التأثيرات المحتملة للخلاف بين “باول” و”ترامب” على الاقتصاد الغربي

يُعدّ الاقتصاد الغربي، وعلى رأسه الولايات المتحدة وأوروبا، الأكثر تأثراً بأي اهتزاز في استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، نظراً لمركزية الدولار والأسواق الأمريكية في النظام المالي العالمي، ويظهر هذا جلياً في الآتي:

١- تقلبات الأسواق المالية:

أي إشارة لتدخل سياسي في قرارات الفائدة الأمريكية تؤدي فوراً إلى تقلبات في أسواق الأسهم والسندات، وارتفاع مستويات عدم الثقة لدى المستثمرين.

٢- تآكل الثقة المؤسسية:

استقلال البنك المركزي يُعدّ حجر الأساس في ثقة الأسواق، والتشكيك فيه يرفع علاوة المخاطر ويزيد تكلفة الاقتراض.

٣- الانعكاسات على أوروبا:

البنك المركزي الأوروبي يتأثر بشكل غير مباشر بسياسات الفيدرالي، حيث تؤدي الفجوات في أسعار الفائدة إلى تحركات غير مستقرة في اليورو وتدفقات رؤوس الأموال.

الانعكاسات المحتملة:

باعتبار الدولار العملة الاحتياطية الأولى عالمياً، فإن أي صراع حول السياسة النقدية الأمريكية يتجاوز حدود الولايات المتحدة، ويؤدي إلى:

١- تذبذب تدفقات رؤوس الأموال، حيث إن الدول الناشئة تتأثر بخروج الاستثمارات في حال ارتفاع الفائدة أو غياب الوضوح في السياسة النقدية.

٢- تقلب أسعار السلع العالمية كالذهب والنفط والقمح، إذ تتفاعل بقوة مع تصريحات الفيدرالي، ما ينعكس على معدلات التضخم عالمياً.

٣- زيادة مخاطر الأزمات المالية، نتيجة عدم استقلال البنوك المركزية الكبرى، ما قد يشجع تدخلات سياسية مشابهة في دول أخرى ويهدد الاستقرار المالي الدولي.

فرص وتحديات الاقتصادات العربية:

الاقتصادات العربية، رغم تنوعها، تبقى مرتبطة بالدولار والأسواق الغربية بدرجات متفاوتة، على سبيل المثال:

١- الدول النفطية: تتأثر بالفائدة الأمريكية من خلال أسعار النفط والاستثمارات الأجنبية في قطاعات الطاقة.

٢- الدول المستوردة للطاقة: تواجه ضغوطاً تضخمية إضافية في حال ارتفاع الدولار أو أسعار السلع.

٣- السياسات النقدية العربية: غالباً ما تضطر البنوك المركزية العربية إلى محاكاة تحركات الفيدرالي للحفاظ على استقرار العملة.

حدود التأثير على مصر:

تُعدّ مصر من أكثر الدول العربية تأثراً بالسياسة النقدية الأمريكية للأسباب التالية:

١- سعر الصرف: ارتفاع الفائدة الأمريكية يعزز قوة الدولار، ما يضغط على الجنيه المصري.

٢- الدين الخارجي: زيادة أسعار الفائدة العالمية ترفع تكلفة خدمة الدين.

٣- الاستثمار الأجنبي: الاستثمارات غير المباشرة تصبح أكثر حساسية لأي توتر في الأسواق العالمية.

٤- التضخم المحلي: تقلبات أسعار السلع العالمية المرتبطة بالدولار تنعكس مباشرة على الأسعار في السوق المصري.

ومع ذلك، فإن وضوح واستقلال السياسة النقدية الأمريكية، كما يدافع عنها باول، يظل عاملاً للاستقرار النسبي مقارنة ببيئة عالمية غير متوقعة.

لماذا استقلال البنوك المركزية مسألة أمن اقتصادي؟

١- استقلال السياسة النقدية لم يعد مسألة تقنية، بل أحد عناصر الأمن القومي الاقتصادي.

٢- تدخل السياسة في عمل البنوك المركزية يفتح الباب لأزمات تضخم وفقدان الثقة وهروب رؤوس الأموال.

٣- موقف باول في دافوس يعكس إدراكاً عالمياً بأن المساس بهذا الاستقلال قد يخلق عدوى اقتصادية دولية.

توصيات استراتيجية للدول وصنّاع القرار

أولاً: للدول المتقدمة

١- تعزيز الأطر القانونية التي تحمي استقلال البنوك المركزية.

٢- تقليل الخطاب السياسي التصعيدي تجاه المؤسسات النقدية.

٣- رفع مستوى الشفافية في التواصل مع الأسواق.

ثانياً: للدول العربية

١- تنويع الاحتياطيات النقدية وتقليل الاعتماد المفرط على الدولار.

٢- تعزيز التنسيق بين السياسات المالية والنقدية.

٣- إنشاء احتياطات وسياسات مالية لمواجهة تقلبات الأسواق العالمية.

ثالثاً: لمصر

١- الاستمرار في سياسات سعر الصرف المرنة والمدروسة.

٢- توسيع قاعدة الصادرات وتقليل الاعتماد على الواردات التي تحتاج عملة صعبة.

٣- جذب استثمارات طويلة الأجل بدلاً من الاعتماد على الأموال الساخنة (استثمارات قصيرة الأجل وعالية المخاطر مثل السندات وأذون الخزانة والمضاربات في البورصة).

٤- تعزيز استقلالية البنك المركزي كرسالة ثقة للأسواق الدولية.

في النهاية، ما حدث في دافوس 2026 لم يكن مجرد خلاف بين رئيس أمريكي ورئيس بنك مركزي، بل اختباراً حقيقياً لصلابة النظام المالي العالمي. دفاع جيروم باول عن استقلال الاحتياطي الفيدرالي لم يكن موقفاً شخصياً، بل رسالة واضحة بأن استقرار الاقتصاد العالمي يبدأ من حماية المؤسسات النقدية من التقلبات السياسية، وهي رسالة تهم العالم بأسره، وبشكل خاص الاقتصادات العربية والناشئة مثل مصر.

لواء أحمد زغلول

اللواء دكتور أحمد زغلول مهران: المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية، سيادته كان مساعدًا لمدير المخابرات الحربية، حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الإدارية، كما أنه خبير متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى