جدل يتجاوز حدود الشاشات.. كيف تتصدى السينما الفرنسية لقبضة اليمين المتطرف؟

بينما تحاول القوى اليمينية الفرنسية إعادة تشكيل المجال الإعلامي والفني بما يتماشى مع صعودها السياسي المتزايد، ترى النخب الثقافية اليسارية في باريس أن ما يجري ليس مجرد صراع على التمويل أو إدارة المؤسسات الفنية، بل محاولة لإعادة صياغة الوعي الجمعي الفرنسي وإعادة تعريف الهوية الثقافية للجمهورية.
وفي قلب هذه المواجهة يقف الملياردير الفرنسي اليميني فنسان بولوريه، الذي نجح خلال سنوات قليلة في بناء شبكة إعلامية واسعة باتت تمثل أحد أبرز الأذرع المؤثرة لليمين الفرنسي، ما أثار مخاوف الأوساط السينمائية والفكرية من انتقال نفوذ اليمين المتطرف من المجال السياسي إلى السيطرة على أدوات الإنتاج الثقافي والسينمائي.
ففي الوقت الذي خطف فيه مهرجان كان السينمائي الدولي الأضواء في عالم الفن، أثار ممثلون ومخرجون فرنسيون جدلا واسعا عبر رسالة مفتوحة استهدفت بولوريه، المساهم الرئيسي في قناة “كانال+” التي اعتادت دعم السينما الفرنسية من خلال تمويلها. واتهمه الموقعون بالسعي إلى المساهمة في “فاشية العقول”؛ وهي حالة فكرية تتسم بالتعصب الأعمى للرأي، ورفض الاختلاف، وإلغاء الآخر من خلال استخدام آليات الاستبداد، والإقصاء، والتحريض النفسي والفكري داخل المجتمعات.
وند الموقعون على الرسالة التي نشرتها جريدة “ليبراسيون” الفرنسية، والبالغ عددهم نحو 600 من العاملين في مجال السينما، بـ”التنامي المتزايد لنفوذ اليمين المتطرف” داخل السينما الفرنسية عن طريق بولوريه، محذرين من خطر “فرض سيطرة فاشية على الخيال الجماعي”.
غرابة اهتمام اليمين بالثقافة
بالنسبة للموقعين على الرسالة، بدت فكرة اهتمام اليمين بالثقافة غريبة؛ حيث اعتاد اليسار الفرنسي احتكار عالم الفن والإعلام، وبرعوا في استخدام أدواته باعتبارها:
(-) عناصر تعبر عن التراث والإبداع والتنوع الثقافي.
(-)آليات لمعالجة القضايا السياسية بطريقة مباشر.
(-) وسائل جذابة لخوض معارك سياسية
ويشار في ذلك إلى ما يفعله قطب الإعلام ماتيو بيجاس، صاحب راديو نوفاالتي زلزلت المشهد السياسي الفرنسي عبر معلقيها الساخرين، رافعة شعار “في الديمقراطية لا أحد يخاف من الضحك”.
وفي السياق، يعبر الموقعون عن قلقهم من أن مجموعة “كانال+”، التي يملك بولوريه الحصة الأكبر فيها، “استحوذت على 34% من أسهم مجموعة “يو جي سي”، ثالث أكبر شبكة دور سينما في فرنسا، والتي تأُسست في فرنسا عام 1930 تحت اسم “الاتحاد العام للسينما”، وتدير شبكة واسعة من دور العرض السينمائي تبلغ أكثر من 50 دار سينما في فرنسا وبلجيكا، وتعمل أيضا في إنتاج وتوزيع الأفلام.
وينوي بولوريه الاستحواذ الكامل على مجموعة “يو جي سي” بحلول عام 2028، في صفقة ستجعل بولوريه “قادرا على التحكم في كامل سلسلة إنتاج الأفلام، من التمويل إلى التوزيع على الشاشتين الصغيرة والكبيرة في فرنسا”.
إمبراطورية إعلامية لخدمة اليمين المتطرف
تمتلك مجموعة فنسان بولوريه استثمارات إعلامية ودور نشر واسعة في فرنسا وخارجها، تشمل قنوات تلفزيونية وصحفا ودور نشر؛ حيث استحوذ على مجموعة “هاشيت” للنشر، وقنوات “كانال بلوس”، و”سي 8″، و”سي نيوز”، والعديد من المحطات الإذاعية، وصحف “باري ماتش”، و”جورنال دي ديمانش”، و”فام أكتويل”، و”كلوزر”، والعلامة التجارية لبيع الصحف “روليه”.
وأثار هذا التوسع نقاشات في الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية حول تأثير ملكية وسائل الإعلام على الخطاب العام، خاصة في ظل قرب بعض هذه المنصات من أطراف سياسية يمينية. وتحديدا حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بقيادة مارين لوبان وجوردان بارديلا؛ حيث نجح بولوريه في كسر الحواجز التي فصلت لفترة طويلة بين اليمين الكلاسيكي واليمين المتطرف في فرنسا؛ وأقنع لوبان باختيار بارديلا رئيسا للحزب في عام 2022، في خطوة وضعت اليمين الفرنسي المتطرف على طريق أبواب السلطة” بأحد أكبر الدول نفوذا في القارة العجوز.
واعتاد ملياردير الإعلام الفرنسي إحاطة نفسه بشخصيات شديدة العنصرية مثل الصحفي الفرنسي جوفروي ليجون، والذي أدين بالتحريض على الكراهية العنصرية بعد نشر رسوم كاريكاتيرية تمثل النائبة دانييل أوبونو من حزب “فرنسا الأبية” في صورة عبد مكبل.
كما أطلق بولوريه، المولود مطلع أبريل 1952 لعائلة صناعية فرنسية كاثوليكية والحاصل على شهادة في القانون من جامعة باريس نانتير، حركة سياسية تدعى “الاسترداد”، تطالب بترحيل خمسة مليون عربي ومسلم يحملون الجنسية الفرنسية، وتحذر من “إقامة دولة مسلمة داخل الدولة الفرنسية”.
فيلم “التخلي”
كشفت الضجة المثارة حول فيلم “التخلي” عن مزيد من هذا التوجه الأيديولوجي الذي يقوده بولوريه داخل صناعة السينما الفرنسية؛ وهو عمل درامي فرنسي للمخرج فانسون جارون يتناول الأيام الأخيرة التي سبقت حادثة اغتيال مدرس التاريخ والجغرافيا الفرنسي “صامويل باتي” في 16 أكتوبر 2020 على يد متطرف إسلامي من أصول شيشانية، بعد ايام من عرضه رسوما كاريكاتيرية مسيئة للنبي محمد في فصل دراسي خلال حصة دراسية عن حرية التعبير .
ويرى الموقعون على الرسالة أن الفيلم مجرد محاولة من جانب بولوريه وقناة “كانال+”، لاستغلال قصة الاغتيال من أجل الترويج لرسالة “غير متسامحة مع المسلمين”، وهو ما رد عليه مدير القناة ماكسيم سعدي قائلا: هل يخشى نجوم السينما نفوذ بولوريه؟ حسنا، لن تتعامل “كانال+” بعد اليوم مع الموقعين على الرسالة المفتوحة.
وأضاف سعدي: تمويل فنانين يحتقرون الجهة الممولة أمر لم يعد مقبولا. ولا أرغب في العمل مع أشخاص يصفوننا بالفاشيين المقنعين. لقد سئمت من شرح أن “كانال+” تدعم جميع أشكال السينما وكل أنماط التنوع، وأن فيلما مثل “قصة سليمان”، -الذي تروي قصة مهاجر غيني- ما كان ليرى النور لولا دعم القناة!
لكن هذا الرد كان بمثابة صب الزيت على النار بالنسبة إلى أنصار اليسار الفرنسي، الذين رأوا في تهديدات القناة بعدم تمويل أعمالهم دليلا على صحة مخاوفهم من الرقابة؛ فيما تدخل مدير المركز الوطني للسينما-المؤسسة الحكومية التي تقدم الدعم للإنتاج السينمائي والشريك الأساسي لقناة “كانال+”- لمحاولة تهدئة الأجواء، مؤكداً أنه رغم ارتباط تلك الققناة ببولوريه، إلا أنها لم تتوقف عن دعم السينما الفرنسية بكل “تنوعاتها الفكرية”ن مشددا على أهمية مفهوم “الاستثناء الثقافي”.
مفهوم “الاستثناء الثقافي”
والثستثناء الثقافي هو مبدأ سياسي وقانوني يعتبر المنتجات الثقافية، مثل السينما والأدب والموسيقى- قيماً إنسانية ورمزية وليست مجرد سلع تجارية عادية.
وبحسب تقارير إعلامية، كان مفهوم “الاستثناء الثقافي” يحظى بشعبية واسعة نسبيا في فرنسا. وترجع جذوره إلى إنشاء المركز الوطني للسينما عام 1946، حين جسدت الدولة بعد الحرب العالمية الثانية دعمها للإنتاج الفني الفرنسي.
لكن الطابع النضالي والمؤسساتي لهذه الفكرة تعزز خلال عهد الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران ووزير ثقافته جاك لانج. وبعد مرور ثمانين عاما، بات كثيرون ينظرون إلى “الاستثناء الثقافي” باعتباره منظومة لخدمة أجندة تقدمية.
وفي ظل هذا المشهد، دعا ألف فنان ومثقف فرنسي إلى “توحيد المقاومة الثقافية ضد التجمع الوطني اليميني”؛ وكان من بين الموقعين جوليا كاجيه المقربة من حزب “فرنسا الأبية” اليساري المعارض، والمخرج الشيوعي روبير جيديجيان؛ حيث دعا الموقعون إلى “تشكيل ائتلاف فني ثقافي علمي لمواجهة العالم الذي يعمل اليمين المتطرف على تشييده”.
أسطورة فرنسية مقاومة
تختزل مؤلفة كتاب “تاريخ النمسا” هيلين دو لوزان المشهد قائلة: إن أسطورة المقاومة الفكرية المناهضة للفاشية، التي ولدت في فرنسا عام 1934، لا تزال حية حتى اليوم.
وفي المحصلة، فإن السينما الفرنسية تتحول اليوم من مجرد صناعة إبداعية إلى ساحة اشتباك أيديولوجي مفتوحة، تستخدم فيها أدوات التمويل والإنتاج والإعلام لإعادة رسم الحدود بين حرية التعبير والتوجيه السياسي.
وبينما يرى اليسار أن تمدد نفوذ بولوريه يهدد “الاستثناء الثقافي” الفرنسي، يرد أقطاب اليمين بأن ما يجري ليس سوى كسر لاحتكار ثقافي طويل فرض رؤية أحادية على المجتمع الفرنسي.
وبين التيارين، فإن المعركة الحالية تتجاوز حدود الأفلام والقنوات التلفزيونية، لتعكس صراعا أوسع على هوية فرنسا السياسية والثقافية في مرحلة تشهد فيها أوروبا -بأكملها- تصاعد النزعات القومية والمحافظة.