مجدى طنطاوى يكتب.. كلنا نمثل على الله.. وكلنا أغبياء

من أخطر ما وصل إليه الإنسان في هذا العصر أنه لم يعد يخدع الناس فقط، بل أصبح يحاول خداع الله نفسه، وكأن الله لا يعلم السر وأخفى، وكأن المظاهر قادرة على تزوير الحقائق أمام خالق السماوات والأرض.
صرنا نرى التدين يتحول، عند كثيرين، إلى مسرح كبير:
ثياب خاصة،
ولحى طويلة،
وصلوات أمام الكاميرات،
وخطب رنانة،
وشعارات عن الفضيلة،
لكن حين تسقط الأقنعة يظهر الجشع والكراهية والتعصب وحب السلطة والمال.
والمصيبة أن هذا التمثيل لم يعد مقتصرًا على العامة، بل دخل إلى بعض رجال الدين أنفسهم، فمنهم من يتحدث عن الرحمة وهو يزرع الفتنة، ومنهم من يرفع شعار المحبة وهو يحتقر الآخرين، ومنهم من يتحدث باسم الله وكأنه وكيل حصري للجنة والنار.
بعض المشايخ، وبعض القساوسة، وبعض الحاخامات، وقعوا في الفخ نفسه، فبدلًا من أن يكون الدين طريقًا لإنقاذ الإنسان، أصبح عند بعضهم وسيلة للنفوذ والسيطرة وإخافة الناس.
كل فريق يزعم أنه وحده يملك الحقيقة المطلقة، وأن الله لا يسمع إلا له، ولا يرضى إلا عنه.
والحقيقة المؤلمة أن البشرية كلها تعيش حالة من الغباء الجماعي:
نقتل بعضنا باسم الله،
ونسرق باسم الوطنية،
ونكذب باسم الحكمة،
ونخدع باسم الأخلاق،
ثم نقف بكل وقاحة لنقول إننا أهل الحق.
كيف يصدق الإنسان أنه يخدع الله، وهو يعلم أن الله يقول:
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
وكيف يتصور رجل دين، أو سياسي، أو إعلامي، أنه قادر على تزوير الحقيقة إلى الأبد، بينما التاريخ نفسه يفضح الجميع ولو بعد حين؟
إن أخطر أنواع الغباء ليس الجهل،
بل ادعاء المعرفة،
وليس الكفر الصريح،
بل النفاق المتخفي خلف الكلمات المقدسة.
كم من إنسان بسيط لا يرفع شعارات دينية، لكنه عند الله أصدق وأنقى من آلاف الخطباء،
وكم من رجل دين يملأ الدنيا وعظًا، بينما قلبه ممتلئ بالكبر والطمع والتعصب.
الله لا يحتاج إلى ممثلين عنه،
ولا إلى جيوش تتاجر باسمه،
ولا إلى خطباء يصرخون في الناس، بينما أفعالهم تكذب أقوالهم.
الله يريد إنسانًا صادقًا،
عادلًا،
رحيمًا،
لا يؤذي الناس،
ولا يستغل الدين لتحقيق مصالحه.
إن البشرية لن تنجو إلا عندما تتوقف عن عبادة الأشخاص والطوائف والمظاهر، وتعود إلى جوهر القيم الإلهية الحقيقية:
العدل،
الرحمة،
الصدق،
حرية الإنسان،
وكرامته.
أما الاستمرار في خداع النفس وتمثيل الفضيلة، فلن يصنع إلا مزيدًا من الكراهية والانهيار.
والمؤسف أن كثيرين سيغضبون من هذا الكلام؛ لأنهم تعودوا سماع ما يريحهم، لا ما يكشفهم.
لكن الحقيقة تبقى واضحة:
الله لا ينخدع،
والتاريخ لا يرحم،
والأقنعة، مهما طالت، ستسقط يومًا ما.