دكتورة نورهان العباسي تكتب.. الكاريبي على حافة الهاوية

دخلت العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا مرحلة هي الأخطر منذ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، بعدما أعلنت واشنطن توجيه اتهامات جنائية ضد الزعيم الكوبي السابق راؤول كاسترو وخمسة مسؤولين آخرين، على خلفية إسقاط طائرتين مدنيتين تابعتين لمنظمة “إخوة الإنقاذ” عام 1996، ما أدى إلى مقتل أربعة أمريكيين من أصول كوبية.
الاتهامات الأمريكية لم تُنظر إليها في هافانا باعتبارها تحركًا قضائيًا فقط، بل كرسالة سياسية مباشرة تستهدف رأس النظام الكوبي التاريخي، وهو ما دفع التوتر سريعًا إلى مستويات غير مسبوقة.
حادث قديم يعود لإشعال الصراع
ورغم مرور نحو 30 عامًا على حادث إسقاط الطائرتين، فإن القضية لا تزال تمثل جرحًا مفتوحًا داخل الجالية الكوبية في ميامي، التي تعتبر أن المسؤولين الكوبيين أفلتوا من العقاب لعقود طويلة.
وتعود الواقعة إلى 24 فبراير 1996، حين أسقطت مقاتلات كوبية الطائرتين فوق المياه الدولية، بحسب تحقيقات دولية، بينما أصرت هافانا على أن الطائرتين اخترقتا مجالها الجوي. ومنذ ذلك الحين تحولت القضية إلى أحد أبرز ملفات العداء بين واشنطن والنظام الكوبي. ومع إعادة فتح الملف الآن، بدا واضحًا أن الإدارة الأمريكية لا تسعى فقط لإحياء قضية قديمة، بل تستخدمها كورقة ضغط في معركة أكبر مع هافانا.
واشنطن تنتقل من العقوبات إلى سياسة “الخنق الكامل”
التصعيد القضائي جاء متزامنًا مع تحركات أمريكية واسعة لتشديد الضغط الاقتصادي والسياسي على كوبا، إذ فرضت إدارة الرئيس ترامب خلال الأشهر الأخيرة عقوبات جديدة استهدفت قيادات عسكرية وأجهزة استخبارات وشركات شحن وطاقة مرتبطة بالحكومة الكوبية.
كما كثفت واشنطن حصارها النفطي على الجزيرة، في محاولة لعزل النظام اقتصاديًا ودفعه إلى تقديم تنازلات سياسية، خاصة مع تصاعد الحديث داخل دوائر أمريكية عن أن لحظة إسقاط النظام أصبحت أقرب من أي وقت مضى.
أزمة اقتصادية تدفع الجزيرة إلى حافة الانهيار
ومع اتساع دائرة العقوبات، دخلت كوبا واحدة من أسوأ أزماتها الاقتصادية منذ عقود، حيث تعاني البلاد من نقص حاد في الوقود والغذاء والدواء، إلى جانب انقطاعات شبه يومية للكهرباء.كما اضطرت الحكومة إلى تقليص خدمات النقل العام، بينما أغلقت مدارس وجامعات في بعض المناطق بسبب نقص الطاقة، في وقت حذرت فيه تقارير دولية من تراجع قدرة المستشفيات ومحطات المياه على العمل بشكل طبيعي.
هذه الأزمة المتفاقمة لم تؤدي فقط إلى زيادة معاناة المواطنين، بل أشعلت أيضًا موجات غضب واحتجاجات متفرقة ضد الحكومة، وهو ما تراهن عليه واشنطن باعتباره نقطة ضعف قد تسرّع سقوط النظام.
هافانا ترد بالاستنفار العسكري
لكن بدلًا من التراجع، اختارت القيادة الكوبية الرد عبر التصعيد السياسي والعسكري. فقد رفعت هافانا حالة التأهب داخل الجيش، ونفذت مناورات عسكرية واسعة بالتزامن مع تصاعد الخطاب المعادي لواشنطن في الإعلام الرسمي.
وفي رسالة حملت تهديدًا واضحًا، حذر الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل من أن أي تدخل أمريكي سيؤدي إلى “حمام دم”، مؤكدًا أن كوبا لن تستسلم مهما بلغت الضغوط.
ويستند النظام الكوبي في موقفه إلى عقيدة سياسية راسخة منذ الثورة، تقوم على شعار “الوطن أو الموت”، وهو الشعار الذي عاد بقوة في الخطاب الرسمي خلال الأيام الأخيرة.
البنتاجون يدرس سيناريوهات المواجهة
ومع تصاعد التهديدات المتبادلة، بدأت واشنطن بالفعل دراسة الخيارات العسكرية المحتملة.وكشفت تقارير أمريكية أن البنتاجون ووكالات الاستخبارات يعملان على تقييم رد الفعل الكوبي في حال وقوع مواجهة مباشرة، خاصة بعد توجيه الاتهامات إلى راؤول كاسترو. وتشمل تلك الدراسات تقدير قدرة الجيش الكوبي، واحتمالات استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، إضافة إلى تداعيات أي صدام على أمن البحر الكاريبي.
الطائرات المسيّرة تزيد المخاوف الأمريكية
وفي خضم هذه التوترات، تصاعد القلق الأمريكي بعد معلومات تحدثت عن حصول كوبا على أكثر من 300 طائرة مسيّرة هجومية، وسط تقارير عن مناقشات داخلية في هافانا حول استخدام هذه المسيّرات ضد قاعدة جوانتانامو الأمريكية إذا اندلعت مواجهة عسكرية. ورغم نفي الحكومة الكوبية وجود نوايا هجومية، فإن واشنطن تعتبر هذه التحركات مؤشرًا خطيرًا على تحول الأزمة من مجرد صراع سياسي إلى استعدادات عسكرية فعلية.
صراع يتجاوز حدود كوبا وأمريكا
الأزمة الحالية لا تنفصل أيضًا عن التنافس الدولي المتصاعد بين الولايات المتحدة وخصومها العالميين. فواشنطن تتهم كوبا بتعزيز علاقاتها مع روسيا والصين وإيران، كما تتحدث تقارير أمريكية عن وجود أنشطة استخباراتية روسية وصينية داخل الجزيرة التي تبعد نحو 90 ميلًا فقط عن السواحل الأمريكية.وبالنسبة للإدارة الأمريكية، فإن استمرار هذا النفوذ بالقرب من حدودها يمثل تهديدًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله، خاصة في ظل التوترات الدولية الحالية.
مفاوضات سرية فشلت في احتواء التصعيد
ورغم هذا المشهد المتوتر، لم تتوقف محاولات التفاوض بشكل كامل، فقد كشفت تقارير عن لقاءات سرية جرت خلال الأشهر الماضية بين مسؤولين أمريكيين وكوبيين، تضمنت عروضًا أمريكية بالمساعدات الإنسانية وخدمات الإنترنت الفضائي “ستارلينك” مقابل تقليص علاقات هافانا مع روسيا والصين وإيران. لكن تلك المحاولات لم تنجح في بناء الثقة، بل جاءت لائحة الاتهام ضد راؤول كاسترو لتغلق تقريبًا أي فرصة لتفاهم سريع بين الجانبين.
الكاريبي على حافة الانفجار
وبين حصار اقتصادي خانق، واستنفار عسكري متبادل، وتحركات استخباراتية متصاعدة، تبدو منطقة الكاريبي اليوم أمام أخطر مواجهة منذ عقود.فواشنطن تراهن على أن الضغط الأقصى سيُسقط النظام الكوبي، بينما تستعد هافانا لمعركة تعتبرها “معركة بقاء”. وبين هذا وذاك، يظل شبح الحرب حاضرًا بقوة، في أزمة قد تتجاوز حدود كوبا وأمريكا لتفتح بابًا جديدًا لصراع دولي واسع في قلب البحر الكاريبي.