نهضة العلماء نموذجًا.. كيف انتقلت الصوفية من جامعة الأزهر إلي ماليزيا؟

تُعد دراسة انتقال الأفكار الدينية مدخلًا جوهريًا لفهم آليات تشكيل الأنماط الفكرية عبر المجتمعات، إذ يتضح أن هذه الأفكار لا تتحرك عبر الحدود الجغرافية باعتبارها عوائق صلبة، بل تنتقل من خلال الأفراد الذين يحملونها، وما ينشأ عن ذلك من معرفة وثقافة تُعيد إنتاجها وتكييفها داخل سياقات اجتماعية جديدة. ومن هذا المنطلق، تصبح حركة العلماء والطلاب عنصرًا أساسيًا في تفسير الكيفية التي تتبلور بها الممارسات الدينية وتترسخ في بيئات متعددة.

وفي هذا السياق، تبرز نهضة العلماء بوصفها نموذجًا حيًا لتجذر الفكر الإسلامي في إندونيسيا، حيث تمكنت من ترسيخ رؤية دينية متوازنة تجمع بين الالتزام بالأبعاد الشرعية والروحية، وبين القدرة على استيعاب الخصوصيات الثقافية المحلية وإدماجها ضمن إطار ديني منظم. ويعكس هذا النموذج حصيلة تاريخية لتفاعلات علمية وروحية ممتدة مع مراكز معرفية بارزة في العالم الإسلامي.

وبناء عليه، يوضح هذا التحليل الدور الذي اضطلع به طلاب إندونيسيا الذين تلقّوا تعليمهم في مصر، ولا سيما في الأزهر الشريف، في نقل ملامح التصوف إلى بيئتهم المحلية. كما يتناول الكيفية التي جرى من خلالها توظيف هذا الإرث الروحي وإعادة تشكيله ضمن السياق الإندونيسي، بما أسهم في بلورة نموذج ديني واجتماعي متوازن، قادر على التكيّف مع الخصوصيات الثقافية والاجتماعية، والمساهمة في صياغة البنية الفكرية والروحية للمجتمع الإندونيسي.

التواصل العلمي بين الأزهر وإندونيسيا:

يُجسّد الأزهر الشريف امتدادًا تاريخيًا عميقًا للعلاقة العلمية والروحية بين مصر وإندونيسيا، وهي علاقة تأسست على الاحترام المتبادل والمحبّة والإخاء، وتعود جذور هذه الصلة إلى قرون مضت، حين شكّلت رحلات الحج أولى محطات التلاقي بين العلماء المصريين والحجاج الإندونيسيين، الذين كانوا يستفتون علماء الأزهر في قضايا الفقه والشريعة. ومع مرور الزمن، تطوّر هذا التواصل إلى مسارٍ تعليمي منظّم منذ أكثر من قرن ونصف، جعل من القاهرة وجهةً علمية راسخة لطلاب إندونيسيا.

وفي إطار هذا الامتداد، أولى الأزهر اهتمامًا خاصًا بأبناء إندونيسيا، فخصّص لهم الرواق الجاوي داخل الجامع الأزهر، نسبةً إلى جزيرة جاوة، كأحد أبرز معالم حضورهم العلمي. ولا يزال هذا الرواق قائمًا حتى اليوم شاهدًا على عمق العلاقة بين الجانبين. وقد تطوّر هذا الحضور لاحقًا بإنشاء رواق إندونيسيا الحديث، الذي أسسه طلاب أزهريون من أبناء إندونيسيا، ليكون امتدادًا معاصرًا لهذا التواصل عبر أنشطة علمية وثقافية، من أبرزها إصدار مجلة أزهري باللغة الإندونيسية، وإعداد كتيبات تعريفية بالمنهج الأزهري، فضلًا عن تدشين منصات إلكترونية تُعنى بالدفاع عن الفكر الوسطي ونشره.

ومن خلال هذا الإطار المؤسسي، تبلورت تجربة علمية وروحية متكاملة لطلاب إندونيسيا في الأزهر، حيث جمعوا بين علوم الدين وعلوم الحياة، وتشربوا المنهج الأزهري علمًا وسلوكًا عبر أجيال متعاقبة. وقد أسهم هذا التكوين في تخريج نخبة من الرموز الإندونيسية الذين عادوا إلى بلادهم علماء وقادة، وتبوؤوا مناصب دينية وسياسية بارزة، ليصبحوا سفراء لرسالة الإسلام المعتدل في مجتمعاتهم. وهكذا لم يكن الأزهر مجرد مؤسسة تعليمية، بل فاعلًا حضاريًا في بناء جسور التواصل بين الشعوب، من خلال طلابه الوافدين وبعثاته الخارجية وشبكاته التعليمية، خاصة في إندونيسيا، حيث حظي برصيد تاريخي راسخ من المحبة والتقدير الشعبي.

وانطلاقًا من هذا الدور، يمكن القول إن تجربة الطلاب الإندونيسيين في الأزهر لا تُختزل في التحصيل العلمي وحده، بل تُعدّ رحلة تكوين ممتدة، حملوا بعدها إلى وطنهم مشاعل التنوير، حاملين خطابًا دينيًا رشيدًا يجمع بين العلم والخلق، وبين الأصالة والانفتاح، وهو ما شكّل الأساس الذي قامت عليه لاحقًا تجارب مؤثرة في المجتمع الإندونيسي، وفي مقدمتها تجربة نهضة العلماء.

انتقال التصوف من مصر إلى إندونيسيا وإعادة تأسيسه في السياق المحلي؛

يُعَدّ انتقال التصوف من مصر إلى إندونيسيا عبر طلاب الأزهر الشريف إحدى المحطات الأساسية في تشكّل التدين الصوفي داخل الأرخبيل الإندونيسي، إذ لم يكن مجرد حركة علمية تقليدية، بل انتقالًا لمنظومة معرفية وروحية متكاملة. فقد عاد هؤلاء الطلاب وهم يحملون تصورًا دينيًا يجمع بين العلوم الشرعية والتربية الروحية والسلوك الصوفي، بما أتاح إدخال نموذج ديني متوازن إلى البيئة الإندونيسية. ومع استقرارهم داخل مؤسسة نهضة العلماء والمعاهد التقليدية، أصبحوا الحلقة الوسيطة التي نقلت هذا النموذج وأعادت إنتاجه في سياقه المحلي، بحيث لم يعد التصوف فكرة نظرية، بل ممارسة تربوية ومؤسسية داخل بنية التعليم الديني.

وانطلاقًا من هذه المرحلة التأسيسية، يمكن فهم تاريخ التصوف في إندونيسيا بوصفه مسارًا تراكميًا سابقًا على هذا الانتقال المؤسسي، إذ ارتبط ظهوره الأول بدخول الإسلام إلى الأرخبيل عبر طرق تجارية ودعوية متعددة، حملت في طياتها نزعة روحية، حيث كان التصوف جزءًا أصيلًا من البنية الدينية. ومن ثمّ، لم يظهر الإسلام في إندونيسيا في صورته الفقهية الصارمة فحسب، بل تميز منذ بداياته بكونه إسلامًا ذا بعد صوفي يركز على التزكية والسلوك الروحي إلى جانب الالتزام العقدي والشرعي. ومع تطور حركة التعليم الديني وتزايد التواصل مع المراكز الإسلامية الكبرى، وعلى رأسها الأزهر، تعمّق هذا البعد الصوفي واكتسب طابعًا أكثر تنظيمًا ووضوحًا.

وعلى هذا الأساس، شهد التصوف في إندونيسيا عملية تكيّف تدريجي مع البيئة الثقافية المحلية، حيث اتسمت بعمق بنيوي واضح. فالمجتمع الإندونيسي، ولا سيما في جاوة، كان يمتلك قبل الإسلام تراثًا روحيًا يقوم على التأمل والبحث عن المعنى الوجودي، ما جعل التصوف الإسلامي يجد أرضًا خصبة للاندماج. وبمرور الزمن، لم يُنظر إلى التصوف باعتباره عنصرًا وافدًا، بل أُعيد توظيفه ضمن النسق الثقافي المحلي، حتى أصبح جزءًا من البناء القيمي والاجتماعي. وقد ساعدت طبيعة التعليم داخل البِسانترين على هذا الاندماج، إذ أُدخلت الممارسات الصوفية في العملية التربوية اليومية، فارتبطت بالانضباط السلوكي وتكوين الشخصية، لا بمجرد الطقوس التعبدية المنعزلة.

ومن ثمّ، تجلّت مظاهر التصوف في إندونيسيا في صور اجتماعية متعددة. ففي المعاهد الإسلامية التقليدية، أصبح التصوف جزءًا من المنهج التربوي، حيث تُمارس حلقات الذكر وتُعتمد التربية الروحية بإشراف الشيخ المربي، بما يعزز تكامل البعد العلمي مع البعد السلوكي. كما برزت الطرق الصوفية الكبرى، مثل القادرية والنقشبندية والشاذلية، بوصفها أطرًا تنظيمية للتربية الروحية، لكنها لم تُقدَّم كممارسات منفصلة عن الحياة، بل كمنظومات تهدف إلى تهذيب السلوك وإدماج القيم الدينية في الحياة اليومية. ونتيجة لذلك، لم يعد التصوف نشاطًا محدودًا، بل تحوّل إلى مكوّن أساسي في الهوية الدينية والثقافية، يجمع بين الروحانية والعمل، وبين التربية الفردية والبناء الاجتماعي.

وفقا لذلك، يتضح أنّ انتقال التصوف إلى إندونيسيا بدأ بطلاب الأزهر العائدين، واستندت إلى جذور تاريخية سابقة لدخول الإسلام، ثم تطورت عبر التكيّف الثقافي، وانتهت إلى تشكّل نموذج صوفي محلي متجذر داخل البنية الدينية والاجتماعية الإندونيسية.

 دور التصوف في تشكيل نهج نهضة العلماء:

يُظهر التصوف مكانة مركزية في خطاب نهضة العلماء منذ تأسيسها على يد هاشم أشعري عام 1926 حيث لم يكن مجرد خيار تقليدي عفوي، بل توجهًا منهجيًا واعيًا ارتكز على دمج الأبعاد الثلاثة للدين: الشريعة والعقيدة، والتصوف. هذا الدمج جعل من الإسلام منظومة متكاملة لا تنفصل فيها المظاهر الظاهرية عن الباطنية، بحيث يُطرح التصوف كمكمل للفقه، يضبط السلوك ويهذّب النفس ويحول دون الانزلاق نحو التشدد مما منح الخطاب الديني للجمعية طابعًا توازنيًا منذ نشأتها.

وقد اعتمدت الجمعية ما يُعرف بالتصوف السني المستند إلى تراث أبي حامد الغزالي والجنيد البغدادي، وهو تصوف منضبط بالشريعة يجمع بين الالتزام بالأحكام الشرعية والتجربة الروحية العميقة. هذا التوجه أتاح الجمع بين العقل والنقل، وبين النص والواقع، وجعل التصوف إطارًا معرفيًا مرنًا قادرًا على استيعاب التعددية الثقافية دون التفريط في الأصول، بحيث لم يعد التصوف مجرد بعد روحي، بل أصبح أداة تفسيرية تحدد آليات تنزيل الدين في المجتمع.

كما أسهم هذا التصور في إعادة تشكيل مفهوم التدين داخل نهضة العلماء، حيث لم يعد التدين مقتصرًا على الامتثال الظاهري، بل ارتكز على تهذيب النفس وتنمية القيم الأخلاقية مثل التسامح والتواضع وضبط النفس. وقد كان لهذا التحول أثر بالغ في بناء خطاب ديني قادر على مواجهة النزعات المتشددة، حيث يعزز التصوف البعد الإنساني في الدين ويحد من النزعة الإقصائية، مما جعله أداة فعالة لإنتاج وعي ديني متوازن ينسجم مع تعقيدات الواقع الاجتماعي.

ومن زاوية أخرى، لعب التصوف دورًا محوريًا في ربط الإسلام بالثقافة المحلية الإندونيسية، وهو ما تجلّى في مفهوم الإسلام نوسانتارا، الذي يعكس قدرة الإسلام على التفاعل الإيجابي مع الخصوصيات الثقافية. وبفضل مرونة التصوف، تمكنت الجمعية من استيعاب العادات والتقاليد المحلية وإعادة تأويلها ضمن إطار إسلامي، مما جعله لغة مشتركة بين الدين والمجتمع وساهم في ترسيخ الاستقرار الثقافي والديني.

وانطلاقًا من هذا الأساس الفكري، انتقل التصوف من مرحلة التنظير إلى مرحلة التطبيق في المؤسسات حيث نجحت نهضة العلماء في بناء شبكة تنظيمية واسعة تضم نحو 130 مليون عضو وأكثر من 40 ألف معهد ديني، وتمثل هذه المعاهد البنية التحتية لنشر الفكر الصوفي المعتدل، إذ تجمع بين التعليم الشرعي والتربية الروحية تحت إشراف علماء الذين يطلق عليهم كياي يرتبط كثير منهم بالطرق الصوفية، مما جعل التصوف جزءًا من الممارسة اليومية داخل المجتمع.

وفي امتداد طبيعي لهذا الحضور المجتمعي، أسهمت هذه الشبكة في تعزيز دور الجمعية في نشر الاعتدال ومواجهة التطرف بصورة غير مباشرة، من خلال بناء وعي جمعي قائم على التسامح وقبول الآخر. كما انعكس ذلك في تأثيرها غير المباشر في المجال السياسي، حيث تمارس دورًا مهمًا في توجيه الرأي العام ودعم الاستقرار دون الانخراط الحزبي المباشر. وبذلك، يتضح أن نهضة العلماء قد نجحت في تحويل التصوف إلى قوة ناعمة فاعلة، تشكّل أساسًا لرؤيتها الدينية والاجتماعية، وتسهم في ترسيخ نموذج للإسلام الوسطي في العالم المعاصر.

وختامًا، لا يمكن اختزال انتقال التصوف من مصر إلى إندونيسيا في كونه مجرد عملية نقل جامدة لمضامين فكرية مكتملة، بل ينبغي النظر إليه باعتباره مسارًا تفاعليًا أعاد فيه الفاعلون المحليون إنتاج هذا التراث ضمن شروطهم الثقافية والاجتماعية الخاصة. فقد خضع التصوف، في سياق انتشاره، لعمليات تأويل وتكييف جعلته أكثر اندماجًا في البنية المجتمعية، وهو ما يفسر قدرته على الاستمرار والتحول إلى مكوّن أصيل في التدين الإندونيسي.

وفي هذا السياق، تبرز التجربة بوصفها نموذجًا دالًا على فاعلية القوة الناعمة المصرية، حيث اضطلع الأزهر الشريف بدور يتجاوز الوظيفة التعليمية التقليدية ليُسهم في تشكيل أنماط التدين خارج المجال الجغرافي الوطني. وقد تحقق هذا التأثير عبر شبكات علمية وبشرية نقلت المعرفة الدينية مقرونة بمنظومة قيمية وسلوكية ما أتاح حضورًا مصريًا ممتدًا قائمًا على التفاعل لا الهيمنة، وعلى الإقناع لا الإكراه.

ومن منظور آخر، تكشف هذه الحالة أن الأفكار ذات الطابع الروحي تكتسب فاعليتها التاريخية حين تنخرط في البنى الاجتماعية وتُترجم إلى إجراءات عملية قادرة على إعادة إنتاجها عبر الزمن. وعليه، فإن أثر التصوف في إندونيسيا لا يُفهم فقط في إطار انتقال المعرفة، بل في سياق تشكّل نموذج ديني _ اجتماعي استطاع أن يتجاوز حدوده المحلية ليغدو جزءًا من توازنات أوسع في العالم الإسلامي المعاصر.

ريهام السادات

ريهام السادات- رئيس برنامج التحولات الداخلية بالمركز، الباحثة حاصلة على بكالوريوس العلوم السياسية، متخصصة في دراسات الأمن الإقليمي والأمن المجتمعي، باحثة ماجستير بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى