دكتور محمد الجمال يكتب.. شق الثعبان في رؤية وزير الصناعة

أرى أن الصناعة المصرية تقف اليوم أمام فرصة حقيقية لاستعادة مكانتها، ليس فقط بفضل ما تمتلكه مصر من ثروات طبيعية، ولكن بفضل الإرادة السياسية الواضحة التي يقودها الرئيس عبد الفتاح السيسي، والذي جعل من دعم الصناعة والإنتاج والتصدير أحد أهم أولويات الجمهورية الجديدة. ومن يتابع توجيهات الرئيس خلال السنوات الأخيرة يدرك أنها كانت دائمًا تنطلق من فكرة واحدة؛ وهي أن الصناعة ليست قطاعًا اقتصاديًا فقط، وإنما قضية أمن قومي، ومحرك رئيسي للتنمية، وبوابة لزيادة الصادرات وتوفير فرص العمل.

وفي وجهة نظري، فإن أول اختبار حقيقي لأي وزير صناعة هو قدرته على النزول إلى أرض الواقع، والاستماع إلى المستثمرين، وتحويل المشكلات المتراكمة إلى حلول عملية. وهذا ما أراه منذ تولي المهندس خالد هاشم مسؤولية وزارة الصناعة، حيث بدا واضحًا أن هناك فلسفة مختلفة تقوم على فتح الملفات المؤجلة، والتواصل المباشر مع أصحاب المصانع، والبحث عن حلول قابلة للتنفيذ، بعيدًا عن الاكتفاء بالاجتماعات أو التقارير.

وأنا كرجل صناعة، أؤمن بأن المستثمر لا يبحث عن الدعم المالي بقدر ما يبحث عن بيئة مستقرة، وإجراءات واضحة، ودولة تمنحه الثقة ليواصل الإنتاج. لذلك أرى أن خطوة تقنين أوضاع المصانع والورش في منطقة شق الثعبان ليست مجرد توقيع عقود، وإنما رسالة طمأنة لكل مستثمر بأن الدولة جادة في بناء شراكة حقيقية مع القطاع الصناعي، وأن العمل تحت مظلة القانون أصبح هو الطريق الطبيعي للنمو والتوسع.

وأنا كمستثمر في صناعات الألومنيوم، وهي صناعة ترتبط بشكل مباشر وغير مباشر بقطاع الرخام والجرانيت من خلال مستلزمات التشغيل والتجهيزات والواجهات والمنتجات الهندسية، أدرك جيدًا أن نجاح شق الثعبان لا يخدم قطاعًا واحدًا فقط، بل ينعكس على عشرات الصناعات المغذية والمكملة. لذلك فإن تطوير هذه المنطقة يعني تنشيط سلاسل إنتاج كاملة، تبدأ من المحاجر ولا تنتهي عند التصدير.

ولعل أكثر ما لفت انتباهي في رؤية الوزير هو أنه لم يحصر اهتمامه في ملف التقنين وحده، بل تحدث في الوقت نفسه عن تطوير الخدمات، وتحسين البنية الأساسية، ومتابعة التحديات على الأرض، والعمل بالتوازي على ملف المحاجر. هذه النظرة الشاملة هي التي تصنع الفارق؛ لأن الصناعة لا يمكن أن تنجح إذا عولجت حلقاتها بشكل منفصل، بينما النجاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول كل عناصر المنظومة إلى فريق عمل واحد.

وأرى أن الأعداد الكبيرة للمتقدمين لتقنين أوضاعهم تحمل رسالة إيجابية للغاية، فهي تؤكد أن المستثمر المصري يريد أن يعمل في بيئة مستقرة، وأنه مستعد للالتزام عندما يجد دولة تستمع إليه، وتسهل إجراءاته، وتتعامل معه باعتباره شريكًا في التنمية، لا مجرد متلقٍ للخدمة.

ومن يتابع تحركات وزير الصناعة منذ اليوم الأول لتوليه المسؤولية يلاحظ اهتمامًا واضحًا بإعادة ترتيب أولويات الوزارة، والانتقال من إدارة الملفات إلى إدارة النتائج. فالقضية لم تعد إصدار قرار أو توقيع بروتوكول، وإنما الوصول إلى مصنع يعمل بكفاءة، ومنتج قادر على المنافسة، ومستثمر يشعر بأن الدولة تقف إلى جواره.

وفي اعتقادي، فإن الحديث عن تطوير ملف المحاجر لا يقل أهمية عن الحديث عن تطوير المصانع. فالخام المصري يتمتع بسمعة عالمية، لكن القيمة الاقتصادية الحقيقية تتحقق عندما يتحول هذا الخام إلى منتج نهائي يحمل علامة “صنع في مصر” ويستطيع المنافسة في الأسواق الدولية. وهذه هي الرؤية التي تتوافق مع توجهات القيادة السياسية نحو تعميق التصنيع المحلي وتعظيم القيمة المضافة وتقليل تصدير المواد الخام.

وأرى أيضًا أن شق الثعبان يمكن أن يتحول خلال السنوات المقبلة إلى نموذج صناعي متكامل، ليس فقط في إنتاج الرخام والجرانيت، وإنما في الإدارة الحديثة للمناطق الصناعية، إذا استمرت وتيرة التطوير الحالية، واستمر الحوار المباشر مع المستثمرين، وسرعة الاستجابة للتحديات التي تواجههم.

وفي النهاية، أؤمن أن الصناعة لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالقرار، والمتابعة، والإرادة. وما يحدث اليوم في شق الثعبان يعكس ترجمة عملية لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بالاهتمام بالصناعة الوطنية، وإزالة العقبات أمام المستثمرين، وتعظيم الاستفادة من الثروات المصرية. وإذا استمرت هذه الرؤية بنفس الجدية، فإن شق الثعبان لن يكون مجرد منطقة صناعية متخصصة، بل سيكون أحد أهم النماذج المصرية في بناء صناعة قادرة على المنافسة، وجذب الاستثمار، وزيادة الصادرات، وصناعة مستقبل اقتصادي أكثر قوة واستدامة.

د. محمد الجمال

د. محمد الجمال، كبير الهيئة الاستشارية بمركز رع للدراسات، هو خبير في شئون الصناعات والاستثمار. حاصل على بكالوريوس في الهندسة الكهربائية – جامعة القاهرة، وحاصل على دكتوراه في الهندسة الكهربائية – أكاديمية فينكس، الولايات المتحدة الأمريكية. هو عضو في مجلس الأعمال المصري الفنلندي منذ عام 2013، ورئيس شعبة الألومنيوم باتحاد الصناعات المصرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى