رهان التعددية: كيف يرى السفير نبيل فهمي خريطة التوزانات الإقليمية؟

عرض كتاب "قيد التشكل: الشرق الأوسط بين تحولات النظام الدولي والتفاعلات الإقليمية"

بسملة علاء- باحثة مساعدة

في كتابه “قيد التشكل: الشرق الأوسط بين تحولات النظام الدولي والتفاعلات الإقليمية” الصادر عن مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة تناول السيد نبيل فهمي الأمين العام لجامعة الدول العربية ووزير الخارجية المصري الأسبق تأثير تحولات النظام الدولي على توازنات الشرق الأوسط وأولوية تنويع التحالفات الدولية للدول العربية وتعزيز الاعتماد على قدراتها الذاتية. ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي يناقش تحول النظام الدولي المعاصر وتأثير هذا التحول المباشر على منطقة الشرق الأوسط.

تأثير ممتد

يعرض الكتاب إطارًا تحليليًا شاملًا لفهم كيف يؤدي تخلخل النظام الدولي الحالي وتنافس القوى العظمى إلى إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية داخل منطقة الشرق الأوسط وقضاياها الأساسية، حيث ينتقل الكتاب من العام (النظام العالمي ككل) إلى الخاص (تأثيره على الدول العربية والقضية الفلسطينية).

ويتكون من 5 فصول رئيسية. يضع فيها الفصل الأول تأسيسًا للمشهد العالمي الجديد، فيبدأ برصد التحولات الكبرى فى النظام الدولى نحو “التعددية القطبية” ويركز على صعود الصين، والتنافس الأمريكي الصيني، بالإضافة إلى الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها التي بدأت تعيد تشكيل العالم وتضعف القيادة الدولية الأحادية.

ويوضح الكتاب أن القوى العظمى (أمريكا، روسيا، الصين) فى حالة تغيير مستمر، ولن تلتزم دائمًا بدعم حلفائها، لذا فإن الحل للدول العربية هو الانفتاح على كافة الجبهات وتنويع العلاقات الدولية، بدلًا من ملاحقة ادعاءات الزعامة للقوى الأخرى.
ويأتي هذا الطرح فى وقت تبدو فيه  القوى الكبرى مشغولة بإعادة تنظيم نفسها وبصراعتها الداخلية والخارجية مثل الانشغال بالانتخابات الأمريكية، وتصاعد أزمة أوكرانيا . وفي هذا السياق، يعبر الكاتب عن قلقه الشديد من أن يؤدى سوء التقدير أو الحكم السيئ من قادة الدول العظمى في ملفات حساسة مثل حرب أوكرانيا أو ضم الصين لتايوان بالقوة إلى منزلق خطير ومواجهة شاملة بأسلحة مدمرة قد تضر بالعالم.
تأسيسًا على ذلك، يذكر الكاتب أن بعض الخبراء يتعاملون مع روسيا كدولة محدودة الإمكانيات بينما الواقع يفرض التعامل معها بحجمها الحقيقي كقوة عظمى تمتلك سلاحا نوويًا ونفوذًا واسعًا.
وتشير القراءة التحليلية للمشهد الدولي إلى أن أحداثًا مثل الانسحاب الأمريكي من  أفغانستان وغزو العراق وفيتنام أثبتت أن قوة أمريكا لها حدود وليست مطلقة، وأن التمسك بصورة النفوذ دون دراسة التكلفة النفسية والمادية يؤدي  حتمًا لمشاريع فاشلة.

حدود الاستجابة

يناقش الفصل الثاني والثالث انعكاس الصراع الدولي على الشرق الأوسط، فيوضح كيف تستجيب المنطقة لهذه التغيرات العالمية. ويناقش التنافس الدولي (الأمريكي، الروسي، الصيني) على المنطقة، وكيف تتأثر العلاقات الإقليمية مثل العلاقات السعودية الإيرانية، والتحركات التركية والإيرانية والإسرائيلية بهذا الاستقطاب الدولي، وصولًا إلى حرب غزة وتأثير طوفان الأقصى. كما يبحث فى كيفية إعادة تشكيل النظام العربي ليمتلك دورًا في هذا المشهد المضطرب.
ويستعرض الفصل الرابع القضية الفلسطينية باعتبارها قلب الصراع الإقليمي، ويركز بشكل أعمق على الصراع العربي الإسرائيلي ومعضلة السلام، ويدرس أثر أحداث “طوفان الأقصى” والمواقف الغربية والأمريكية منها، وتحديدًا التوقعات المستقبلية في عهد ترامب، مما يربط السياسة الداخلية للقوى العظمى بمصير قضايا المنطقة.

واعتبر وزير الخارجية المصري الأسبق أن تؤدي كلفة استمرار الحرب فى غزة ولبنان على الجبهة الإسرائيلية بما تشمله من خسائر بشرية وضغوط اقتصادية إلى تآكل تأييد الرأي العام الدولى. ومن  المتوقع أن تدفع هذه الكلفة المتزايدة نحو تنامي الاستقطاب السياسي، وعودة المظاهرات، مما يمهد لتراجع التيارات اليمينية الصادمية لصالح صعود أوسع للتوجهات الوسطية واليسارية الساعية لسلام حقيقي بعد إدراك عقم اللجوء الدائم للقوة المفرطة.
وينتقل السفير نبيل فهمي للتركيز على الوضع السوري، مشددًا على ضرورة تجاوز الحلول السهلة أو السريعة لمواجهة الإرث الثقيل من الممارسات القاسية عبر إطلاق حوار وطني جامع يضمن تمثيلًا حقيقيًا وصوتًا سياسيًا لكافة الطوائف والأقليات في المناصب والوزارات السيادية، عوضًا عن التمثيل الشكلي، وذلك لضمان الاستقرار وطمأنة دول الجوار.
كما يلفت الانتباه، مستشهدا بالتجربة العراقية، إلى أهمية استيعاب التوجهات الوطنية المتعددة مع ضرورة استبعاد استخدام العنف تمامًا تجنبًا للاستقطاب، وبغية بث الطمأنينة فى نفوس الشعب وجيرانه على حد سواء أثناء مرحلة إعادة البناء.
وفي الشأن السياسي الفلسطيني ينتقد فهمي عدم استغلال بعض الاقتراحات غير المكتملة التى وفرت مساحات مهمة، مثل تحفظات عرفات على مبادئ كلينتون عام 2000، واقتراحات أولمرت لأبو مازن حول القدس؛ حيث يرى النص أنها كانت فرصًا تاريخية يجب انتهازها للبناء عليها بدلًا من رفضها كليًا.
وأمام هذا الإرث السياسي المعقد، يستعرض انسداد أفق حل الدولتين بسبب السياسات الإسرائيلية اليمينية التي تعتبر هذا الحل وهمًا، وتحاول فرض واقع الدولة الواحدة ذات القومية الثنائية أو تفتيت القضية الفلسطينية عبر اختزالها في مجرد حكم محلي في قرى ضواحي القدس؛ الأمر الذي يفرض ضرورة تحرك الجانب الفلسطيني السريع لمواجهة هذا الواقع شعبيًا ودوليًا وتصويب الأداء العام.
وفى سياق هذا التحرك المستهدف، أبرز فهمي أهمية المخرجات الاستشارية لمحكمة العدل الدولية الصادرة في يوليو 2024، والتي تؤكد عدم شرعية الاحتلال وتطالب بالتعويضات؛ حيث تعد هذه المخرجات أداة قانونية وسياسية قوية يجب على التحرك الفلسطيني والعربي الاستناد إليها لتعرية الانتهاكات الإسرائيلية أمام المجتمع الدولي.
وتأسيساً على تلك المرجعية القانونية، يعرض مقترحًا مصريًا شاملًا ومكتملًا يضم أربعة عناصر أساسية لحل أزمة غزة وتحقيق السلام (وتم تضمين بعض بنودها في خطة ترامب للسلام) وتتمثل في: إعادة إعمار غزة بجهد عربي ودولي وإدارتها بتكنوقراط فلسطيني، بناء الدولة الفلسطينية على حدود 1967، المضي فى مسار حل الدولتين، وإنشاء منظمة أمنية إقليمية لحل الصراعات ونزع السلاح.

رؤية تصحيحية

ويناقش الفصل الخامس الرؤية المستقبلية، ويختم فهمي بتقديم رؤية لما يجب أن يكون عليه النظام الدولي والشرق أوسطي من منظور قيمي وأخلاقي (نظام دولي أكثر عدالة، وعولمة إنسانية). كما يطرح ملفًا في غاية الأهمية يربط بين الأزمتين (أوكرانيا والشرق الأوسط)، وهو الملف النووي، مشددًا على ضرورة إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل وتفعيل دور أكبر للدول العربية في الصياغة الجديدة للعالم.

وبناءًا على ذلك، فإن المخطئ الأكبر هو من يبالغ في الاعتماد التام على الدعم الأمريكي، إذ إن تراجع التزام أمريكا ملأته قوى أخرى مثل الصين وروسيا عبر زيادة الحضور الاقتصادى والسياسي، ليتحول المشهد الإقليمي نحو التعددية القطبية. وفي ظل هذه التحولات المتسارعة، تواجه الدول العربية تحديات حاسمة تتمثل فى أوجه قصور تكنولوجية واعتماد غير صحي على استيراد التقنيات، بالإضافة إلى أزمات طبيعية كالتغير المناخى وندرة المياه والأمن الغذائي، مما يستوجب صياغة رؤى لهياكل أمنية إقليمية مستقبلية مستقلة لمواجهة التهديدات.

يؤكد الكاتب على ضرورة تحول دول الجنوب العالمي التي تمثل الأغلبية إلى التوقف عن كونها مجرد مشارك مستسلم في نظام دولي غير عادل تطبق فيه سيادة القانون بشكل انتقائي وتسيطر عليه قلة قوية، حيث يطالب فهمي بإحياء روح مؤتمر باندونج التاريخي للتحرك الجماعي، ورفض الهياكل البالية ، والمطالبة بنظام عالمي جديد قائم على العدالة الاقتصادية،  واحترام السيادة ، والتنمية المستدامة.
ولا تقتصر متطلبات إصلاح هذا النظام على الجوانب الهيكلية والعدالة الاقتصادية فحسب، بل تمتد لتشمل الأطر الأمنية الجماعية؛ حيث ينتقل الكاتب لاستعراض المحور الخاص بحظر الأسلحة النووية وإنشاء منطقة خيالية من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، وهو ما يتعثر بسبب التعنت الإسرائيلي، ويسلط الضوء على الجهود الدولية والمجتمعية مثل منظمة ICAN  ومخرجات محكمة العدل الدولية عام 1996، واتفاقية TPNW  للضغط من أجل تفعيل معاهدة عدم الانتشار ولزوم مراعاة الاعتبارات الإنسانية.

وختامًا، يخلص السفير نبيل فهمي إلى أن الشرق الأوسط يزداد تعقيدًا، مما يفرض على الدول العربية ممارسة سياستها الخارجية وفق سياق جديد يرتكز أساسًا على تقليص الاعتماد على داعم دولي واحد ومعالجة أوجه القصور التكنولوجية والاعتماد غير الصحي على استيراد التقنيات. ويتحقق ذلك من خلال  تطوير وتوسيع نطاق علاقاتها الدولية، وتعزيز قدراتها الذاتية؛ بهدف مواجهة الفراغ الأمني الإقليمي وتراجع رغبة القوى الكبرى في تحمل المسؤولية. كما يشير إلى أن رياح التغيير على الرغم من تكلفتها أخرجت المجتمعات من حالة اللامبالاة والعجز إلى رسم مستقبلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى