن قطاع كبير من المغاربة ينظر إلى ما يحدث في تونس باعتباره شأنًا داخليًا مرتبطًا بحق الشعوب في التعبير عن مطالبها السياسية والاقتصادية.

المصدر: من إعداد الباحث بالإعتماد على منشورات وسائل التواصل.

ومن خلال رصد ما يقرب من40  منشورًا مغربيًا تناولت الاضطرابات التونسية، تبين أن نحو 80%  من المنشورات (32 منشورًا) أبدت تأييدها الواضح للاحتجاجات، معتبرة أنها جاءت نتيجة مباشرة لتدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع القدرة الشرائية، فضلًا عن أزمة انقطاع الكهرباء والخدمات الأساسية، وترى أن الاحتجاجات تمثل وسيلة مشروعة للضغط على الحكومة التونسية من أجل الاستجابة لمطالب المواطنين وتحسين أوضاعهم المعيشية.

في المقابل، أظهر نحو 20% من المنشورات (8 منشورات) رفض الاحتجاجات أو التخوف من تداعيات استمرارها، معتبرة أن تصاعد حالة التوتر قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في تونس وامتداد آثارها إلى منطقة المغرب العربي بأكملها.

ومن خلال رصد منشور أحد المؤثرين المغاربة الذي حظى بتفاعل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، تبين أن المنشور أثار حالة من الجدل بين المستخدمين الجزائريين والمغاربة؛ إذ بلغ عدد التعليقات الجزائرية الناقدة للمنشور ما يقرب من 3000  تعليق، أكدت غالبيتها أن أمن تونس والجزائر مترابط وأن استقرار تونس يمثل جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي الجزائري، مؤكدين على العلاقات التاريخية بين البلدين.

في المقابل، بلغ عدد التعليقات المغربية المؤيدة للاحتجاجات والمنتقدة للموقف الجزائري نحو 4000  تعليق، حيث اعتبر أصحابها أن ما يحدث في تونس هو حق أصيل للشعب التونسي، وأن الاحتجاجات جاءت نتيجة مباشرة للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة.

وتشير هذه المؤشرات إلى أن الخطاب المغربي تجاه التوترات التونسية انقسم بين تيار يؤيد الاحتجاجات ويرى فيها تعبيرًا مشروعًا عن المطالب الشعبية، وتيار آخر يتخوف من تداعيات استمرار المظاهرات على استقرار المنطقة، إلا أن القاسم المشترك بين مختلف الاتجاهات المغربية تمثل في التأكيد على حق الشعب التونسي في تحديد مستقبله السياسي.

ختامًا، تكشف التفاعلات الرقمية المرتبطة بالاضطرابات التونسية عن تباين واضح في مواقف الشعبين الجزائري والمغربي تجاه ما يجري داخل تونس؛ فبينما نظر قطاع واسع من الجزائريين إلى الأزمة من منظور أمني-وطني يرتبط بالحفاظ على استقرار الدولة ومنع انتقال الفوضى إلى المنطقة، اتجهت غالبية التفاعلات المغربية إلى تفسير الأحداث من زاوية اقتصادية واجتماعية، معتبرة أن الاحتجاجات تمثل انعكاسًا طبيعيًا للأوضاع المعيشية، كما أظهرت منصات التواصل الاجتماعي أن الخلاف لم يقتصر على تقييم الاحتجاجات فقط، بل امتد إلى طبيعة الدور الذي يجب أن تلعبه الجزائر تجاه تونس،  إذ رأى الجزائريون أن أمن البلدين مترابط، في حين اعتبر قطاع واسع من المغاربة أن ما يحدث شأن داخلي يخص الشعب التونسي وحده.

وبناءًا على ذلك، تعكس هذه التفاعلات حجم التباين في الرؤى السياسية داخل منطقة المغرب العربي، كما تؤكد أن مستقبل الأزمة التونسية سيظل عاملًا مؤثرًا في طبيعة العلاقات والتوازنات الإقليمية في المنطقة.

سناء عوض الله

سناء عوض الله- باحثة ببرنامج دراسات السياسات العامة بالمركز. الباحثة حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية، وتعد رسالة الماجستير في دراسات الأمن الإقليمي. مهتمة بدراسة التحولات الاجتماعية والديمغرافية في منطقة الشرق الأوسط، كما أنها متابعة للشئون المصرية، خاصة التحولات الاقتصادية في السوق المصري (دراسات السوق).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى